عربي

رغم التوترات الإقليمية.. شركات الشرق الأوسط الناشئة تجمع 1.7 مليار دولار في النصف الأول من 2026

English

رغم التوترات الإقليمية.. شركات الشرق الأوسط الناشئة تجمع 1.7 مليار دولار في النصف الأول من 2026

استقطب قطاع الشركات الناشئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تمويلات بقيمة 1.7 مليار دولار عبر 242 جولة استثمارية خلال النصف الأول من عام 2026، مع استمرار المستثمرين في ضخ رؤوس الأموال رغم واحدة من أكثر الفترات اضطراباً على الصعيد الجيوسياسي في المنطقة خلال السنوات الأخيرة. ورغم تراجع إجمالي التمويلات بنسبة 18% مقارنة بـ 2.1 ملياردولار في النصف الأول من 2025، فإن تركيبة التمويلات تكشف أن السوق يشهد إعادة تموضع، لا تراجعًا في نشاطه.

وانخفض عدد الصفقات بوتيرة أكبر، مسجلاً تراجعاً سنوياً بنسبة 28%، في ظل ازدياد انتقائية المستثمرين وتراجع عدد الصفقات المنفذة. وفي الوقت نفسه، تراجع اعتماد السوق على التمويل بالدين، الذي مثل 29% من إجمالي التمويلات خلال النصف الأول من 2026، مقارنة بـ 44% في الفترة نفسها من العام الماضي، ما يعني أن الاستثمارات مقابل حصص ملكية استحوذت على نسبة أكبر من إجمالي التمويلات.

وبدلاً من أن تعكس هذه المؤشرات انكماشاً واسعاً، أظهر النصف الأول من العام إعادة تموضع للسوق في ظل تصاعد حالة عدم اليقين الإقليمي، مع تركز رؤوس الأموال بشكل متزايد في الأسواق الأكثر نضجاً، والقطاعات الراسخة، والشركات التي تمتلك مسارات أوضح للنمو والتوسع.

الربع الثاني: المستثمرون يواصلون انتقاء الصفقات

عكست نتائج الربع الثاني الاتجاهات نفسها التي شهدها النصف الأول من العام، إذ جمعت الشركات الناشئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 793.5 مليون دولار عبر 104 صفقة، بانخفاض نسبته 16% مقارنة بالربع الأول، فيما تراجع عدد الصفقات بنسبة 25%.

وحافظت الإمارات على مكانتها كمحرك رئيسي للاستثمار في المنطقة، بعدما استقطبت 591 مليون دولار عبر 37 صفقة، تلتها السعودية بـ102 مليون دولار من خلال 23 صفقة، فيما جاءت مصر في المرتبة الثالثة، بعد أن جمعت 72.6 مليون دولار عبر 17 صفقة.

وتصدر قطاع الخدمات اللوجستية القطاعات من حيث قيمة التمويلات، بعدما جمع 300 مليون دولار من خلال صفقتين فقط، في مؤشر على استعداد المستثمرين لتمويل عدد أقل من الصفقات ولكن بأحجام أكبر. وجاء قطاع التكنولوجيا المالية (Fintech) في المرتبة الثانية، بعدما استقطب 278.6 مليون دولار عبر 26 صفقة، محافظًا على موقعه كأكثر القطاعات نشاطًا من حيث عدد الصفقات، فيما حل الذكاء الاصطناعي المؤسسي (Enterprise AI) ثالثًا بعد جمعه 67 مليون دولار عبر صفقتين.

وظلت غالبية التمويلات تتجه إلى الشركات في المراحل المبكرة، إذ جمعت الشركات الناشئة في مرحلة التمويل المبكرة  (Early Stage) نحو 211 مليون دولار عبر 63 جولة، مستحوذة على النصيب الأكبر من عدد الصفقات، رغم أنها لم تمثل سوى نحو ربع إجمالي التمويلات. في المقابل، ظل نشاط الشركات في المراحل المتأخرة (Later Stage) محدودًا، مع إتمام أربع جولات فقط بقيمة 111.4 مليون دولار، بينما فضلت 30 شركة عدم الإفصاح عن مرحلة التمويل.

التكنولوجيا المالية تواصل الهيمنة على مشهد التمويل

واصل قطاع التكنولوجيا المالية (Fintech) تصدره قائمة القطاعات الأكثر جذبًا للاستثمارات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال النصف الأول من العام، بعدما استقطب 708 ملايين دولار عبر 51 جولة تمويل، متقدمًا بفارق كبير على بقية القطاعات.

وجاء قطاع الخدمات اللوجستية في المرتبة الثانية، بعدما جمع 315 مليون دولار، مدفوعًا بعدد محدود من الصفقات الكبيرة، فيما صعد قطاع التكنولوجيا العقارية (Proptech) إلى المركز الثالث بعد استقطابه 241 مليون دولار عبر 18 صفقة.

كما عكس توزيع التمويلات بحسب مراحل الشركات الصورة نفسها، إذ استحوذت الشركات الناشئة في المراحل المبكرة (Early Stage) على النصيب الأكبر من نشاط جمع التمويلات، مع نجاح 172 شركة في جمع 444 مليون دولار. وفي المقابل، لم تحصل على التمويل سوى 11 شركة في المراحل المتأخرة (Later Stage)، بإجمالي 224 مليون دولار.

ولم تشهد تفضيلات المستثمرين بحسب نماذج الأعمال تغيرًا يُذكر، إذ استحوذت الشركات التي تعمل وفق نموذج الأعمال بين الشركات (B2B) على النصيب الأكبر من التمويلات، بعدما جمعت 763.5 مليون دولار عبر 140 صفقة، متقدمة بفارق طفيف على الشركات التي تستهدف المستهلك مباشرة (B2C)، والتي جمعت 748 مليون دولار، فيما استحوذت الشركات التي تجمع بين نموذجَي الأعمال B2B وB2C على بقية الاستثمارات.

الفجوة التمويلية بين المؤسسين الرجال والنساء تتسع

ظل التنوع بين الجنسين أحد أضعف المؤشرات في منظومة الشركات الناشئة بالمنطقة.

واستحوذت الشركات التي أسسها رجال على نحو 95% من إجمالي التمويلات خلال النصف الأول من العام، بعدما جمعت 1.6 مليار دولار عبر 213 صفقة. في المقابل، لم تجمع الشركات التي أسستها نساء سوى 2.5 مليون دولار من خلال 14 صفقة، بما يمثل 0.14% فقط من إجمالي التمويلات، فيما ذهبت النسبة المتبقية إلى الشركات التي تضم فرقًا تأسيسية من الرجال والنساء.

وتؤكد هذه الأرقام أنه، رغم استمرار تطور منظومة الشركات الناشئة في المنطقة، لا يزال الوصول إلى رأس المال الجريء يتركز بصورة كبيرة بين المؤسسين الرجال.

الإمارات تعزز صدارتها الإقليمية

واصلت الإمارات تعزيز مكانتها بوصفها السوق الأكبر للشركات الناشئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال النصف الأول من عام 2026.

وجمعت الشركات الناشئة في الإمارات 1.2 مليار دولار عبر 83 صفقة، مستحوذة على نحو 70% من إجمالي الاستثمارات في المنطقة، ومسجلة نموًا لافتًا بنسبة 125% مقارنة بالنصف الأول من عام 2025.

وحافظ قطاع التكنولوجيا المالية (Fintech) على صدارته بين القطاعات، بعدما استقطب 409 ملايين دولار عبر 20 صفقة، بما يعادل نحو ثلث إجمالي التمويلات في الدولة. وجاء قطاع الخدمات اللوجستية في المرتبة الثانية بعد جمعه 300 مليون دولار من خلال صفقتين، فيما حل قطاع التكنولوجيا العقارية (Proptech) ثالثًا باستقطابه 215 مليون دولار عبر 13 صفقة.

كما عكس نشاط التمويل في المراحل المتأخرة (Later Stage) نضج منظومة الشركات الناشئة في الإمارات، إذ استضافت الدولة ثماني جولات التمويل المتأخرة في المنطقة، ما عزز مكانتها كوجهة رئيسية للشركات في مرحلة التوسع (Scale Stage). وشكل تمويل الديون 35% من إجمالي التمويلات عبر ست صفقات، فيما استقطبت الشركات في المراحل المبكرة (Early Stage) 11% من إجمالي التمويلات، بينما لم تفصح 15 شركة عن مرحلة تمويلها.

بعد عام استثنائي.. السعودية تبدأ 2026 بأداء أكثر هدوءًا 

بعد الأداء الاستثنائي الذي سجلته في عام 2025، شهدت السعودية بداية أكثر هدوءًا في عام 2026، إذ جمعت الشركات الناشئة في المملكة 259مليون دولار عبر 80 صفقة، بانخفاض بلغ 81% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

وواصل قطاع التكنولوجيا المالية (Fintech) تصدره مشهد التمويل في المملكة، بعدما استحوذ على 176 مليون دولار، أي ما يعادل 68% من إجمالي الاستثمارات، عبر 13 شركة ناشئة. وجاء قطاع الخدمات الإلكترونية (E-services) في المرتبة الثانية بتمويلات بلغت 15.2 مليون دولار، تلاه قطاع التكنولوجيا الصحية (Healthtech)، حيث جمعت خمس شركات نحو 14 مليون دولار.

وعلى عكس الإمارات، ظل سوق الشركات الناشئة في السعودية متركزًا بشكل كبير في المراحل المبكرة، إذ جمعت الشركات في هذه المراحل 201 مليون دولار عبر 69 جولة تمويل، فيما لم تُسجل أي صفقات في المراحل المتأخرة خلال الفترة. ولم يشكل تمويل الديون سوى 11% من إجمالي التمويلات.

ويجب النظر إلى هذا التراجع السنوي الحاد في ضوء قاعدة المقارنة المرتفعة خلال عام 2025، إذ تصدرت السعودية مشهد جمع التمويلات في المنطقة على مدار العام، مدفوعة بعدد من الصفقات الكبيرة بشكل استثنائي. ورغم أن التوترات الجيوسياسية وحالة عدم اليقين الاقتصادي ربما أثرتا في نشاط المستثمرين خلال النصف الأول من عام 2026، فإن المملكة لا تزال تستفيد من واحدة من أقوى بيئات تأسيس الشركات في المنطقة، إلى جانب قاعدة نشطة من المستثمرين المؤسسيين، وبيئة تنظيمية تزداد نضجًا.

مصر تسعى لاستعادة زخم التمويل

واصلت منظومة الشركات الناشئة في مصر العمل في ظل بيئة اقتصادية محلية صعبة، لا يزال الوصول فيها إلى رأس المال الجريء محدودًا، كما بات تأمين جولات التمويل الكبرى أكثر صعوبة.

وجمعت الشركات الناشئة في مصر 158.9 مليون دولار عبر 29 صفقة، بانخفاض نسبته 11% مقارنة بالنصف الأول من عام 2025.

ورغم تراجع إجمالي التمويلات، شهدت مصر جولتي تمويل في المراحل المتأخرة بقيمة إجمالية بلغت 53 مليون دولار، فيما ساهم تمويل الديون بنحو 22 مليون دولار عبر صفقتين. أما الشركات في المراحل المبكرة، فجمعت 57 مليون دولار عبر 16 صفقة.

وحافظ قطاع التكنولوجيا المالية (Fintech) على صدارته من حيث حجم الاستثمارات، بعدما استقطب 82.3 مليون دولار عبر سبع صفقات. وجاء قطاع التجارة الإلكترونية في المرتبة الثانية بتمويلات بلغت 50.2 مليون دولار عبر ثلاث صفقات، تلاه قطاع الخدمات اللوجستية، الذي جمع 13 مليون دولار من خلال جولتي تمويل.

نظرة مستقبلية: التعافي مستمر.. لكن بوتيرة متفاوتة

اختبر النصف الأول من عام 2026 مرونة منظومة الشركات الناشئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على نحو لم يكن متوقعًا مع بداية العام. ورغم أن التوترات الجيوسياسية وحالة عدم اليقين الاقتصادي أعادتا تشكيل قرارات المستثمرين، فإنهما لم توقفا تدفق الاستثمارات.

وأصبح المستثمرون أكثر انتقائية، مع تركيز استثماراتهم في المنظومات الأكثر نضجًا، والقطاعات التي أثبتت جدواها، والشركات التي تمتلك أسسًا قوية وفرصًا أوضح للنمو.

وإذا شهدت المنطقة مزيدًا من الاستقرار خلال الأشهر المقبلة، فمن المتوقع أن يدخل قطاع الشركات الناشئة النصف الثاني من العام مستندًا إلى خط قوي من الصفقات الاستثمارية قيد الإعداد، إلى جانب رؤوس أموال جريئة جديدة جاهزة للاستثمار، وعدد من الطروحات العامة الأولية (IPOs) وعمليات التخارج (Exits) المرتقبة، بما قد يسهم في استعادة الزخم في السوق.

Thank you

Please check your email to confirm your subscription.