٥ صيغ ينبغي تجنّبها عند تصميم العلامة التجاريّة للشركات العربيّة

اقرأ بهذه اللغة

الإشارة إلى الرموز المألوفة في الثقافة المحليّة لأي مجتمع، تؤدّي إلى المخاطرة بإنتاج تصاميم مرتبطة بهذه الرموز وعدم الحياد عنها. وقد برز هذا بشكل واضح تحديدا في منطقة الشرق الأوسط خلال العقد الماضي، مع تدفّق الأعمال التجاريّة الجديدة وحصول التطوّر في المنطقة، ما قاد إلى ازدياد الطلب على اتّباع مناهج حديثة من شأنها أن تعبّر عن الهويّة العربيّة. والنتيجة أنّنا نشهد اليوم تصاميم وظيفيّة مألوفة جدّا وتخلو من عنصر الإبداع.

ولنكون منصفين في حكمنا، نعترف أنّه ليس من السهل تحديد ماذا يمكن أن تعني الهويّة "الحديثة" و"العربيّة". تميل هاتان الكلمتان إلى التناقض، حيث أنّ كلمة "العربي" يمكن أن ترتبط بأيّ شيء عدا "الحديث." ناهيك عن التنوّع الكبير في المرجعيّات الثقافيّة في العالم "العربي"، والذي تأثّر بالعديد من الثقافات الخارجيّة المختلفة، نظرا إلى سياقه التاريخي وموقعه الجغرافي. التاريخ السياسي للمنطقة أيضا ترك فجوة في عمليّة تطوّر ثقافة التصميم، حيث عاشت المنطقة سنوات عديدة تعاني من الصراعات، والاستعمار والهجرة، ما لم يتح المجال لنا للتفكير في التنمية المحليّة، وفرض علينا التمسّك بعناصر ثقافيّة تعود إلى حضارات بادت منذ آلاف السنين، إن أردنا توثيقها حقّا.

الرجوع إلى هذه العناصر، يفسّر بالضبط كيف وصلنا إلى الصيغ التي ينبغي الابتعاد عنها، بحيث أنّها تخلق خللا في المشهد المرئي الذي نعيشه حاليّا. وطالما قرّرنا  أن نتحدّى أنفسنا من أجل تطوير أفكار جديدة في مجال الأعمال في المنطقة، ينبغي علينا أيضا أن نتحدّى أنفسنا من أجل تطوير تعاريف جديدة لما هو "حديث" و"عربي". النقطة التي يمكن أن نبدأ منها هي أن نتجنّب استخدام هذه الحلول المألوفة السهلة عند السعي إلى تصميم عناصر ذات علامة تجاريّة.

١- الخط العربي

الخط العربي التقليدي هو أكثر هذه الصيغ وضوحا عندما نحاول أن نصنع شيئا يقدّم الطابع "العربي". من ناحية، فهذه محاولة جيّدة لأنّ الشيء الوحيد الذي سيجعل التصميم "الحديث" يبدو "عربيّا" هو إدخال اللغة العربيّة في تصميمه. ومع ذلك، فهذا المجهود يمكن أن يبتعد عن مرادنا ويظهر المُنتج "تقليديّا"، بحيث أنه يمكن، على سبيل المثال، أن يحاكي أنواع "الخط العربي" التاريخي مثل الكوفي أو الثُلُث. صحيح أن هذه تطبيقات جميلة من التصاميم، إلاّ أنّها غير حديثة.

على سبيل المثال، تمّ تصميم شعار قناة الجزيرة (على اليسار) لأغراض نشر العلامة التجاريّة في محاولة للمنافسة في عالم الأخبار، وتقديم الجدل السياسي من منظور جديد. اختيار الجزيرة لاستخدام الخط العربي التقليدي، قد يجعل من السهل ربط المحطّة بالثقافة الإسلاميّة والأصوليّة أكثر من ربطها بالثقافة العربيّة. من ناحية أخرى، فشعار مركز البافيليون في وسط مدينة دبي "الجناح وسط المدينة" (على اليمين)، يترك بصمات ذات طابع حداثي ومتطوّر، حيث تشعر بالإبداع في استخدام الخطّ العربي وما يعنيه أن تكون "عربيّا" اليوم.

٢- الصورة النمطيّة

إن كنت تحاول أن تكون أقلّ وضوحا، وفي نفس الوقت متألّقا، عند إدخال اللمسة العربيّة على التصميم، فالخدعة التالية هي عادة أن تجعل من التصميم نموذجا أو صورة نمطيّة. من أكثر الفترات ازدهارا في تاريخ التصميم والفن "العربي" كان خلال حقبة الإمبراطوريّة الإسلاميّة، وحيث لم يكن يُسمح بنسخ الأحداث الواقعيّة، تم تدوين العديد من القصص من خلال الفن التجريدي والأسلوب القائم على الصور النمطيّة. لكن الأحكام المطبّقة خلال تلك الحقبة الزمنيّة لم تعد موجودة في عصرنا هذا، فإن لم يكن للنمط هدف وظيفي، فهذا يعني أنّنا لا نزال نعتمد ما يمكن تعريفه كتصميم "عربي" لكن غير حديث.

هذه الصور هي أمثلة جيّدة على الفرق بين الأنماط التقليديّة والحديثة. مع ذلك، ينبغي إعادة التفكير في استخدام الرسومات البيانيّة، والتي ينبغي أن تكون وظيفيّة كعناوين، وأن يتم تصميمها بطريقة مبتكرة من أجل إيصال رسالتك.


٣- المستشرق

تصميم "المستشرق"، مع التقدير لإدوارد سعيد في انتقاده للاستعمار، هو تصميم تمّ تطويره بناءً على انطباع دخيل على ما هو "عربي"، فهو يميل نحو الصفات المتخيّلة والمبهمة: متلازمة علاء الدين والأربعون لصّا، وعلي بابا، وسندباد، حيث كل شيء يبدو وكأنّه آتٍ من ديارٍ بعيدة على بساط الريح السحري ويتمتّع بقوّة الجن الخارقة. هذا من شأنه فقط إهانة الثقافة العربيّة، ما لم يكن الهدف منه إنتاج رسوم كرتونيّة.


يمتد هذا التصوّر الكرتوني إلى إقحام العناصر "العربيّة" في النص الإنجليزي أيضا.

٤- التكيّف

هذا يقع على النقيض من المستشرق، عدا من ناحية أنّه غير ملائم، بحيث يتم فرض الميول في التصاميم الدوليّة على التطبيق المحلي. هناك الكثير من الأمثلة يمكن تعدادها في هذا المجال، لكن يمكن التعرّف عليه باسم قضايا الترجمة، وإقحام خصائص أشكال طباعة أخرى على فن الطباعة العربيّة (خط السيريف (Serifs)، الخط المائل، وغيرها). أنا لا أدعو للامتناع عن القيام بذلك بشكل مطلق، لكنني أدعو إلى توخّي الحذر عند القيام بذلك. ينبغي منح الحق فقط لفنيّي الطباعة المهنيّين في تطوير الأدوار الوظيفيّة لهذه الخصائص لإدخالها في اللغة المطبعيّة الحديثة. مثل هذه المشكلات، تتضح عند تكييف الإشارات الدوليّة في فن الطباعة العربيّة دون اعتبار الدلالات الرسميّة.



على سبيل المثال، بالرغم من شهرة شعار شركة فيديكس، حتّى لأولئك الذين لا يعرفون اللغة العربيّة، فهذا التطبيق من شأنه الإطاحة بأساسيّات فن الطباعة العربيّة. إنّ إقحام "السهم المخفي"، والذي تمّ تكييفه من النسخة اللاتينيّة، من شأنه الإخلال بالعديد من أشكال الحروف، مع ترك الإشارة غير مقروءة وغير متّزنة. وهذا يعني أنّ الإضافة الوحيدة التي قدّمها استخدام السهم هو التعرّف عليه، والذي كان من الممكن أن يتحقّق دون استخدام الشكل اللاتيني كإشارة. فلا ينبغي استخدام أيّة إشارة ضمن الخيارات متعدّدة اللغات. ينبغي أن يكون هناك إشارة خاصّة في اللغة ذات الأولويّة، ونظام توقيع للتطبيق المحلّي.

٥- الجمل، الماعز، والصقر

وأخيرا، أكثر الصيغ وضوحا هو استخدام الرموز المستوحاة من التراث العربي والمتوارثة حول أرض "العرب"، لكنّها تمثّل سياقا ضئيلا في ثقافتنا اليوم، وربّما تتعارض مع صفات المنتجات والخدمات المرتبطة بها، مثل استخدام صورة الجمل كرمز للخدمات العبقريّة التي يقدّمها البنك، واستخدام صورة الغزال كرمز لشركة الطيران، أو استخدام صورة الصقر كرمز للفندق. وهذه الصيغ لا تتعلّق بالصور فقط، وإنّما أيضا شملت المسمّيات ووسائل الاتصال، فلقد أقحمنا أسماءً مثل أشجار النخيل، والواحات، والأهرامات، والبلح، وغير ذلك على علاماتنا التجاريّة. وأكثر هذه الأمثلة طرافة هو تكرار استخدام مفهوم "السراب" كرمز للمستقبل، بحيث نتجاهل الحقيقة الواقعة بأنّ السراب يختفي لحظة وصولنا إلى المنطقة التي نتخيّله فيها. وممّا تجاهلناه أيضا، هو أنّ العرب، ومنذ زمنٍ بعيد، لم يعودوا قبائل بدويّة رُحَّل، يهاجرون عبر مناطق شاسعة بحثا عن منطقة غنيّة بالماء يلجأون إليها ويحطّون فيها رحالهم. في حين أنّ الثقافة البدويّة لا تزال موجودة، إلاّ أنّها لا تعبّر بأيّ حال من الأحوال عمّا يعنيه مفهوم "الحديث" أو "العربي" اليوم.

وعلى سبيل المثال، بينما يعتبر الغزال في شعار شركة الخطوط الجويّة القطريّة (إلى اليسار) فريدا أكثر من الصيغ المعتادة لدينا مثل الجمل، والصقر، والحصان، إلاّ أنّ الغزال لسوء الحظ لا يطير، مما يجعل منه رمزاً غير ملائم لشركة الطيران. من ناحية أخرى، فالجمل المستخدم كرمز للبنك الوطني الكويتي، ربّما يكون مقبولا إلى حدٍّ ما، إذا ما اعتبرنا أنّ المقصود منه هو الرمز لحقيقة أنّ البنك جيّد في تخزين الأموال لمدّة طويلة من الزمن. ومع ذلك، يبقى الرمز غير واضح تماما، وبخاصّة أنّه لا يزال يرسخ في الأذهان الاعتقاد الخاطئ بأنّ الجمال ما زالت تمثّل جزءاً لا يتجزأ من الحياة في العالم العربي.

في حين أنّه ليس من اختصاص أيّ من مصمّمي العلامات التجاريّة للشركات في المنطقة أن يعيد تعريف ما هو "حديث" و"عربي"، إلاّ أنّ محاولة تجنّب هذه الصيغ يمكن على الأقل أن يمنع التقدّم خطوة في الاتجاه الخاطئ، ويساعد على خلق علامات تجاريّة قويّة من شأنها أن تكون أصيلة وأن تستشرف المستقبل.

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة