العنصر المفقود في استراتيجية دبي للذكاء الاصطناعي هو المواهب التكنولوجية
بقلم عبدالله الجعفري، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Resquad AI
في مايو الماضي، اتخذت دبي خطوة لافتة، إذ حدد الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي، مهلة عامين لتبني القطاع الخاص تقنيات الذكاء الاصطناعي الوكيلي (Agentic AI)، وهي أنظمة قادرة على التخطيط والتنفيذ واتخاذ القرارات باستقلالية نسبية، مع تدخل بشري محدود.
وعقب الإعلان، بادرت غرف دبي إلى تشكيل لجنة تنفيذية، إلى جانب إطلاق برامج تدريب وحاضنات أعمال ومبادرات تمويل، لتسريع تبني هذه التقنيات في القطاع الخاص. ويُعد هذا البرنامج واحدًا من أكثر برامج التحول التكنولوجي طموحًا في المنطقة.
ورغم أن معظم النقاشات والتحليلات ركزت على الجانب التقني، فإن نجاح المبادرة لا يتوقف على التكنولوجيا وحدها، بل يعتمد بالقدر نفسه، وربما بدرجة أكبر، على توفر الكفاءات والمواهب البشرية. فوكيل الذكاء الاصطناعي (AI Agent) ليس منتجًا يمكن شراؤه وتشغيله بمجرد الضغط على زر، بل يتطلب تصميمه ودمجه في الأنظمة القائمة، مع وضع أطر حوكمة واضحة لإدارته، خاصة عندما يبدأ في اتخاذ قرارات كانت حتى وقت قريب من اختصاص البشر.
وسواء كان وكيل الذكاء الاصطناعي مسؤولًا عن اعتماد المدفوعات أو إعادة طلب المخزون أو الرد على العملاء، فلا بد من وجود من يحدد حدود صلاحياته، ويقرر متى ينبغي إحالة القرار إلى العنصر البشري، ويتحمل المسؤولية عند وقوع أي أخطاء.
وتقع هذه المسؤولية على عاتق كبار المهندسين ذوي الخبرة والمتخصصين في تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي (AI Architects). لكن هذه الفئة تُعد من بين الأصعب استقطابًا في المنطقة، لا سيما مع تسارع الطلب على المهارات المتقدمة في الذكاء الاصطناعي. ووفقًا لتقرير "مستقبل التوظيف في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 2025" الصادر عن LinkedIn، يواجه أكثر من نصف المتخصصين في استقطاب المواهب صعوبة في العثور على مرشحين يمتلكون المهارات التقنية المطلوبة، رغم أن المؤسسات باتت تولي اهتمامًا متزايدًا بمهارات الذكاء الاصطناعي، وتعتمد بصورة أكبر على التوظيف القائم على المهارات (Skills-Based Hiring).
وهنا يكمن التحدي الذي لا يمكن تجاوزه بين ليلة وضحاها. فبرنامج دبي يمتد لـ24 شهرًا فقط. وخلال هذه الفترة، يمكن رفع مستوى الإلمام التقني (Technical Literacy) لدى الموظفين، لكن إعداد كبار المهندسين القادرين على تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي الوكيلي الجاهزة للاستخدام الفعلي، ونشرها، ووضع الأطر اللازمة لحوكمتها، يُعد أكثر صعوبة بكثير.
ولا شك أن برامج التدريب وحاضنات الأعمال ومبادرات التمويل تؤدي جميعها دورًا أساسيًا، إذ تسهم في نشر الوعي وتشجيع التجريب ومساعدة المؤسسات على تحديد المجالات التي يمكن للذكاء الاصطناعي أن يضيف فيها قيمة حقيقية. لكن ما لا تستطيع هذه المبادرات تحقيقه خلال عامين هو إعداد أعداد كبيرة من المتخصصين ذوي الخبرة في تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي.
وفي الواقع، قد تؤدي زيادة الوعي في البداية إلى زيادة الطلب على هذه الكفاءات. فكلما أدرك المزيد من التنفيذيين الفرص التي يتيحها الذكاء الاصطناعي الوكيلي، اشتدت المنافسة بين المؤسسات على قاعدة محدودة نسبيًا من الكفاءات التقنية ذات الخبرة. فالتعليم يوسع قاعدة الكفاءات المحتملة، لكنه لا يزيد، في وقت قصير، عدد المهندسين ذوي الخبرة القادرين على قيادة تنفيذ المشروعات المعقدة. ولهذا، يصبح عامل الوقت ميزة تنافسية.
وقد تميل الشركات، تحت ضغط تحقيق أهدافها الطموحة في مجال الذكاء الاصطناعي، إلى شراء التكنولوجيا أولًا ثم بناء فرق العمل لاحقًا. لكن الواقع يشير إلى أن بناء فرق العمل أولًا يكون غالبًا الخيار الأكثر فاعلية. فالمؤسسات التي تستقطب القيادات التقنية ذات الخبرة مبكرًا تمنحها الوقت الكافي لتقييم المنصات ووضع أطر الحوكمة ودمج الأنظمة واستخلاص الدروس من العقبات التي لا بد أن تظهر، قبل تعميم استخدام هذه الأنظمة على نطاق واسع. أما المؤسسات التي تؤجل التوظيف إلى مراحل متأخرة من عملية التحول، فستجد نفسها أمام مساحة أضيق بكثير للتجربة أو تصحيح المسار.
وبالنسبة إلى كثير من الشركات، لم يعد هذا التحدي محليًا. فالمهندسون القادرون على بناء أنظمة الذكاء الاصطناعي الجاهزة للاستخدام الفعلي قد يكونون في أوروبا أو آسيا أو أي مكان آخر في الشرق الأوسط. ورغم أن العمل عن بُعد أصبح أكثر شيوعًا، فإن استقطاب الكفاءات من الخارج لا يزال يتطلب التعامل مع عقود التوظيف والرواتب وإجراءات الهجرة وغيرها من المتطلبات القانونية والتنظيمية، وهي أمور غالبًا ما تسير بوتيرة أبطأ من تطور التكنولوجيا نفسها.
كما أن المنافسة لن تقتصر على دبي. فالسعودية وأبوظبي وأسواق خليجية أخرى تستثمر بكثافة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والبحث العلمي والتحول الرقمي، ما يخلق طلبًا متزامنًا على كثير من المهارات التخصصية نفسها. وبالتالي، لم يعد الأمر مجرد تحدٍ في التوظيف داخل سوق محلية، بل منافسة إقليمية على الكفاءات.
ولا يقلل أي من ذلك من طموح دبي، بل على العكس، تعكس هذه الاستراتيجية إدراكًا بأن الذكاء الاصطناعي سيكون أحد الركائز الأساسية للتنافسية الاقتصادية في المستقبل. لكن التكنولوجيا وحدها لن تحسم نجاح هذا الطموح. فالمؤسسات التي ستحقق أكبر مكاسب خلال العامين المقبلين لن تكون بالضرورة تلك التي تشتري أكبر عدد من أدوات الذكاء الاصطناعي، بل تلك التي تستثمر مبكرًا في الكفاءات القادرة على تصميم هذه الأنظمة ووضع أطر حوكمتها وتطويرها باستمرار.
وقد يصبح الذكاء الاصطناعي الوكيلي (Agentic AI) أكثر استقلالية بمرور الوقت، لكن نجاحه سيظل معتمدًا على الخبرة البشرية. وفي سباق بناء اقتصاد قائم على الذكاء الاصطناعي، سيظل نقص المهندسين المؤهلين أكبر عائق أمام تحقيق هذا الهدف.
