عربي

ما تكشفه صفقة كوين مينا عن التقييم الحقيقي لشركات العملات الرقمية في المنطقة

English

ما تكشفه صفقة كوين مينا عن التقييم الحقيقي لشركات العملات الرقمية في المنطقة

تُجسّد صفقة استحواذ Paribu على CoinMENA تحوّلًا هادئًا في الطريقة التي يُعاد بها تسعير القيمة داخل سوق الأصول الرقمية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فقد وصلت منصة التداول المرخّصة في البحرين ودبي إلى تقييم مُعلن يصل إلى 240 مليون دولار، بعد أن جمعت إجمالي تمويلات يقدَّر بنحو 20 مليون دولار فقط، من دون أن تُغلق جولة Series A، وذلك في وقت لم تعد فيه التراخيص التنظيمية نادرة وازدادت فيه حدة المنافسة داخل السوق.

وتعكس الصفقة تغيّرًا في منطق التقييم لدى المشترين الاستراتيجيين، إذ لم يعودوا يدفعون مقابل التوسّع السريع أو زخم جمع التمويلات، بقدر ما يتجه تقييمهم إلى الشركات القادرة على الاستفادة من وضعها التنظيمي وضبط التكاليف وتنفيذ نموذج عمل واضح، بما ينعكس في إيرادات قابلة للتنبؤ وميزانيات واضحة.

وفي سوق إقليمي للعملات الرقمية تشكّل عبر جولات تمويل مكثّفة وتقييمات سوقية مبالغ فيها على الورق وانعكاسات حادة بين دورات الصعود والهبوط، تقدّم صفقة خروج كوين مينا إشارة أوضح عمّا بات المشترون الاستراتيجيون مستعدين فعليًا لدفع ثمنه. لم تكن هذه نتيجة مدفوعة بالتوسّع، بل قرارًا مرتبطًا بهيكل رأس المال. واختيارًا متعمّدًا للخروج في توقيت كانت فيه الميزة التنظيمية لا تزال قائمة.

دخلت كوين مينا السوق الإماراتية مبكرًا. وعندما حصلت الشركة على ترخيص هيئة تنظيم الأصول الافتراضية في دبي (VARA)، لم يكن سوى شركتين فقط قد نالتا هذا الترخيص. اليوم، يتجاوز عدد الجهات المرخّصة 40 كيانًا، وهو تحوّل غيّر الحسابات الاستراتيجية للشركة بشكل جوهري. يقول طلال طبّاع: «إن التزامي كرئيس تنفيذي هو بالأساس تجاه المساهمين. لقد وثقوا بي لتولي إدارة أموالهم، ففي المقابل، مسؤوليتي هي تعظيم قيمتها لهم».

ومع انتقال النفاذ التنظيمي من كونه ميزة نادرة إلى كونه حدًا أدنى متاحًا، واجهت كوين مينا خيارًا مألوفًا في المراحل المتقدمة: إما جمع جولة تمويل كبيرة بتقييم أعلى، وما يستتبعه ذلك من الالتزام بسنوات من النمو لتبرير هذا التقييم، أو تسييل موقعها في وقت كانت فيه مصداقيتها التنظيمية وقاعدتها الإيرادية وملفها التشغيلي، لا تزال تنعكس في قيمة إضافية واضحة عند الخروج.

ولكن كوين مينا اختارت المسار الثاني.

ويقول طبّاع: «كان أمامنا خيار تنفيذ جولة Series A كبيرة مع إحدى الشركات الرائدة في مجال العملات الرقمية، لكننا قررنا عدم المضي في هذا المسار. كنا في موقع يسمح بتحقيق مكسب للفريق ومكسب للمستثمرين ومكسب للمشتري في الوقت نفسه».

جاء هذا القرار نتيجة قدر كبير من الانضباط. فمنذ البداية، حرصت كوين مينا على عدم دفع تقييمها إلى مناطق تخمينية. ويقول طبّاع: «أعلى تقييم وصلنا إليه كان أقل من 100 مليون دولار»، موضحًا أن هذا النهج ساعد على توسيع دائرة المشترين الجادين وأتاح بناء الصفقة على أساس أداء الشركة الفعلي، لا على رهانات أو وعود مستقبلية.

وجاءت النتيجة مختلفة على نحو لافت في السياق الإقليمي: حصل جميع المستثمرين على عوائدهم نقدًا عند إتمام الصفقة، وحصل الموظفون على حصة معتبرة من الأسهم عبر برنامج ESOP تمثّل نحو 18% من الشركة، فيما دخل المشتري إلى شركة ذات هيكل ملكية واضح وغير مثقل بالتعقيدات.

الانضباط المالي كخيار استراتيجي

كان مؤسسو كوين مينا واضحين في نقطة أساسية: رأس المال وحده لا يكفي لبناء شركات عملات رقمية قادرة على الاستمرار. ويقول طبّاع: «خلال دورات الصعود، تنجرف شركات كثيرة إلى توسيع إنفاقها بوتيرة أسرع مما تسمح به أُسسها الفعلية. نحن كنا حريصين جدًا في طريقة إنفاقنا». وبدلًا من زيادة أعداد الموظفين وتوسيع هياكل التكاليف بناءً على افتراضات ذروة السوق، حافظت كوين مينا على ضوابط داخلية صارمة. ويضيف: «كنا نحسب الأرباح والخسائر يوميًا، ولم نلجأ يومًا إلى تسريحات جماعية».

هذا الانضباط منح الشركة مرونة حقيقية عندما تغيّرت ظروف السوق. ففي الوقت الذي اضطرت فيه شركات أخرى إلى تقليص عملياتها، واصلت كوين مينا العمل بكامل طاقتها، متجنّبة الخسائر التنظيمية والضرر الذي غالبًا ما يلحق بسمعة الشركات خلال فترات الانكماش السريع. كما لعبت ملكية المؤسسين دورًا مهمًا في هذا المسار. فقد احتفظ فريق القيادة بحصص مؤثرة من الأسهم طوال دورة حياة الشركة، وهو ما أبقى مصالحهم مرتبطة بنتائج الشركة على المدى الطويل.

ويرى طبّاع أن نمو منصات تداول العملات الرقمية يصبح أكثر صعوبة عندما يفقد المؤسسون ملكيتهم الفعلية، إذ يضعف الالتزام ويتراجع التركيز عندما تنفصل القيادة عن حصتها في الشركة. ويضيف: «هذا النموذج يتطلّب مستوى عاليًا من الجهد والالتزام. في السنوات الأولى، كنا نعمل 16 أو 18 ساعة يوميًا خلال فترات الصعود. شخص يعمل فقط مقابل راتب لن يستطيع الحفاظ على هذا الإيقاع لفترة طويلة».

الرهان على التركيز

انعكس هذا النهج بوضوح على استراتيجية المنتج. فبدلًا من التوسّع في مسارات متعددة ومنتجات جانبية مرتبطة بالعملات الرقمية، اختارت كوين مينا تضييق نطاق عملها والتركيز الكامل على منصتها الأساسية للتداول. ويقول طبّاع: «قمنا بشيء واحد، لكننا نفّذناه على نحو أفضل من الجميع».

هذا القرار لم يكن تقنيًا فقط، بل تشغيليًا أيضًا. فقد ساهم التركيز في تقليل المخاطر التشغيلية والحد من التعقيدات التنظيمية وبناء ثقة أقوى مع الشركاء المصرفيين والمستخدمين. ومع مرور الوقت، انعكس ذلك في منصة تخدم أكثر من 1.5 مليون مستخدم في 45 دولة، وتدعم أكثر من 50 عملة رقمية، وتتيح التعامل بعدة عملات محلية، وكل ذلك مع الحفاظ على ميزانية منضبطة.

وفي قطاع يسعى للنمو السريع، بدا أن الرهان على التركيز كان الخيار الأكثر جدوى.

ما الذي تكشفه الصفقة فعليًا؟

تكشف صفقة كوين مينا عن تحوّل في الطريقة التي يقيّم بها المشترون الاستراتيجيون شركات العملات الرقمية في المنطقة. فلم تعد القيمة تُقاس بحجم الشركة أو بزخم نموّها وحده، بل بمدى تماسك نموذجها عند النظر إليه ككل.

فالشركات التي بُنيت على تقييمات مبالغ فيها أو هياكل تكلفة غير مستقرة أو استراتيجيات منتجات متشعّبة، غالبًا ما تجد صعوبة في تحويل هذا الحجم إلى قيمة حقيقية عند الخروج. في المقابل، تحتفظ الشركات التي حافظت على قدر من الاتساق بين هيكل رأس المال وملكية المؤسسين والالتزام التنظيمي والتركيز التشغيلي بمرونة أكبر وهامش أوسع من الخيارات الاستراتيجية عبر دورات السوق المختلفة.

وقد اختارت كوين مينا الخروج في توقيت كانت فيه عناصر قوتها الأساسية لا تزال قائمة: مصداقية تنظيمية ذات وزن، وإيرادات قابلة للدفاع عنها، وميزانية منضبطة.

ويقول طبّاع: «التوقيت مهم. الحظ والتوقيت عنصران أساسيان في أي عمل، ومن ينكر ذلك يكون متعجرفًا».

لكن التوقيت وحده لا يفسّر الصفقة. فالفارق الحقيقي كان في وعي كوين مينا بعدم الخلط بين جمع التمويلات وبناء قيمة فعلية على المدى الطويل. 

ما بعد الصفقة

لم يكن خروج كوين مينا يعني انسحاب الإدارة أو تحوّلها إلى دور رمزي. فبعد إتمام الصفقة، تستمر الشركة في العمل تحت قيادة طلال طبّاع، ضمن خطة Paribu للتوسّع الإقليمي. ويؤكد طبّاع هذا المعنى بوضوح: «لن أنتقل إلى دور استشاري. سأواصل عملي كرئيس تنفيذي، وأنا أكثر حافزية من أي وقت مضى لدفع الشركة نحو مرحلتها التالية».

وبالنظر إلى ما المرحلة المقبلة، يتوقّع طبّاع أن تمتد موجة الاندماج في قطاع الأصول الرقمية إلى ما هو أبعد من منصات التداول، لتشمل مجالات مثل المدفوعات وبنية الوساطة المالية والخدمات المالية المنظَّمة. ومع تسارع تدفّق الاستثمارات المؤسسية وزيادة استخدام العملات المستقرة في الأسواق الناشئة، يُرجَّح أن تبحث الموجة التالية من رؤوس الأموال عمّا يمكن البناء عليه، لا عمّا يصنع زخمًا مؤقتًا.

وفي هذا السياق، تقدّم تجربة كوين مينا خلاصة واضحة للمؤسسين والمستثمرين الذين يتابعون القطاع: ففي سوق العملات الرقمية بالمنطقة، قد يجذب رأس المال الانتباه سريعًا، لكن الانضباط هو ما يراكم القيمة على المدى الأطول.

Thank you

Please check your email to confirm your subscription.