عدم اليقين يعيد كتابة قواعد الشركات الناشئة في المنطقة
لم يعد ما يحدث في سوق الشركات الناشئة بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا مجرد تراجع عابر في التمويل، بل تحول أعمق يغيّر طريقة عمل السوق نفسها.
فبعد بداية قوية لعام 2026، تباطأ النشاط الاستثماري بشكل واضح مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة، ما دفع المستثمرين إلى التريث لإعادة تقييم المخاطر. وخلال الربع الأول، تراجعت الاستثمارات إلى نحو 941 مليون دولار، بانخفاض يتجاوز 20% مقارنة بالربع السابق.
وكان مارس الأكثر دلالة، إذ جاء ضمن أضعف الأشهر في السنوات الأخيرة—ليس نتيجة انهيار كامل، بل بسبب تباطؤ حاد في إبرام الصفقات. فالرأسمال لم يختفِ، بل دخل في حالة انتظار.
وبالنسبة للشركات الناشئة، هذا الفارق مهم. فما يحدث الآن ليس نتيجة التقييمات أو تراجع بعض القطاعات، بل مرحلة مختلفة: قرارات الاستثمار تتأخر، والجداول الزمنية تطول، وطريقة ضخ التمويل نفسها تتغير. والتعامل مع هذه المرحلة لا يتطلب الحذر فقط، بل يفرض نمط تشغيل مختلف.
تحت الضغط، تتغير قواعد اللعبة
على مدار العقد الماضي، ارتبط نمو الشركات الناشئة في المنطقة بتوسع مصادر التمويل وزيادة شهية المستثمرين للتوسع السريع. لكن هذا النموذج بات اليوم تحت ضغط واضح. فالمستثمرون، بما في ذلك الصناديق المدعومة من الحكومات، يعيدون النظر في استراتيجياتهم في ظل بيئة عالمية وإقليمية أكثر تقلبًا.
ووفقًا لتقديرات Global SWF، لعبت صناديق الثروة السيادية في الشرق الأوسط دورًا متزايد الأهمية في صفقات الاستثمار عالميًا، خاصة في قطاعات التكنولوجيا والبنية التحتية. لكن وتيرة ضخ استثماراتها تميل إلى التباطؤ في فترات عدم الاستقرار، ما يعزز حالة الحذر داخل المنظومة ككل.
ويظهر هذا التحول بوضوح في سلوك الشركات الناشئة. فالنمو لا يزال هدفًا، لكنه يُدار الآن بقدر أكبر من الانضباط. إذ يعيد المؤسسون تقييم خطط التوسع ويشددون على ضبط التكاليف ويمنحون أولوية أكبر للاستدامة المالية. وهذا التحول ليس تغييرًا في القناعات، بقدر ما هو استجابة مباشرة لسوق أصبح الوصول فيه إلى التمويل أقل وضوحًا وأكثر تقلبًا.
الانضباط المالي أولًا
في هذا الوضع، لم تعد إدارة الموارد المالية أمرًا ثانويًا، بل أصبحت في قلب كل قرار. فالشركات الناشئة باتت تخطط لفترة أطول بكثير مما كان يُعتبر كافيًا قبل عام واحد فقط. فبعد أن كانت 18 شهرًا تمنح قدرًا من الاطمئنان، أصبحت كثير من الشركات تخطط الآن لما يقارب 30 شهرًا.
هذا التحول انعكس على طريقة الإنفاق نفسها. فبدلًا من خفض التكاليف بشكل عام، تتجه الشركات إلى قرارات أكثر دقة: أين يحقق الإنفاق عائدًا سريعًا وواضحًا؟ وما الذي يمكن تأجيله؟ فالمشروعات غير الأساسية يتم تأجيلها، بينما يتم الحفاظ على الأنشطة المرتبطة مباشرة بتوليد الإيرادات. وفي الوقت نفسه، تعيد الشركات النظر في التكاليف الثابتة وتفاوض على العقود وتحاول تقليل الالتزامات طويلة الأجل قدر الإمكان.
كما زاد التركيز على المتابعة الدقيقة للأداء المالي. فبدلًا من مراجعات متباعدة، أصبحت الكثير من الشركات تراقب أرقامها بشكل أسبوعي، ما يسمح لها بالتحرك بسرعة أكبر مع أي تغير في الإيرادات أو المصروفات. هذا المستوى من المتابعة يعكس فهمًا أوضح: الصمود لا يعتمد فقط على حجم الموارد المالية المتاحة، بل على طريقة إدارتها.
كما تدعم خبرات المستثمرين العالميين هذا التوجه. فقد أكدت شركة Sequoia Capital —في توجيهاتها للمؤسسين خلال فترات تراجع السوق— على ضرورة أن تتعامل الشركات على أساس أن التمويل الخارجي قد لا يكون متاحًا بسهولة، وهو ما يبدو اليوم أكثر واقعية في سياق المنطقة.
الحفاظ على الفريق مع إعادة ترتيب العمل
غالبًا ما تدفع ضغوط التكاليف الشركات إلى تقليص عدد الموظفين، لكن التسريح ليس الخيار الوحيد. فالكثير من الشركات الناشئة في المنطقة تتجه أولًا إلى تعديل طريقة العمل نفسها، بما يسمح لها بالحفاظ على الكفاءات وفي الوقت نفسه تحسين الكفاءة التشغيلية.
وأصبحت الفرق أصغر من حيث العدد، لكنها أوسع من حيث المهام. إذ يتم دمج الأدوار، ويُتوقع من الموظفين العمل في أكثر من مجال. وهذا يقلل الحاجة إلى التوظيف المستمر ويمنح الشركات قدرًا أكبر من المرونة داخليًا. وفي الوقت نفسه، تتجه بعض الأنشطة إلى نماذج تكلفة أكثر مرونة، من خلال الاعتماد بشكل أكبر على شركاء خارجيين، أو اتفاقات ترتبط فيها التكاليف بحجم العمل الفعلي.
كذلك، يعاد النظر في خطط التوظيف. فبدلًا من التوسع السريع، تؤجل الشركات الأدوار غير الضرورية، مع التركيز على الاحتفاظ بالعناصر الأساسية. والفكرة ببساطة: عندما تتحسن الظروف، ستكون القدرة على التحرك بسرعة مرتبطة بقوة الفريق الحالي واستمراره.
تركيز أكبر على جودة الإيرادات
مع تغيّر الطلب، لم يعد المهم كم تحقق الشركة من إيرادات فقط، بل طبيعة هذه الإيرادات. فالشركات التي تعتمد على إنفاق غير ضروري، أو على صفقات طويلة ومعقدة مع الشركات، تكون أكثر عرضة لتقلبات مفاجئة في سلوك العملاء. في المقابل، تبدو الشركات ذات الإيرادات المتكررة، أو التي تقدم خدمات أساسية، أكثر استقرارًا.
ويظهر هذا الفرق بوضوح في اتجاهات الاستثمار. فرغم تراجع حجم التمويل بشكل عام، لا تزال قطاعات مثل البنية التحتية للتكنولوجيا المالية، وبرمجيات الشركات (B2B)، والخدمات اللوجستية تجذب اهتمام المستثمرين. ويجمع بين هذه القطاعات عامل مشترك: قدرتها على تحقيق تدفقات نقدية منتظمة وتلبية احتياجات تشغيلية أساسية.
وبالنسبة للشركات الناشئة، يعني ذلك ضرورة إعادة النظر ليس فقط في حجم الإيرادات، بل في مدى قدرتها على الاستمرار تحت الضغط. فأصبح تحصيل الإيرادات بشكل أسرع، والحفاظ على العملاء، والتركيز على قطاعات ذات طلب مستقر، عناصر أساسية في استراتيجية العمل.
التوسع بحذر بين أسواق مختلفة
تنوع أسواق المنطقة يُنظر إليه عادة كفرصة للنمو، لكنه يحمل أيضًا قدرًا من توزيع المخاطر. فالأوضاع الاقتصادية تختلف بشكل كبير من سوق لآخر، خاصة بين دول الخليج والاقتصادات الأكثر هشاشة التي تواجه ضغوط التضخم وتراجع العملة.
وفي هذا السياق، تميل الشركات الناشئة إلى التوسع بشكل أكثر انتقائية وحذرًا. إذ تُعد دول الخليج، بدعم من السيولة والمبادرات الحكومية، مساحة أكثر استقرارًا. في المقابل، تتعامل الشركات بحذر مع الأسواق الأعلى مخاطرة، حيث تُؤجَّل خطط التوسع أو يُعاد ضبط الأسعار بما يتناسب مع تقلبات هذه الأسواق.
ولا يعني هذا التوجه تراجعًا عن الطموحات الإقليمية، بل إعادة ترتيب للأولويات في المدى القريب، مع التركيز على الاستقرار والوضوح في مسار النمو.
الطريق إلى التمويل أصبح أطول
أصبح جمع التمويل نفسه أكثر تعقيدًا. فالصفقات تستغرق وقتًا أطول لإتمامها، والمستثمرون أصبحوا أكثر تدقيقًا، كما تميل التقييمات إلى قدر أكبر من التحفظ.
وفي المقابل، يتكيف المؤسسون مع هذا الواقع من خلال بدء محادثات التمويل في وقت مبكر، وتخصيص وقت أطول لبناء علاقات مع المستثمرين المحتملين. كما يتجه السوق تدريجيًا بعيدًا عن الصفقات السريعة نحو علاقات أطول أمدًا.
وفي الوقت نفسه، بدأت خيارات تمويل بديلة في الظهور بشكل أوضح، مثل التمويل بالدين الاستثماري والشراكات الاستراتيجية، مع سعي الشركات إلى تنويع مصادر رأس المال. ويعكس هذا التحول تغيرًا أوسع في موازين القوة. فرأس المال لا يزال متاحًا، لكنه أصبح أكثر انتقائية، مع توقعات أعلى من الشركات لإثبات قدرتها على النمو والتكيف في الوقت نفسه.
الصمود كميزة حاسمة
في مثل هذه الفترات، يظهر الفرق بين الشركات التي تعتمد على النمو السريع، وتلك القادرة على الاستمرار. وفي منطقة مثل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث أصبحت الصدمات الخارجية جزءًا متكررًا من الواقع، يبرز الصمود كميزة تنافسية حاسمة.
هذا الواقع يدفع الشركات إلى اتخاذ قرارات أكثر وعيًا بشأن طريقة العمل: كيف تُنفق رأس المال، وكيف تُبنى الفرق، وكيف يتم التعامل مع النمو. ورغم صعوبة هذه القرارات، فإنها تساهم في تشكيل جيل أكثر انضباطًا من الشركات الناشئة.
وعندما تستقر الأوضاع، لن تعود الشركات التي نجحت في عبور هذه المرحلة إلى نفس مسارات النمو السابقة، بل ستعمل بأسس أقوى وأولويات أوضح وفهم أعمق للمخاطر. وبهذا المعنى، لا يشكّل هذا الوضع قيدًا فقط، بل يعمل أيضًا كعامل تصفية. والشركات التي تتجاوزه ستكون الأقرب إلى رسم ملامح المرحلة القادمة لمنظومة الشركات الناشئة في المنطقة.
