الراحة والكفاءة تدفعان عجلة ابتكارات التكنولوجيا الصحية في المنطقة

Image courtesy of Shutterstock

Read In

 لا يتّفق المؤرخون على مكان وزمان تأسيس أول مستشفى في العالم ولكن ليس هناك شك في أن الشرق الأوسط كان مركزاً طبياً في ذروة العصر الذهبي الإسلامي. ففي تلك الفترة وفي ظل حكم العديد من الخلفاء، كانت المنطقة رائدة في الإنجازات الطبية حيث طوّرت أدوات وأجهزة لا تزال موجودة بشكل أو بآخر في مستشفيات اليوم.

ولكن على غرار الكثير من أوجه التطوّر المجتمعي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حلّ الركود محلّ الابتكار. ويتوقّع تقرير للهيئة التجارية الإقليمية الممثلة لمصنّعي الأجهزة الطبية ومعدات التشخيص في الشرق الأوسط (ميكوميد)، أن تبلغ القيمة السنوية لسوق التكنولوجيا الطبية في المنطقة 11 مليار دولار بحلول 2021 مقابل 144 مليار دولار قيمة الإنفاق على الرعاية الصحية بحلول 2022 وفق تقرير لـ" شركة الماسة كابيتال ليمتد" Al Masah Capital

تشكّل التكنولوجيا جزءاً كبيراً من هذا الإنفاق، حيث استطاعت التغلغل في جميع قطاعات الرعاية الصحية تقريباً. فهي تستخدم أكثر فأكثر لعلاج أسباب الأمراض المزمنة وأعراضها مثل السّكري الذي يصيب 35 مليون شخص في أنحاء المنطقة. ولكن مقابل ازدياد الاستثمار في القطاع، لا تزال المنطقة تفتقد إلى التكنولوجيا العميقة والبحث والتطوير.

تميل العديد من الشركات الناشئة في قطاع التكنولوجيا الصحية إلى تلبية الجانب الخدماتي، حيث تهدف إلى زيادة الوصول إلى الرعاية الصحية والكفاءة والدّقة وفي الوقت نفسه تخفيف التكاليف على مقدّمي الرعاية.

العثور على خدمة وحجزها

من أكثر الشركات الناشئة شعبية في المنطقة هي منصّات حجز الخدمات على الإنترنت. فالعثور على الطبيب المناسب لحاجاتنا يمكن أن يستغرق وقتاً لا سيما إن لم نكن نعرف الخدمات الطبية المتوفرة في منطقتنا.

من هذه الشركات "ڤيزيتا" Vezeeta المصرية التي حصلت أخيراً على 12 مليون دولار في جولة تمويل جديدة ومليون دولار إضافية من مؤسسة التمويل الدولية، وشركة "دابادوك" Dabadoc المغربية التي سهّلت العثور على طبيب وتقييمه وحجز موعد معه.   

أما في الإمارات، فقد نجح فضيل بن تركية في جمع ألف طبيب على منصّته "أوكادوك" Okadoc التي تخطط لجذب 30% من أطباء الإمارات إليها بحلول 2022.  وولدت فكرة شركته من تجربته الشخصية حين حاول جاهداً الحصول على موعد مع طبيبه حين كان مريضاً.

يقول بن تركية: "نريد أن نجد حلاً للخطوة الأولى في مرحلة المرض أي أن أتمكّن من الشعور بالتحسّن. لذلك أرغب في جعل تجربة الوصول إلى الرعاية الصحية، عمليّة وفعّالة. ويعني ذلك أن نعثر على طبيب يتحدث لغتنا ضمن شبكة بوليصة التأمين الخاصة بنا حين نبحث عنه. لذلك فإنّ تنظيم هذه البيانات مهم للغاية".

تدّعي الشركات التي تقدّم هذه الخدمات أنها استطاعت تخفيض معدّل تخلّف المرضى عن الحضور إلى مواعيدهم بنسبة 75% بفضل خاصّية تذكيرهم بمواعيدهم المقبلة.

إمكانية وصول أفضل إلى الرعاية

في المقابل يجد البعض صعوبة في العثور على الوقت لزيارة الطبيب أو ربما لا يملكون القدرة المادية لذلك، ولهؤلاء أصبحت الطبابة عن بعد أو الرعاية الصحية عن بعد، بديلاً ممكناً.

من بين الشركات الناشئة التي تعمل في هذا المجال، "الطبّي" Altibbi التي تتخذ من دبي مقراً لها، والتي جمعت حتى الآن 8.5 مليون دولار منذ إطلاقها عام 2015. وتقدّم هذه المنصة العربية مقالات ومقاطع فيديو تثقيفية كما توفّر لمستخدميها إمكانية استشارة أخصائي في أحد مجالات الرعاية الصحية عبر اتصال بالفيديو أو الصوت. وقد أطلقت شركة "الطبّي" في الآونة الأخيرة خدماتها في مصر بالشراكة مع وزارة الصحة، حيث تقدّم مليون استشارة مجانية للمساعدة في تخفيف عبء التكاليف الطبية على الشرائح الأكثر فقراً في مصر.

تتسم الرعاية الصحية في الشرق الأوسط بالهرمية نظراً إلى أن الوضع الاقتصادي هو الذي يحدد عادة مدى قدرة الناس على الوصول إلى الرعاية الصحية وجودتها. لذلك تبرز شركات مثل "هيلث آت هاند" Health at Hand للطبابة عن بُعد التي أسسها تشارلي بارلو، والتي تهدف إلى إتاحة وصول الجميع إلى الرعاية الصحية الأولية. ويقول بارلو: "لقد شعرت حقاً أنها ليست ساحة لعب متكافئة. فالوصول إلى الرعاية يعتمد على الثروة والموقع. غير أنّ الحصول على رعاية صحية أولية عالية الجودة هو حق أساسي من حقوق الإنسان وليس امتيازاً لقلّة من الناس، ولكن بالطبع تختلف الأمور كلياً على أرض الواقع".

أسس بارلو "هيلث آت هند" عام 2016 حيث تعمل مع أربعة أطباء بدوام كامل. ويعتبر أن الشركة تحتاج إلى 13 طبيباً فقط لخدمة 3 ملايين شخص على منصّتها. ويبلغ معدّل انتظار كل مريض يتّصل بالشركة، حوالي الدقيقتين فقط. وتأمل الشركة بأن تصبح المقصد الأول للمرضى في حالات غير طارئة، لتتمكّن من تخفيف العبء المادي على شركات التأمين والمرضى على حد سواء.

ويقول إن "السوق محطمة تماماً، حيث يفرض التأمين الصحي الإلزامي ضغطاً أكبر على شركات التأمين".

وتتطلع "هيلث آت هاند" إلى التوسع وإدراج خاصّية توصيل الأدوية إلى منصتها. فإذا كان المريض يعاني من نزلة برد، من السهل على الطبيب المتوفّر على تطبيق الشركة أن يشخّص المرض ويصف الأدوية التي يتم تسليمها بعد ذلك إلى المريض شخصياً.

ويقول بارلو: "في معظم الحالات، ستكون تجربتك في مجال الرعاية الصحية عن بُعد جيدة إن لم تكن أفضل من رؤية طبيبك وجهاً لوجه"، معيداً ذلك إلى أسباب من بينها مدة الانتظار القصيرة والأساس التقني الصلب التي تقوم عليه الشركة.

نطاق الابتكار

يشير تقرير لـ"بي دبليو سي" PwC إلى أن الشرق الأوسط مؤهل ليصبح رائداً على المستوى العالمي في مجال البحث والتطوير في الذكاء الاصطناعي. وبما أن ثلثي المستطلعين في التقرير قالوا إنهم لا يمانعون استبدال الأطباء بالروبوتات أو بالذكاء الاصطناعي، يبدو أن المنطقة منفتحة بالفعل على التغيير التكنولوجي.  

ويقول تيم ويلسون، مسؤول الصناعات الصحية في الشرق الأوسط في "بي دبليو سي" إنه "عندما تجمع النقص في القوى العاملة في المجال الصحي في الشرق الأوسط، مع عوامل أكثر إيجابية مثل فئة الشباب ذوي العقلية الرقمية الراغبين في تبنّي الذكاء الاصطناعي والروبوتات، تعتقد 'بي دبليو سي' أن الشرق الأوسط يمكن أن يتجاوز بلداناً أخرى في هذه التقنيات".

ففي ماراثون للأفكار نظّمته وزارة الصحة الإماراتية وأدارته "ومضة" بالشراكة مع "حكمة فنتشرز" Hikma Ventures، تجلّى المستوى العالي لتطوّر الأفكار وللتقنية المستخدمة. فقد دعت الفعالية التي جرت في الشارقة في شباط/فبراير، طلاباً من مختلف أنحاء الإمارات لعرض أفكارهم في مجال التكنولوجيا الصحية تحت عنوان الصحة العقلية والأمراض المزمنة. وكانت الفكرة الرابحة "إبيكاب" Epicap وهي قبعة مزوّدة بأجهزة استشعار لمساعدة المصابين بالصرع بأن يعرفوا متى يكونون على وشك الإصابة بنوبة كي يتوجهوا إلى مكان آمن.

ولكن رغم وجود أفكار جيدة ورغبة في الابتكار، إلاّ أنه في المقابل تغيب البنية التحتية والدعم المالي المطلوبين من أجل اختبار هذه الأفكار وتطويرها.

فمثلاً واجه وسيم المرعبي، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة "دونور هيلث تيك" Dhonor Healthtech التي تستخدم سلسلة البلوكات والذكاء الاصطناعي لتتبّع الأعضاء التي تمّ التبرّع بها والوصفات الطبية، عقبات في التعامل مع الطبيعة المجزأة للشرق الأوسط ومختلف القوانين التنظيمية.

يقول المرعبي "ثمة بعض التحديات. فمثلاً المواهب المطلوبة في هذا المجال أي المتخصصين في مجال التكنولوجيا يحتاجون رواتب عالية. ونحن شركة ناشئة لذلك لا نستطيع المنافسة لأن الكلفة مرتفعة جداً. ولا يوجد في المنطقة جامعات تخرّج مواهب متفوقة، لذلك نحتاج إلى البحث عن مصادر خارجية لتطوير أنفسنا". لذلك يرى المرعبي إن الانتقال إلى الخارج سيقلّص النفقات ويحقق الإستدامة. 

وبالفعل هاجرت إحدى الشركات من دبي وهي "ميديكوس" Medicus AI التي تشرح نتائج اختبارات الدم والتقارير الطبية لتقديم نصائح صحية حسب الحالة. فقد انتقلت من دبي إلى فيينا بعد أن تلقت استثمارات تأسيسة من مستثمرين أوروبيين تبعتها جولة تمويل بقيمة 3 ملايين دولار بقيادة مستثمر في ألمانيا. وانتقلت الشركة إلى فيينا عام 2016 حيث البيئة الحاضنة للشركات الناشئة أكثر دعماً للتكنولوجيا والابتكار العلمي العميق.

ورغم كل ذلك، ثمة رغبة في الشرق الأوسط لا سيما في الإمارات، في إتاحة ودعم الابتكار التكنولوجي العميق. ومن بين العروض في "متحف المستقبل" خلال القمة العالمية للحكومات في شباط الماضي، سلسلة تصوّر تطور تكنولوجيا الرعاية الصحية. فبدءاً من الروبوتات التي تجري كافة العمليات الجراحية وصولاً إلى الخلود، تبدو الإمكانيات لتحقيق الابتكار في قطاع الرعاية الصحية واضحة. ودبي بشكل خاص تسعى لأن تفرد لنفسها مكانة كرائدة في الأفكار المبتكرة في هذا المجال وفي تبنّي تقنيّاته. ولكن تحقيق ذلك يحتاج إلى وصول أفضل إلى المواهب وبيئة مؤاتية أكثر للشركات الناشئة وبالطبع مستثمرين راغبين في المخاطرة. 

Read In

Media categories

Countries

Share

Related Articles