عربي

ما الذي يميّز الشركات الناشئة الناجحة في أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في 2026؟

English

ما الذي يميّز الشركات الناشئة الناجحة في أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في 2026؟

مقال بقلم وسيم أفضل، المؤسّس والرئيس التنفيذي لشركة FAST Ventures

بعد ستة أشهر من متابعة شركات ناشئة في مراحلها الأولى بالمنطقة، اتضح شيء واحد: الذكاء الاصطناعي لم يغيّر قواعد اللعبة، بل عجّل بكشفها.

المؤسسون في المنطقة طموحون. الأسواق تتحرك بسرعة، والتكنولوجيا اختصرت المسافة بين الفكرة والتنفيذ إلى حدٍّ غير مسبوق. ما كان يستغرق شهورًا بات يُنجز في أسابيع، وفرق صغيرة أصبحت قادرة على إنجاز ما كان يحتاج سابقًا إلى عشرات الأشخاص، كما أن انتقال الفكرة إلى التنفيذ بات أسرع وأقل تعقيدًا.

وهنا يكمن الفرق الحقيقي في 2026: السرعة.

مع الذكاء الاصطناعي، لم تعد تكلفة بناء الشركات كما كانت. الفكرة تُبنى وتُختبر وتُعدَّل في زمن قصير. هذه السرعة تصنع فرصًا هائلة، لكنها لا تجامل أحدًا. إمّا أن تدفعك للأمام حين تكون الفكرة في محلّها، أو تكشف أخطاءك فورًا.

في هذا السياق، لا يصنع الذكاء الاصطناعي مشكلات جديدة للشركات الناشئة، بل يسرّع كشف المشكلات القديمة، وبوتيرة لا تترك مجالًا للمراوغة. لذلك، لن تكون الشركات الرابحة في 2026 هي الأكثر استخدامًا للذكاء الاصطناعي — فالجميع تقريبًا يستخدمه. الفائزون في 2026 هم من يفهمون ما يبنونه ولماذا، لأن الذكاء الاصطناعي يقوّي قراراتك إن كانت صحيحة، لكنه لا ينقذ القرار الخاطئ.

نقطة البداية: العميل 

ما يميّز الفرق التي تحقّق تقدّمًا حقيقيًا عن تلك التي تدور في مكانها ليس وتيرة التنفيذ، بل نية التحرك. الفرق الجيدة لا تبدأ بحل تريد تطبيقه، بل بعميل تعرفه جيدًا.

أفضل المؤسسين قادرون على وصف عميلهم بدقّة شديدة، أحيانًا غير مريحة. لا يكتفون بعبارات عامة مثل «شركات صغيرة ومتوسطة في المنطقة»، بل يحدّدون عميلهم بدقّة: «مديرو عمليات في شركات لوجستية تمتلك ما بين 20 و50 شاحنة، ويعتمدون حاليًا على مجموعات واتساب لمتابعة العمل».

هذه الدقّة لا تُقيّد، بل تحدّد الاتجاه. فهي توضّح بالضبط مع من تتحدث، وما الذي تبنيه، وكيف تسعّره. ومن هنا تنطلق باقي القرارات.

الذكاء الاصطناعي يجعل القفز إلى التنفيذ مغريًا. لكن الفرق التي تتقدّم فعلًا لا تبدأ بالتنفيذ، بل بالجلوس مع العملاء. هي تستفيد من السرعة لا لتجاوز الأسئلة، بل لتسأل أكثر، وتختبر ما تفترضه قبل أن تبني عليه. 

الفهم قبل التنفيذ 

هناك نمط يتكرّر بوضوح لدى الفرق التي تتقدّم بثبات:

المؤسسون الذين يقضون وقتًا كافيًا في الحديث مع العملاء المحتملين قبل بناء أي شيء، يصلون إلى نتائج أسرع ممن يبدؤون بالبناء ثم يحاولون الفهم لاحقًا.

قد يبدو هذا غير منطقي في بيئة يمكن فيها إعداد نموذج تجريبي خلال أيام. لكن معرفة ما الذي يجب بناؤه تظل أهم من سرعة بنائه. الفرق التي تتقدّم فعلًا لا تطرح الأسئلة المعتادة، بل تسأل: كيف يتعامل الناس اليوم مع هذه المشكلة؟ ما الذي قد يدفعهم لتغيير هذا الأسلوب؟ ما الذي يستحق أن يدفعوا مقابله؟ وكيف يقرّرون أن الحل نجح؟

إجابات هذه الأسئلة هي التي ترسم الطريق ويُبنى عليها كل ما يأتي بعد ذلك. فالنمو الذي لا يمكن فهم أسبابه، لا يمكن مضاعفته.

التسعير كاختبار جدّي 

من أوضح العلامات على نضج المؤسّس قدرته على شرح التسعير والدفاع عنه. ليس «سنحدّد السعر لاحقًا» أو «سنبدأ مجانًا ثم نفكّر في الربح»، بل: «نسعّر بهذا الشكل لأن القيمة التي نقدّمها كذا، وقد اختبرنا ذلك مع عدد محدّد من العملاء».

التسعير ليس قرارًا ماليًا فقط، بل قرار يحدّد موقع المنتج نفسه، هو ما يوضّح ما الذي تبيعه فعلًا، ولماذا ينبغي أن يهتمّ به العميل. الفرق التي تؤجّل التسعير غالبًا ما تؤجّل سؤالًا أصعب: هل ما نبنيه له قيمة حقيقية كافية لأن يدفع الناس مقابلها؟

التركيز بدل التشتّت

توفّر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أسواقًا متعددة ولغات مختلفة وشرائح عملاء متنوّعة. ومع هذا التنوع، يصبح إغراء إبقاء كل الخيارات مفتوحة قويًا. لكن الفرق التي تتقدّم فعلًا تفعل العكس. تُضيّق نطاق تركيزها مبكرًا، حتى لو بدا ذلك غير مريح، وتلتزم بشريحة عملاء واحدة ومشكلة محدّدة وسوق واحد، وتقول «لا» أكثر بكثير مما تقول «نعم».

هذا التركيز لا يؤخّرها، بل يسرّع تعلّمها لما ينجح فعلًا، لتبني عليه بثقة.

رغم أن الذكاء الاصطناعي سهّل استكشاف مسارات متعددة في الوقت نفسه، تستخدم الفرق الرابحة هذه القدرة لتحديد اتجاهها بسرعة.

ما الذي يستحق القياس؟

الفرق الأفضل لا تنشغل بالأرقام الاستعراضية، بل تتابع المؤشرات التي تكشف إن كان نموذجها يعمل أم لا: معدلات التحويل، تكلفة الوصول إلى العميل، الوقت اللازم لتحقيق أول قيمة، معدلات الاحتفاظ، والعائد من التوسّع.

تعرف هذه الأرقام قبل أن تكبّر حجمها، لأن التوسّع من دون فهم حقيقي للتكلفة والعائد لا يصنع نموًا حقيقيًا، بل يضخّم الخسائر. وتزداد أهمية هذا الانضباط في بيئة يقودها الذكاء الاصطناعي، حيث يمكن للأفكار الضعيفة أن تستهلك المال بسرعة، فالسرعة من دون قياس ليست إلا فوضى مكلفة.

كيف نقرأ العام المقبل؟ 

الشركات الناشئة التي ستبرز في 2026 لن تكون بالضرورة الأسرع حركة، بل تلك التي تعرف كيف تستخدم السرعة في وقتها الصحيح. ستستعين بالذكاء الاصطناعي للاختبار بسرعة، لكن بعد أن تكون واضحة بشأن ما الذي تختبره ولماذا. وستستخدم التكنولوجيا للوصول إلى عدد أكبر من العملاء، لكن فقط بعد أن تثبت قدرتها على خدمة عميل واحد بشكل ممتاز.

كما ستلجأ إلى الأتمتة لتوسيع عملياتها، لكن بعد أن تبني عمليات تستحق فعلًا أن تتوسّع. فالتكنولوجيا لا تكافئ الاندفاع، بل تكافئ الاستعداد. والذكاء الاصطناعي يمنح المؤسسين أدوات أقوى. يسمح للفرق الصغيرة بمنافسة الأكبر حجمًا، ويجعل الفرق الجيدة أفضل، والسريعة أكثر كفاءة، لكنه لا يحلّ محل الحكم السليم، ولا يرسم الاستراتيجية، ولا يُغني عن الفهم العميق للعميل والمشكلة والقيمة التي تُقدَّم.

ما يجعل هذه اللحظة مميّزة فعلًا أن المؤسس واضح الرؤية أصبح قادرًا اليوم على أن يتعلّم في أسابيع ما كان يحتاج سابقًا إلى فصول كاملة. وتيرة التعلّم لم تكن يومًا أسرع، وتكلفة التجربة أقل من أي وقت مضى.

لم يعد السؤال: هل تستطيع أن تتحرّك بسرعة؟ فالجميع يستطيع. السؤال الأهم هو: هل تعرف ما الذي تبنيه، ولماذا يستحق أن يُبنى، قبل أن تبدأ؟

المؤسسون الذين يجيبون عن هذا السؤال بالخبرة والدليل، لا بالحماس وحده، هم من سيشكّلون الفصل القادم لشركات التكنولوجيا في هذه المنطقة.

فالسرعة عامل مساعد، لا بديل. وعام 2026 سيكون من نصيب من يدرك هذا الفرق.

Thank you

Please check your email to confirm your subscription.