هل يمكن أن يتعايش "التقشف" مع "الإبداع"؟

اقرأ بهذه اللغة

لقد تبين أن "التقشف" يعني عملية متكاملة من الألف إلى الياء تجمع بين التخلص من الهدر، وإدارة المخزون بأسلوب صحيح في الوقت المناسب، بالإضافة إلى تركيز ثقافي على حل المشاكل. ولكن، هل يمكن تطبيق مبادئ عملية من هذا القبيل على الإبداع، أم أن بنية وانضباط التقشف يخمدان شرارة الإبداع؟


وفقاً للخبراء في مجموعة بوسطن للاستشارات Boston Consulting Group وكلية وارتون، يمكن حقاً للتقشف والإبداع أن يتكاملا، وقد حان وقت الجمع بينهما. فالتقشف يؤمن البنية وإمكانية التنبؤ للإبداع، ويبرز الفرق بين إنتاج الفكرة وعملية التطوير، كما يقولون. ويتقاسم التقشف والإبداع هدفاً مشتركاً: تلبية احتياجات العميل على نحو مجدٍ اقتصادياً. ويمكن للتقشف أن يساعد في تمكين الباحثين وتخفيض الشكوك التي تحيط بعملية الإبداع نفسها.

يقول هال سيركين الشريك الرئيسي في مجموعة بوسطن للاستشارات في شيكاغو والرئيس العالمي لطرق عمل العمليات في المؤسسة: "ثمة ضغط مركز على تخفيض التكاليف، حيث تهدر الشركات كثيراً من الأموال على تطوير المنتج، لأن عمليات تسريع الخروج بأفضل الأفكار، واستبعاد الأفكار قليلة القيمة غالباً ما تكون ضعيفة أو غائبة". قد تبلي الشركات بلاءً حسناً، كما يقول، في إعادة توجيه أنفسها تجاه إبداعات من نوع "تأثير مرتفع، قيمة مرتفعة"، وكي تكون شديدة الوطأة في تخفيض مشاريع محافظها غير المرشحة لاسترجاع استثماراتها".


إعادة تعريف الفرد والفريق


تقدم شركة بيكسار
Pixar للرسوم المتحركة في هوليوود، التي صنعت أفلاماً ضخمة كسلسلة "قصة الدمية" و"إيجاد نيمو"، مثالاً جيداً عن كيفية تعزيز النتائج من خلال طرق العمل الإبداعية والتقشفية. لقد زاوجت بيكسار بين التقشف والإبداع على نحو مفيد، وفقاً لبروفيسور وارتون لإدارة العمليات والمعلومات كارتيك هوساناغار. لقد وضعت بكسار التي تعمل في صناعة السينما "حيث يعتبر غياب إمكانية التنبؤ أمراً مألوفاً"، مجموعة من العمليات التي تركز على العمل الجماعي ودورات التعقيبات والملاحظات المتواصلة، للمساعدة على تجاوز عقبات الإبداع، ومتابعة الإنجازات، وإنما دون الضغط الذي قد يلازم نظاماً للتحكم.


يثبت سجل بيكسار إمكانية تعايش التقشف والإبداع. ويقول هوساناغار: "لم تتعرض بيكسار حتى الآن إلى أية إخفاقات. وتكللت كافة مشاريعها بالنجاح"، مضيفاً أنه على النقيض من غيرها من الشركات العاملة في صناعة السينما، فإنها لم تقم أبداً بشراء نصوص من الخارج؛ بل تقوم بوضع جميع أفكارها ونصوصها داخلياً. ويضيف بعد أن سحرته الشركة خلال العام الماضي عندما كان يقوم بدراستها مع بروفيسور وارتون في إدارة التسويق والعمليات والمعلومات جوشوا إلياشبيرغ: "لقد اكتشفت أن أكثر ما تستخدمه صناعة السينما هو الجنون؛ وما تستخدمه بيكسار عبارة عن طريقة من الجنون".


إن جزءاً مما يساعد بيكسار على النجاح هو نموذج عمل يكون فيه الفرد والفريق على الدرجة نفسها من الأهمية بالنسبة لبعضهما، كما يقول هوساناغار. سعياً من نحو وضع بنية تعاملات مثمرة، قامت بيكسار بتأسيس نظام من الاجتماعات اليومية التي يتحدث فيها أعضاء الفريق عما أنجزوه أو لم ينجزوه كل يوم، كما يقدم الآخرون تعليقاتهم وملاحظاتهم. وليس المغزى هنا ملاحقة الناس. ويشرح ذلك قائلاً: "في عالم خلاق، غالباً ما تصطدم بالعقبات، والعمل الجماعي بالغ الأهمية. قد يناقش الناس العمل الذي لم يكتمل تماماً بعد؛ ولا ينبغي أن يشعروا بالحرج". ويشترك في العملية فرق من مختلف أقسام الشركة، أيضاً، حيث يمكن لفريق يعمل في مشروع ما أن يحصل على ملاحظات وتعقيبات من فريق آخر يعمل في مشروع آخر مختلف تماماً.


وفقاً لسيركين، فقد قام المخرج وودي ألين بوضع مسودة لنظام مشابه قبل أعوام. ويعلق على منهجية آلن قائلاً: "عندما يعرف العاملون في صناعة السينما بعضهم جيداً، ويقومون مراراً وتكراراً بصناعة أفلام معاً، يتعرف أحدهم بصورة أفضل على نقاط قوة وضعف الآخر، ويمكنهم الارتجال والتعاون بفعالية أكبر بكثير".


فصل الأفكار عن التطوير


تختلف عملية إبداع أفكار جيدة كثيراً عن تطوير هذه الأفكار وتحويلها إلى مشاريع تجارية. ويقول سيركين إن الأفكار الجيدة، التي لا تولد عائدات، تبقى قليلة الشأن بالنسبة للشركة في نهاية المطاف. يمكن للتقشف أن يجلب الانضباط اللازم لتطوير عروض المنتجات والخدمات الجديدة والاستفادة منها. ويضيف: "يركز معظم الناس على الأفكار، وليس بالضرورة على ما يقتضيه نقل هذه الأفكار إلى السوق، أو على تحديد الأفكار التي ستجني الأرباح".


تقول الشريك الرئيسي، والمدير المنتدب في مجموعة بوسطن للاستشارات، والرئيس المشارك في طرق عمل أبحاث وتطوير الصيدلة الحيوية فيها، كيم واغنر أن ما يجني الأرباح هو بالطبع فكرة من قبيل منتج جديد أو تطوير لمنتج موجود أبدى العملاء استعدادهم لدفع المال مقابل الحصول عليه. وترى واغنر أن مفاهيم التقشف بدأت شيئاً فشيئاً تغزو علوم الحياة.

وتقول شارحة كيف يمكن "لعالم لديه اكتشاف مثير" معرفة إن كان لهذا الاكتشاف "أية قيمة ملموسة" لدى المستخدمين: "استمعوا إلى صوت العميل".


وتشير واغنر إلى أن تركيز التقشف على العميل يمكن أن يساعد على اختبار الإبداع فعلياً. قد ترى شركة صيدلانية أن استبدال جرعة يومية بحبة تؤخذ أسبوعياً فكرة عظيمة. ولكن منهجية من هذا القبيل لا تناسب احتياجات المرضى الكهول.

وتقول عن نظام الجرعات التي تؤخذ مرة واحدة أسبوعياً: "إن كنت تبلغ الخامسة والسبعين من العمر، فمن الصعب عليك تذكر أن اليوم هو الأحد، وأنك يجب أن تتناول حبة الدواء"، مضيفة أن الشركات الصيدلانية يجب أن تراعي حقيقة السوق تلك في عمليتها الإبداعية.


الاستماع إلى صوت العميل


يمكن لمنهجيات التقشف مساعدة المؤسسات على زيادة رضا العملاء إلى مستويات جديدة. أما الزميل الرئيسي في مركز ماك للإبداع التكنولوجي في وارتون، رافي أرون، الذي يجري أبحاثاً موسعة على شركات الرعاية الصحية في العالم بأسره، فيستشهد بحالة مستشفى بومرنغراد الدولي في بانكوك. إن المستشفى، كما يقول، "يتخطى بعيداً" نقاط المقارنة المرجعية الخاصة بالجودة، ويعزو ذلك إلى "تحسينات مستمرة ودائمة في العملية" على مجال من المقاييس التي تشمل معدلات الشفاء، وزمن الشفاء، وطول مدة الإقامة في المستشفى، ومعايير أخرى لرضا المرضى. ويضيف: "إنه يتخطى العناية الطبية إلى خدمات الاستضافة، والتعلم من الملاحظات التي يجمعها من المرضى، والأطباء، والعاملين في القطاع الصحي، والكادر المساند".


ويستخدم مستشفى بومرنغراد التكنولوجيا بإبداع لزيادة رضا المرضى إلى الحد الأقصى، ومن هذه الأساليب التكنولوجية التحديثات الإلكترونية المتواصلة لسجلات المرضى. ويطرح أرون مثالاً عن كيفية استخدام المستشفى للتكنولوجيا في تقديم الأدوية، مع تجنب "عملية السباغيتي الشائعة في هذا القطاع، والتي تزيد من  احتمال حدوث الأخطاء". ويقوم رجل آلي من صنع سويسلوغ (
Swisslog) بجمع جرعات يومية لكل مريض في حزم صغيرة تسير على سيور ناقلة، ويجري التحقق منها بواسطة تقنية التعرف بالتردد اللاسلكي، ومن ثم تتحقق منها ممرضة أيضاً قبل تسليمها إلى المرضى. ويقول: "لقد شعرت بالذهول عندما رأيتها".


يقول أرون إن الاستخدام الأفضل للتقشف يكمن في تحسينات العملية كالتي أجريت في بومرنغراد، وبدرجة أقل نسبياً في تحسينات المنتج التي تمتاز بفترات تحضير أطول. ويضيف: "إن التقشف إبداع مناسب بصورة طبيعية للعملية. وقلما يؤثر التقشف في المرحلة الأولى من ابتكار المنتج"، ويبدأ فعلياً رحلته عندما تحاول مؤسسة "سماع صوت العميل". إن المرحلة الثالثة، التي تجري فيها إدارة إبداع المنتج مع تقديم تحسينات دائمة مفصلة عبر سلسلة تزويده، "هي الموضع الذي يبدأ فيه التأثير الكبير للتقشف" كما يعبر أرون عن ذلك.


إدارة فعاليات سلسلة الإمداد


تميل الشركات التي تتبنى مفاهيم التقشف إلى دمج مورديها بفعالية أكبر وفي مرحلة مبكرة من عملية تطوير المنتج. ويقول سيركين: "عوضاً عن الانتظار واختبار منتجاتك بصورة مستقلة، يمكنك دمج مورديك، الرئيسيون منهم بالطبع، بحيث يعملون سلفاً على تقديمه في الوقت الذي تكون فيه ما تزال تضع تفاصيل إبداعك". وحتى ضمن المؤسسة، فيجب أن يكون التقشف جهداً يبذل على مستوى الشركة بأكملها ويشمل وظائف الأبحاث والتطوير والإنتاج والمبيعات وهكذا دواليك.

ويشرح سيركين قائلاً: "أنت بصورة افتراضية تحتاج إلى كل جزء من الشركة لبعث الحياة في فكرة ما". يمكن أن يساعد التقشف وتركيزه الحاد على العملاء الشركات على استكشاف الإبداع في مجالات كانت ستهمل لولا وجوده، كما تقول واغنر. مثلاً قد تتخذ شركة صيدلانية قراراً بمواصلة استكشاف معالجات لضغط الدم المرتفع، حتى لو كانت نصف دزينة من الشركات صاحبة العلامات التجارية تسيطر على تلك السوق، كما تقول.


ستقود ذلك القرار قطاعات محددة من المرضى غير مخدمة على نحو ملائم بالأدوية المتوفرة حالياً، ومستعدة للدفع مقابل معالجات بديلة مناسبة لهم. وتقول واغنر إن الشركات التي تتبنى منهجيات التقشف ستخفض المخاطر الملازمة لعمليات تطويرها. ويكتسي هذا أهمية خاصة بالنسبة للشركات الصيدلانية، حيث تكون عملية تطوير الدواء محفوفة بالمخاطر وباهظة الثمن ومستنفذة للوقت إلى أبعد حد. وتشرح ذلك قائلة: "لتقصير مدة هذه العملية، تقوم شركات كثيرة بتأمين متطلبات النشاطات بصورة مسبقة، أو تقوم بها على التوازي".


وتضيف: "ولكن عندما تفشل الجهود المبذولة للتطوير، كما يحدث في كثير من الأحيان، تكون الحصيلة النهائية لهذه النشاطات هدر الموارد". ويجب على الشركات عوضاً عن ذلك تركيز جهودها على النشاطات التي تزيد الإمكانية الفنية أو التجارية لنجاح المنتج. "ولا يساعد هذا على منهجية "الفشل السريع" والانتقال إلى الفرصة التالية فحسب، بل يحد أيضاً من مقدار الجهود الإضافية المهدورة على البرامج غير الناجحة".

كما تتعلم الشركات الصيدلانية خلال سعيها لتخفيض الهدر وتسريع العمليات في عملية تطوير المنتج أن تقلل من عدد المستويات في بناها التنظيمية. وتلاحظ واغنر أن شركات صيدلانية كثيرة تميل إلى إنشاء بنى عميقة جداً، تصل إلى نحو اثني عشر مستوىً بين رئيس الأبحاث والباحث "الاحتياط"، مما يرفع التكاليف والتأخير وغيرها من الجوانب التي تخفض الفعالية. وينبغي أن يدرس المدراء كافة المستويات لإدراك القيمة التي يضيفها كل منها إلى المنتج. وتقول: "إذا لم يكن بمقدورك إيضاح القيمة المضافة في كل مستوى من المؤسسة، فمن الجدير بك أن تتساءل عن جدوى وجوده". وتضيف: "كما تتيح عملية تخفيض عدد المستويات تمكين العلماء، وتجعل من المؤسسة مكاناً أفضل للعمل، وترفع من الإنتاجية".


تمكين الباحثين لتحقيق إبداع أكبر


ويقول هوساناغار إن أفكار التقشف في الشركات التي كبلت نفسها بعدم المرونة والعمليات الجامدة من خلال برامج (
SixSigma)، قادرة على تحرير الباحثين وإفساح المجال لهم كي يضاعفوا جهود أبحاثهم. ويشير إلى ثري إم كورب (3M Corp)، التي تصنع منتجات مبتكرة من قبيل سكوتشغارد (Scotchgard) وبوست إت نوتس (Post-it Notes) وسكوتش تيب (Scotch tape)، والتي أقلعت عن التركيز على (Six Sigma) وعلى المنهجيات المقادة بالبيانات الناتجة عنها، بغية تخفيض عيوب العملية. إنها تحذير إلى الذين يتبنون مقولة تخفيض التنوع إلى الحد الأقصى، كما يقول. "إن دور (Six Sigma) واضح في المؤسسات، ولكن الالتزام المفرط بها يقتل الإبداع؛ لن يحيد الناس عن المعيار، ولن يظهر إبداع لديك".


ويعود هوساناغار إلى كيفية جمع بيكسار بين البنية التي يؤمنها التقشف مع الحرية التي يتوق لها المهنيون المبدعون. ويقول: "لقد أنجزوا حلاً ذهبياً: رعاية الحريات الإبداعية، والتخفيف من الهدر باستخدام العملية ذاتها. إنهم قادرون على خلق وضع تتوقف فيه المشاريع التي يتوقع فشلها في وقت مبكر".


ويقول سيركين إن كثيراً مما يمثله التقشف يبدو أشبه بمشكلة بسيطة الحل. ويضيف أنه، رغم ذلك، يمثل فرصة للشركات التي ليس لديها عمليات لتطوير التقشف. ويشرح: "لماذا التركيز على التقشف في الوقت الحالي؟ تتعرض الشركات التي تعاني من ضعف السيولة النقدية، في ظل الكساد السائد، إلى ضغوط كبيرة لتخفيض التكاليف. وكلما ازداد الضغط على النظام، كلما بحث الناس عن سبل لتخفيف ذلك الضغط، بهدف زيادة ربحيتهم. فالأمر برمته مرتبط بالمنافسة".

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة