هل تنجح "إيدج" في دعم أنشطة البحث والتطوير داخل الإمارات؟

الصورة عبر Shutterstock

Read In

تعتزم أبوظبي إعادة هيكلة قطاع الصناعات الدفاعية المزدهر في دولة الإمارات العربية المتحدة وتعمل على دمج العديد من الشركات المملوكة للدولة في كيان واحد والسعي للتحالف مع العديد من البلدان على صعيد التحالفات العسكرية الشرقية والغربية التاريخية على نحو من شأنه دعم مبادرات الابتكار التكنولوجي الوطني.
 
وعلى مدار القرن الماضي أو ما يزيد، عصفت الاضطرابات السياسية بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لتتبارى الحكومات الحالية في سباق التسلح ليبلغ معدل الإنفاق العسكري في المنطقة عام 2018 نحو 5.5% من إجمالي الناتج المحلي وهو المعدل الأعلى عالميًا حسب تقارير البنك الدولي.
 
وتاريخيًا، أسهم ذلك في تحقيق أرباح ضخمة لكبرى الدول المصنعة للأسلحة مثل الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وبريطانيا. وبرغم ذلك، تسعى دولة الإمارات جاهدة لتطوير الصناعات الدفاعية المحلية.
 
ويعلق الدكتور جان لو سمعان الأستاذ المشارك في مركز الدراسات والبحوث الاستراتيجية بكلية الدفاع الوطني بدولة الإمارات العربية المتحدة قائلاً "ترغب دولة الإمارات في تنويع مصادرها الاقتصادية وبناء صناعة محلية للحد من اعتمادها على النفط.
 
وأضاف قائلاً "وهنالك أيضاً مبدأ إقامة اقتصاد قائم على المعرفة، ففي سبيل توطين الصناعات الدفاعية يتعين على سبيل المثال اكتساب المعرفة الداخلية لتدريب الجيل الجديد من المهندسين الإماراتيين المتخصصين في هذا المجال.
 
"وفي نهاية المطاف، فالأمر يتعلق بالاستقلالية الاستراتيجية حيث تنظر الإمارات إلى القوى المتوسطة الأخرى مثل سنغافورة التي نجحت في بناء صناعة دفاعية محلية، لا نستطيع القول بانها مستقلة تماماً، إلا أنها تلعب دورًا في بعض المجالات المهمة".
 
وفي شهر نوفمبر، دشن الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي ونائب القائد الأعلى للقوات المسلحة بدولة الإمارات العربية المتحدة شركة "إيدج" -إحدى الشركات المملوكة لحكومة أبوظبي- التي تضم نحو 25 شركة قائمة بالفعل لتشكيل تكتل واحد يجمع بين شركة أبوظبي لبناء السفن والمركز العسكري المتقدم للصيانة والإصلاح والعَمرة "أمرك"- المشروع المشترك بين مؤسسة لوكهيد مارتن وشركة سيكورسكي إحدى الشركات التابعة لمؤسسة لوكهيد مارتن.
 
وجاء في البيان الصحفي الصادر عند تدشين الشركة أن شركة "إيدج" تهدف إلى استقطاب نخبة الخبراء والمواهب في هذا المجال من شتى أنحاء العالم للمساعدة توسيع نطاق تطوير المنتجات الحديثة. وتضم شركة "إيدج" نحو 12,000 موظف ويندرج تحتها خمسة قطاعات رئيسية وهي: المنصات والأنظمة، والصواريخ والأسلحة، والدفاع السيبراني، والحرب والاستخبارات الإلكترونية، ودعم المهام.
 
ويمثل هذا التكتل الناشئ أحدث التعديلات الطارئة على هذه الصناعة. ففي عام 2014، أطلقت كل من شركة مبادلة المملوكة لحكومة أبوظبي وشركة توازن القابضة، شركة الإمارات للصناعات الدفاعية "إديك" التي ضمّت نحو اثنتي عشرة شركة مملوكة للحكومة تحت كيان واحد لتصبح فيما بعد جزءًا من شركة "إيدج".
 
ويصرح الدكتور جان لو سمعان بقوله "لم تتجه شركة "إيدج" حتى الآن للمشروعات التكنولوجية الجديدة ولكنها تعمل على إدارة عدد من الجهات المعنية بالصناعات العسكرية داخل دولة الإمارات.
 
وأضاف "تأتي شركة "إيدج" في إطار الجهود المبذولة لترشيد وإرساء جهة رئيسية فاعلة يكون لها دور على صعيد العالم. ولم تتمكن أي من الشركات التابعة لشركة "إيدج" حتى الآن من إطلاق منصات رئيسية أو أنظمة تسليح بمفردها وإنما تأتي مشاريعها في إطار التعاون مع الشركات الغربية".
 
فعلى سبيل المثال، تعاونت شركة أبوظبي لبناء السفن مع شركة الإنشاءات الميكانيكية النورمندية لبناء ست فرقيطات (سفن بحرية) ليتم بناء الفرقيطة الأولى في فرنسا وبناء بقية السفن في الإمارات العربية المتحدة.
 
ويضيف الدكتور جان لو سمعان قائلًا: "ربما تتيح شركة "إيدج" على المدى الطويل إطلاق المنتجات المحلية القائمة على ابتكارات حقيقية ووطنية ولكن حتى الآن ينصب الأمر حول الإدارة".
 
وتظل بعض كبرى الشركات المعنية بالدفاع داخل دولة الإمارات مستقلة عن شركة "إيدج" بما في ذلك شركة كالدس المعنية بتصنيع طائرات الهجوم الخفيف وشركة أكويلا للطيران التي تعمل على تعديل الطائرات لأغراض التجسس وذلك بحسب تقرير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية.
 
كما استثمرت أبوظبي في شركات الدفاع الأجنبية، ففي عام 2018 تمكنت شركة الإمارات للصناعات الدفاعية "إديك" من شراء الشركة الفرنسية المنتجة لأجهزة صنع الذخائر "مانوران" في حين استحوذت شركة مبادلة على شركة بياجيو أيروسبيس المصنعة للطائرات كلية وذلك في عام 2015 برغم خضوع الشركة الإيطالية للحراسة القضائية بعد أن سحبت شركة مبادلة دعمها عنها العام الماضي وقامت دولة الإمارات بإلغاء طلب شراء ثماني طائرات.
 
وكتبت لوسي بيراد سودرو الزميل الباحث بقسم اقتصاديات ومشتريات الدفاع بالمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في تقرير لها بأن "هناك عامل آخر مهم أسهم في تطوير الصناعات الدفاعية لدولة الإمارات العربية المتحدة ألا وهو زيادة عدد الصادرات في سبيل تحقيق وفورات في الحجم.
 
وذلك في إشارة إلى أكبر أسواق صادرات الأسلحة الإماراتية وهي مصر والأردن وليبيا.
 
وعلاوة على الاستحواذ على الخبرات الأجنبية، تسعى دولة الإمارات إلى تدعيم الابتكار الوطني. وفي شهر فبراير، أطلق مجلس التوازن الاقتصادي صندوقًا لتنمية القطاعات الدفاعية والأمنية برأسمال 2.5 مليار درهم (ما يعادل 681 مليون دولار) بهدف التركيز على الاستثمار في مجال التكنولوجيا الاستراتيجية والملكية الفكرية وتعزيز الابتكار والقدرات الصناعية، وتنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة والشركات المحلية وذلك من خلال ضخ الاستثمارات وتوفير التمويل للغير.
 
ويعلق الدكتور جان لو سمعان بقوله: "تتجلى أهمية الأمر في إظهار مدى جدية دولة الإمارات في ترسيخ دورها بوصفها لاعب ذي ثقل في مجال الصناعات العسكرية".
 
وتتوافق استراتيجية دولة الإمارات مع تقرير عام 2019 الصادر عن مؤسسة برايس ووترهاوس كوبرز حول ازدياد أهمية الذكاء الاصطناعي وأنظمة القوة الحديثة والواقع الافتراضي والروبوتكس في مجال الابتكار العسكري.
 
وبحسب تقرير مؤسسة برايس ووترهاوس كوبرز "لا تأتي العديد من هذه الانطلاقات الأخيرة والتطورات القابلة للتعديل في هذه التكنولوجيات مدفوعة ومطروحة من شركات الطيران والدفاع وإنما من التكتلات الابتكارية التي تبسط نفوذها على جميع مراكز القوة على الصعيد العالمي".
 
ويستطرد الدكتور جان لو سمعان قائلاً: "على صعيد المستقبل القريب، من المتوقع أن تستمر الشركات المعنية بالدفاع في مواجهة منافسة متزايدة من جانب الشركات التجارية المستجدة وغير المعتادة خاصة في الحالات التي تتضمن التكنولوجيات المزدوجة الاستخدام. وعليه فمن غير المحتمل أن تخفت محاولات الشركات المستجدة في خوض غمار هذا النشاط الذي عادة ما تحتكره كبرى الشركات المعنية بالدفاع".
 
وفي حال نجحت دولة الإمارات في إرساء الابتكارات التكنولوجية العسكرية بالدرجة الأولى، فمن شأن هذه الابتكارات أن يكون لها استخدامات تجارية ثانوية على غرار ابتكار الجهات التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية للإنترنت والنظام العالمي لتحديد المواقع "GPS" والماوس.
 
ويضيف قائلًا "يأتي الذكاء الاصطناعي ضمن أولويات دولة الإمارات فمن شأن الإجراءات التي تتخذها الدولة في مجال الذكاء الاصطناعي للأغراض العسكرية أن تمتد في نهاية المطاف لتشمل الاستخدامات المدنية ولكن لا يمكن محاكاة النظام البيئي العسكري الأمريكي في دولة الإمارات".
 
ويؤكد الدكتور جان لو سمعان بأن الاختراعات التجارية التي تأتي برعاية الحكومة ويجري تسويقها للأغراض المدنية قد عفى عليها الدهر وذلك بالإشارة إلى عزوف القطاع العام الأمريكي بصفة عامة عن الانخراط في مجال البحث والتطوير خلال تسعينيات القرن الماضي ليصبح القطاع الخاص حاليًا المصدر الرئيسي للابتكار في مجال الدفاع الأمريكي.
 
ويضيف قائلًا: "قد تُشعل الشركات الناشئة والصغيرة شرارة الابتكار في مجال التكنولوجيات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي ولكن قد نشهد تمكن الشركات الكبرى من إعادة تنظيم السوق وهيكلته والاندماج معًا والاستحواذ على الشركات الأخرى بحيث تصبح الشركات الأصغر المستقلة تابعة لكيانات أكبر".
 
وبرغم التحالف القديم بين دولة الإمارات والغرب، فهي تسعى لعقد شراكات عسكرية دون تحيز لإحدى المعسكرات التاريخية للحرب الباردة. ففي عام 2017، أعلنت روسيا عزمها على تطوير طائرة مقاتلة بالتعاون مع دولة الإمارات وهو ذات العام الذي صرح فيه داني سبرايت، رئيس مجلس الأعمال الأمريكي- الإماراتي والمسؤول السابق في وزارة الدفاع الأمريكية لموقع ديفينس نيوز بعزم الولايات المتحدة التعاون مع دولة الإمارات لإجراء أنشطة البحث والتطوير المشتركة.
 
وقد أشار داني سبرايت، الذي رفض الإدلاء بتعليقاته إلى موقع ومضة، إلى العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بوصفها نموذجًا يمكن محاكاته مع دولة الإمارات مع الفارق أن على الإمارات أن تدفع الثمن في حين تحظى إسرائيل بهذه المزايا في إطار المساعدات العسكرية التي تتلاقها وتقدر بمليارات الدولارات.
 
وفي غضون ذلك صرح الدكتور جان بإعلان مجلس التوازن الاقتصادي بأبوظبي في شهر نوفمبر شراكته مع وكالة المشتريات الفرنسية التابعة للمفوضية العامة للتسليح الفرنسي " DGA" في سبيل تعزيز أنشطة البحث والتطوير في مجال الدفاع.
 
وفي شهر سبتمبر، صرح رومان غولوفتشينكو رئيس لجنة الصناعة العسكرية الحكومية لجمهورية بيلاروسيا لإحدى وكالات الأخبار المحلية بأن علاقة بلاده بدولة الإمارات على الصعيد العسكري تأتي في "إطار كونها خطوة انتقالية من المبيعات البسيطة إلى أنشطة البحث والتطوير المشتركة". ويأتي التعاون بين البلدين على مختلف الأصعدة التكنولوجية بما في ذلك الحروب الإلكترونية واللاسلكية وتحديد المواقع باللاسلكي والبرمجيات الخاصة.
 
وعبر الدكتور جان لو سمعان عن صعوبة استخلاص النتائج المترتبة على إقامة علاقات تربط دولة الإمارات بالحكومات المتنوعة لأغراض البحث والتطوير في المجال العسكري مثل علاقتها ببيلاروسيا وفرنسا والولايات المتحدة.
 
وأضاف قائلًا: "ما زالت بعض هذه العلاقات مجرد أقاويل فلا يعول كثيرًا على إبرام مذكرات التفاهم مع الشركات الأجنبية أو وزارات الدفاع لإحدى الدول الحليفة فالفيصل في الأمر يكون بتنفيذ أعمال جوهرية مشتركة جراء تلك المذكرات".
 
مزايا الصناعة
 
قد تكون دولة الإمارات تراهن كثيرًا على إقامة قطاع عسكري وطني مبتكر، ومع ذلك فمن المثير ألا يحصل مجال البحث والتطوير إلا على الفتات مقارنة بإجمالي ما تنفقه الحكومات على ما تطلق عليه مجازًا "أنشطة الدفاع".
 
وبحسب البحث الصادر عن مؤسسة برايس ووترهاوس كوبرز، يأتي معدل الإنفاق على أنشطة البحث والتطوير في المجال العسكري في كبرى المؤسسات الصناعية المعنية بالدفاع على مستوى العالم عام 2018 ليصل إلى 3.9% أي ما يعادل 22 مليار دولار من إيرادات مبيعاتهم مجتمعة وذلك مقارنة بمعدل 11.4% في قطاع الرعاية الصحية ومعدل 14% في قطاع البرمجيات والإنترنت.
 
وبلغ الإنفاق العسكري العالمي عام 2018 نحو 1.8 تريليون دولار وذلك حسب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، وعليه إلى أين تذهب بقية الأموال في حين تخصص هذه النسبة الضئيلة لأغراض البحث والتطوير؟
 
عادة ما تُثار المسألة محل الخلاف بأن تطوير المنتجات في مجال الدفاع في واقع الأمر لا يرتبط كثيرًا بإنتاج أفضل الأسلحة والقدرات العسكرية وإنما بتحقيق أقصى نسبة أرباح فعلى سبيل المثال نجد أن القوات الجوية الأمريكية قد دفعت نحو 10,000 دولار نظير كل غطاء للمرحاض داخل طائراتها طراز " C-5" وهي إحدى الأمثلة المتنوعة على البذخ والمغالاة في الإنفاق.
 
وأورد الصحفي أندرو كوكبورن بجريدة هاربر أمثلة تفصيلية عن الانتهازية في مجال الدفاع الأمريكي التي يدعي أنها تسببت في أن يصبح القطاع العسكري الأمريكي غير مجهز للحروب الحديثة وذلك في خضم انتشار الفساد بين المسؤولين العسكريين والمديرين التنفيذيين للشركات.
 
ونجد أن المعدات والتكنولوجيا المتقدمة أكثر تعقيدًا ولكن تقل مكانتها على نحو ملحوظ بين سابقيها رغم زيادة الموازنة العسكرية الأمريكية بنحو 5% سنويًا منذ خمسينيات القرن الماضي.
 
وبرغم ذلك، فمن المفترض أن تسهم الطبيعة الناشئة لقطاع الدفاع الإماراتي في تمكين دولة الإمارات من إرساء الهياكل الحوكمية التي من شأنها الحيلولة دون تكرار مثل هذه الأخطاء وإقامة قطاع داعم للمواهب والابتكارات المحلية.
 

Read In

Countries

Share

Related Articles