هل يصبح الخليج مركزًا جديدًا للذكاء الاصطناعي؟
بقلم ألكسندر روغاييف، رائد أعمال ومستثمر متخصص في الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة.
أصبح الذكاء الاصطناعي بسرعة الوجهة الأهم لرأس المال الجريء عالميًا. فبحسب بيانات PitchBook وCB Insights، جمعت شركات هذا القطاع نحو 270 مليار دولار في 2025، أي أكثر من نصف إجمالي الاستثمارات عالميًا. وهذه أول مرة يستحوذ فيها قطاع واحد على هذه الحصة، بعدما كانت أقل من 28% قبل عامين فقط.
يتركز الحديث عن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي غالبًا على النماذج التوليدية والبنية التحتية الضخمة التي تتطلبها. لكن الصورة أوسع من ذلك. فالعوامل التي تحدد أين يمكن للذكاء الاصطناعي أن ينمو ويستمر ليست تقنية فقط. بل هناك عوامل أخرى أقل وضوحًا، من بينها توفر الطاقة، وطبيعة القوانين والأطر التنظيمية، وإمكانية الوصول إلى تمويل طويل الأجل. وهذه عوامل لا تحظى دائمًا بنفس القدر من الاهتمام، رغم تأثيرها الكبير.
في هذا السياق، تبرز دول الخليج كموقع مختلف. فالمنطقة تجمع بين طاقة منخفضة التكلفة نسبيًا، واستثمارات مدعومة من الحكومات، وسوق أقل ازدحامًا مقارنة بالأسواق الغربية. ومعًا، بدأت هذه العوامل تفتح المجال أمام فرص جديدة للاستثمار في الذكاء الاصطناعي داخل المنطقة.
دور الطاقة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي
التوسع السريع في استخدامات الذكاء الاصطناعي بدأ يخلق تحديات حقيقية في البنية التحتية حول العالم. فبحسب تقديرات McKinsey، من المتوقع أن يرتفع الطلب العالمي على مراكز البيانات من 82 جيجاوات في 2025 إلى نحو 219 جيجاوات بحلول 2030، مع زيادة واضحة في الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي.
ورغم أهمية التمويل وتوفر الأجهزة، بدأت الطاقة وسعة الشبكات تظهر كعامل أساسي في كثير من الأسواق.
في الولايات المتحدة وأوروبا، تؤثر أسعار الطاقة المرتفعة وضغط الشبكات وطول إجراءات الموافقات التنظيمية على سرعة إنشاء مراكز البيانات الكبيرة. في المقابل، تتمتع دول الخليج بظروف مختلفة. فتوفر الطاقة على نطاق واسع، مع تخطيط أفضل للبنية التحتية، يتيح لبعض دول المنطقة أن تبرز كمواقع مناسبة لاستضافة مراكز حوسبة ضخمة.
على سبيل المثال، تعمل قطر على جذب استثمارات في البنية التحتية الضخمة للحوسبة، بينما تتبنى السعودية نهجًا أوسع. فمبادرة Humain، المدعومة من صندوق الاستثمارات العامة وبشراكات مع شركات مثل Nvidia وAMD وAWS وQualcomm وCisco، تستهدف الوصول إلى 1.9 جيجاوات من سعة مراكز البيانات بحلول 2030، مع طموح للارتفاع إلى 6 جيجاوات بحلول 2034.
وتشير هذه التحركات إلى أن بعض دول المنطقة لا تكتفي باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، بل تسعى أيضًا للعب دور في توفير البنية التحتية الحاسوبية على مستوى عالمي.
لكن الاستثمار في هذا المجال لا يتعلق فقط بحجم السعة. فالأجهزة المستخدمة في الذكاء الاصطناعي تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، قد تصل إلى نحو كيلوواط واحد للجهاز عند التشغيل الكامل. وهذا يعني أن جدوى مراكز البيانات على المدى الطويل تعتمد بشكل كبير على كفاءة استهلاك الطاقة واستمرار تشغيلها بكفاءة.
وبالنسبة للمستثمرين، لم يعد التركيز فقط على حجم المراكز، بل أصبح يشمل أيضًا تقنيات التبريد وتحسين استهلاك الطاقة ومدى كفاءة تشغيل الأنظمة.
فرص الذكاء الاصطناعي في القطاعات المتخصصة
إذا كانت البنية التحتية تحدد مدى قدرة الذكاء الاصطناعي على التوسع في المنطقة، فإن التطبيقات المتخصصة هي التي تحدد كيف يحقق عوائد.
وهنا يظهر جانب مهم في دول الخليج. فالحكومات في المنطقة بدأت بالفعل دمج الذكاء الاصطناعي بشكل أوسع في مجالات مثل الإدارة الحكومية والصحة والتخطيط العمراني والخدمات المالية. وفي الإمارات مثلًا، تركز الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي على توسيع استخدام هذه التقنيات عبر قطاعات وجهات حكومية مختلفة. وفي السعودية، يقدم قطاع التكنولوجيا المالية مثالًا آخر. فبعض أدوات الذكاء الاصطناعي—مثل تقييم الجدارة الائتمانية أو كشف الاحتيال—تعمل ضمن قواعد مرتبطة بالتمويل الإسلامي. وهذا يجعل تطوير هذه الحلول مرتبطًا بفهم دقيق للسوق المحلي، وهو ما قد لا يكون سهلًا على الشركات العالمية في البداية.
وتوجد فرص مشابهة في قطاعات أخرى أيضًا. فمثلًا، فمثلًا، هناك أدوات تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحويل تسجيلات الأطباء الصوتية إلى تقارير طبية باللغة العربية، أو أنظمة تساعد الشركات على الالتزام باللوائح المحلية في دول الخليج بشكل آلي. قد لا تكون هذه التطبيقات الأكثر ظهورًا، لكنها تحل مشكلات يومية واضحة، لذلك تعتمدها الشركات بسهولة، لأنها توفر في الوقت والتكلفة.
ومن ناحية الاستثمار، غالبًا ما تواجه الشركات العاملة في هذه المجالات منافسة أقل مقارنة بنظيراتها في الولايات المتحدة أو أوروبا. كما أن بعض هذه الحلول—خصوصًا المرتبطة باللغة العربية أو الأنظمة المحلية—قد تجد فرصًا في أسواق أخرى قريبة، مثل بعض دول أفريقيا وآسيا الوسطى، حيث توجد تحديات لغوية وتنظيمية قريبة.
كيف ينظر المستثمرون للفرص في المنطقة
بالنسبة للمستثمرين، قد يتطلب تقييم فرص الذكاء الاصطناعي في الخليج نظرة مختلفة قليلًا عن المعتاد عالميًا.
فمثلًا، لا يكفي التركيز على حجم مراكز البيانات فقط، بل يجب النظر أيضًا إلى كفاءة استهلاك الطاقة ومدى استخدامها بشكل فعلي على المدى الطويل.
كذلك، قد تأتي بعض الفرص الأقوى من تطبيقات موجهة للشركات، وليس للمستهلكين. فالأدوات التي تساعد في تنظيم العمل اليومي—مثل التوثيق أو الالتزام أو التحليل—غالبًا ما تحقق عوائد مستقرة لأنها تصبح جزءًا أساسيًا من التشغيل اليومي.
كما أن الفجوة في الذكاء الاصطناعي باللغة العربية ليست فرصة محدودة. فمع تطور النماذج اللغوية وأنظمة التعرف على الصوت والأدوات الموجهة للشركات لتناسب الأسواق العربية، يمكن للشركات التي تطور هذه الحلول أن تصل لاحقًا إلى أسواق أوسع تواجه تحديات لغوية مشابهة.
دور متطور للخليج في سوق الذكاء الاصطناعي
مع توسع البنية التحتية لمراكز البيانات في المنطقة، وانتقال استخدام الذكاء الاصطناعي داخل الشركات من تجارب محدودة إلى استخدام أوسع، قد يتغير موقع الخليج تدريجيًا في هذا المجال.
فبدلًا من الاعتماد فقط على تقنيات يتم تطويرها في الخارج، قد تبدأ بعض دول المنطقة في لعب دور أكبر في البنية التحتية وتطوير التطبيقات المتخصصة.
وتدعم هذا التوجه عدة عوامل، مثل توفر الطاقة، والاستثمارات التي تضخها الصناديق السيادية، إلى جانب بيئة تنظيمية تشجع على تبني هذه التقنيات.
وبالنسبة للمستثمرين، لا يدور السؤال حول وجود الفرصة، بل حول سرعة الاستفادة منها قبل أن تصبح أكثر تنافسية.
