تأمين فرص العمل للشباب العربي


اقرأ بهذه اللغة

خلال عام 2011، احتل الشباب من جميع أنحاء العالم العربي الشوارع والميادين والمناطق العامة الأخرى للاحتجاج على غياب المشاركة الشبابية في اتخاذ القرارات وانعدام الكرامة والعدالة الاجتماعية. كان أكثر الأسباب ذِكراً والذي وحّد المتظاهرين هو الرغبة في المشاركة في عملية الحكم وإدارة الدولة كونها وسيلة لمعالجة هذه الشواغل.

لكن هذا السبب المُعلن يخفي تحته سببٌ آخر هو غياب المشاركة الشبابية في الاقتصاد. فالبطالة هي أكبر تهديد أمني يواجهه العالم العربي اليوم. حيث تصل نسبة الشباب تحت سن الـ26 والعاطلين عن العمل إلى 25% في بعض الدول العربية، وهي من أعلى نسب البطالة بين الشباب في العالم. وتتعدى الخسارة الاقتصادية الناجمة عن البطالة بين الشباب 40-50 بليون دولار سنوياً عبر العالم العربي، مُعادلةً إجمالي الناتج المحلي في بعض الدول كتونس ولبنان.

مع أن ذلك يبدو سيئاً بما فيه الكفاية إلا أن المشكلة الحقيقية التي تواجهها المنطقة هي أن المستقبل يبدو أكثر كآبةً. فإذا ما أخذنا تقييم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) لعام 2009 الذي استنتج أنه يجب خلق 51 مليون فرصة عمل بحلول نهاية 2020 فقط لتثبيت ومنع تدهور الوضع الحالي بما يخص البطالة، يجب بناءاً عليه أن تزيد الدول العربية فعليّاً عدد فرص العمل في المنطقة بنسبة 50% تقريباً عبر السنوات العشر حتى حلول 2020.

وبالنظر للموضوع بطريقةٍ أخرى، باستعمال نفس نتائج تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، نحتاج أن ننمّي اقتصاداتنا بمعدل سنوي يبلغ 7.6% لتوليد فرص العمل اللازمة. وهذا فقط للحد من التدهور في مسألة البطالة. أما فعليّاً فإن اقتصاداتنا تنمو بمعدّل أدنى بكثير في هذه الأيام. يشكل ذلك تحدياً هائلاً بالنسبة للدول التي لا تملك فائضاً مالياً كبيراً ومسؤوليةً أضخم في حال الفشل في تحقيق ذلك. أما بالنسبة للدول التي تملك فائضاً مالياً كبيراً، لن يوجد مهرب من النتيجة النهائيّة. فمن الحتمي أن يورّث الثمن الذي يجب دفعه وسيكون غالياً. إن العالم العربي بأسره يواجه خطر أن تجتاحه آثار البطالة المتزايدة.

كيف إذاً يمكن تجنب هذه السيناريوهات المحتملة وخلق النمو اللازم في الاقتصاد وحجم العمالة؟ الحل الوحيد هو الاستثمار والإصلاح الاقتصادي. إن الاستثمار مطلوبٌ في البنية التحتية والتعليم وبشكل مباشر في مؤسسات القطاع الخاص. قدّرت الدراسات في الولايات المتحدة أن كل بليون دولار يستثمر في البنية التحتية يمكن أن يخلق 18 ألف فرصة عمل مباشرة ومنبثقة عنها. وتعدّ الاستثمارات في الموانئ والمطارات والمراكز المالية والمناطق الصناعية أمثلةً جيدة عن ذلك.

إلا أنه بالنظر إلى ضخامة وإلحاح هذه المشكلة فإن الاستثمار في البنية التحتية هو جزء صغير نسبياً من الحل. كما لن يكون الحل بالتوظيف في القطاع العام (الحكومي) لأنه ببساطة، لم يعد هناك فرص عمل يمكن إعطاؤها وأي فرص عمل أخرى يتم خلقها لن تدوم على المدى الطويل. إن توظيف العمالة على نطاق واسع ينبغي أن يتأتّى من خلال نموٍّ اقتصاديٍّ مستدام للقطاع الخاص ولتحقيق ذلك يجب أن نستثمر بشكل كبير في القطاع الخاص وأن نعلّم شبابنا ونؤهلهم ليتمكنوا من ملء فرص العمل التي سيتم توليدها في القطاع الخاص.

كيف تستثمر في القطاع الخاص؟ أولاً، بالتركيز على المشاريع الصغيرة والمتوسطة. وفقاً لأبحاث الاتحاد الأوروبي، فإن الاستثمار في مشروعٍ صغير أو متوسط يرفع احتمالية خلق فرص عمل إلى الضعف عما هي عليه عند استثمار نفس المبلغ في شركة كبرى. على نحوٍ مماثل، يُظهر بحثٌ من الولايات المتحدة أنه بين العام 1980 والعام 2005، أوجد الاقتصاد الأمريكي 40 مليون فرصة عمل جديدة من مشاريع لم يكن قد مضى على إنشائها الـ5 أعوام. كما أن المشاريع الصغيرة والمتوسطة هي الأقدر غالباً على خلق فرص عمل في قطاعات أكثر حداثةً وابتكاراً مما يوفّر تنوّعاً اقتصادياً ووظائف تسهم في اقتصاد المعرفة.

ثانياً، الاستثمار من خلال القطاع الخاص. إن التمويل الحكومي المخصّص للقطاع الخاص يجب أن يُعطى لمستثمري القطاع الخاص. فالقطاع الخاص هو الوحيد الذي يملك الدافع الحقيقي للاستثمار بشكل مستدام كَوْن القيام باستثمارات قادرة على الاستمرار مالياً هو شرطٌ وجودي بالنسبة لمستثمري القطاع الخاص. بالإضافة إلى ذلك، فإن مستثمري القطاع الخاص يستطيعون دعم استثماراتهم بالجمع بين التمويل الحكومي الذي سيقدم لهم وأي رؤوس أموال أخرى قد يجمعونها. أحد النماذج التي ثبت نجاحها هي صناديق تمويل المشاريع في أوروبا الشرقية وروسيا التي تم تمويلها من قبل صناديق تمويل حكومية في حين تولت إدارتها مجالس مستقلة في القطاع الخاص. قامت هذه الصناديق بتوزيع 1.2 بليون دولار على 500 مشروع صغير ومتوسط ما بين العام 1990 والعام 2006، ومن المقدّر أنها قد أوجدت 250 ألف فرصة عمل كما ولّدت أرباحاً للحكومات التي استثمرت.

إن حجم الاستثمار في المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تحدث في العالم العربي حتى يومنا هذا هو جزء صغير جداً من حجم الاستثمار المطلوب. والبنوك لا تقدّم القروض. فبحسب دراساتٍ حديثة بلغت القروض المقدّمة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة 8% فقط من إجمالي القروض في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وفقط 2% منها في دول مجلس التعاون الخليجي. هذا على الرغم من أن المشاريع الصغيرة والمتوسطة تشكل أكثر من 90% من المشاريع وتوظّف حوال 70-80 % من مجموع العمالة.

لكن لا يمكن إلقاء اللوم على البنوك بهذه البساطة. وللإنصاف فالغالبية العظمى من المشاريع الصغيرة والمتوسطة يصعب تمويلها من قبل البنوك. الواقع أن البنوك لديها القليل جداً لتربحه من أي قرض والكثير نسبيّاً لتخسره إن لم ينجح المشروع، فهي من جهة تواجه حقوق دائنين مبهمة أو غائبة، بينما المقترضين هم النظراء وهم منظّمين بطريقة غير رسمية من جهة أخرى.

ما يلزم بالفعل، بالإضافة إلى إصلاح بالجملة للقوانين التي تنظم حقوق الدائنين، هو شكلٌ من أشكال التمويل يطابق بين مخاطر ومكاسب الاستثمار في المشاريع الصغيرة والمتوسطة بمعنى آخر "الأسهم". إلى جانب المساواة بين المخاطر والمكاسب، فإن ميزة الأسهم هي في المصلحة المُكتسبة التي تتولّد لدى المستثمر لتحويل الشركة إلى مشروعٍ قادرٍ على النمو وقابل للاستثمار ومع الوقت مقبول للتمويل لدى البنوك أو قابل للبيع. إن الأسهم، وتحديداً الأسهم الخاصة المُدارة من قبل جهات احترافية، هي عامل التغيير المثالي للمشاريع الصغيرة والمتوسطة في المنطقة. ويتم توظيف رؤوس الأموال لصالح خلق نموٍ اقتصادي وفرص العمل وينحصر تركيز مدرائها على إحداث التغييرات الإيجابية في إدارتها ووضع أنظمة وضوابط تجعل الشركة مغرية للاستثمار ومقبولة للتمويل لدى البنوك وقابلة البيع.

بالإضافة إلى ما سبق فإن الأرباح التي يتم توليدها عبر الاستثمار الناجح في الأسهم تصبح متاحة لإعادة استثمارها وبكميات أكبر. يُعدّ هذا درساً في الاستثمار في الأسهم نستقيه من أماكن مثل الولايات المتحدة وأوروبا والصين والهند، حيث تكون كمية الأسهم المتاحة للمشاريع الجديدة والنامية متوفرة بمقياس لا يمكن تخيّله في منطقتنا.

حتى اليوم، وعلى الرغم من القدرة المثبتة للأسهم كعامل تغييرٍ فعّال في تنمية الاقتصاد وإيجاد فرص العمل، لا يوجد سوى القليل من البرامج الفعليّة للاستثمار في الأسهم في العالم العربي تعادل بمجموعها بضع مئات ملايين الدولارات بقدرة على إحداث أثر في بضع مئات الشركات بدلاً من عشرات الآلاف التي ينبغي التأثير بها. إن صناديق الثروة السيادية في المنطقة لم تستغل إمكاناتها الضخمة بالشكل الكافي لتحقيق الفائدة الممكنة فعليّاً.

في الحقيقة يبدو أن قبول التحدي بالشكل الأكثر فاعليّةً قد جاء من المؤسسات العالمية لتمويل التنمية Developmental Finance Institutions (DFIs)  مثل شركة الاستثمار الأجنبي الخاص  (OPIC) ومؤسسة التمويل الدولي (IFC) والبنك الأوروبي للاستثمار بالإضافة إلى وكالات التنمية من دول أوروبية منفردة. لقد اتبعت هذه المؤسسات نهج تكليف مديري صناديق أسهم خاصة مرموقين بإدارة رؤوس الأموال أو وضعها مباشرة في الشركات بغرض تحريك رؤوس الأموال الخاصة التي يمكن جمعها إلى جانبها.  إنها تقنية مثبتة توفر مكاسب ضعفيّ أو ثلاث أضعاف الحد الأدني المتوقع من الدخل وهذا بالإضافة إلى التأثير التنموي كخلق فرص العمل وإحداث تغييرات إيجابية ومكاسب بيئية واجتماعية وإدارية. إن توليد هذه الأموال لمكاسب على مستوى الأسهم الخاصة يجعل هذه الخطة قابلة للدوام مالياً واقتصادياً. حيث سيعاود المستثمرين الرجوع باستمرار لتبدأ من ثمّ دورة متواصلة من الاستثمار المتزايد. هذا ليس دعماً خارجياً، بل استثماراً قابل للدوام.

لكن على الرغم من هذا النموذج الذي ثبت نجاحه، تظل كمية الاموال الموزّعة على هذا النحو قليلة جداً مقارنةً بالحاجة. ويبدو أن أحد التحدّيات هو أن رؤوس الأموال يتم التعهد بها لكنها لا تّوزع فعليّاً فيما بعد كما أن إحدى المشاكل هي عدم كفاءة عملية توزيع رؤوس الأموال. فالوقت المنقضي بين الإعلان عن البرامج وصرف الأموال طويل جداً يمتد في معظم الأوقات لعدة أعوام. والشروط المتعلقة بعمليّة تخصيص رؤوس الاموال تجعل عمليّة التوزيع صعبة، لا بل ومستحيلة في بعض الأحيان. يتعين تيسير تدفق المزيد من المال وعلينا جعل العملية أكثر فاعليّة.

بالنظر إلى حجم المشكلة بشكل آخر، قدّر استطلاع رأي حديث أجرته مؤسسة التمويل الدولي ومؤسسة مكينزي وشركائه احتواء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على حوالي 2.3 مليون شركة صغيرة ومتوسطة بمتطلبات رأس المال غير الممول لديها التي تكاد تصل لـ 140 بليون دولار أمريكي. بينما لم يتم حتى اليوم توزيع إلا ما هو أقل بكثير من 1% من هذه المتطلبات من خلال برامج التمويل بالأسهم الخاصّة.

إن رأس المال هو إلى حدٍّ بعيد المحرِّك الأول للنمو الاقتصادي والنمو المرتبط في حجم التوظيف بيد أن غيابه ليس الأزمة الوحيدة التي تواجهها الشركات الصغيرة والمتوسطة. فهي أيضاً بحاجة للوصول لأفضل الممارسات في الأعمال والوصول للأسواق. من جهة فإن أفضل الممارسات سواء أكانت على شكل خبرات ومواهب بشرية أو إدارة مؤسسية ناجحة أو تقنيات عمل متطورة فهي متوفرة بشكلٍ متزايد في العالم العربي. هناك جيلٌ ماهرٌ من ريادي الأعمال ومدراء الشركات متواجدٌ ولديه دافعيّة قويّة للعمل والإنتاج، ويقود مؤسسي الأعمال فيه بشكلٍ كبير حاجةٌ ماسّة إلى تحقيق إرادةٍ اقتصاديّةٍ حرة. كما أن التشارك في المعرفة بكافة أنواعها قد زاد بشكلٍ كبير مع التطورات الحاصلة في الاتصالات والتكنولوجيا.

ومن الجهة الأخرى، فالنظام التعليمي ما زال عاجزاً عن إنتاج خريجين بالنوعيّة المطلوبة للأماكن المناسبة. لذا فمع نجاح توسيع سبل ومجالات التعليم في العالم العربي ما زلنا نجد أن الكثير من الخريجين لا يملكون المهارات الصحيحة للوظائف المتوفرة وينعكس هذا بدوره على تطلعاتهم فيفضل قسمٌ كبيرٌ منهم الوظيفة المريحة في القطاع العام على أخرى في القطاع الخاص. كما ينبغي وضع برامج التدريب المهني من خلال شراكة بين القطاع العام والخاص. فلا يكفينا أن يكون التعليم هو الهدف بحد ذاته.

 أما بالنسبة لمسألة الوصول إلى الأسواق فلربما تكون الأزمة الكبرى من بعد أزمة الوصول إلى رأس المال. ليس من قبيل الصدفة أبداً أن أصبح اقتصاد كلٍ من الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة والصين واليابان هم الأضخم في العالم وأن اقتصاد كلٍ من الهند وروسيا والبرازيل يليهم بقليل. فلديهم جميعاً أسواق داخليّة ضخمة ويجتذبون بالنتيجة أحجاماً ضخمة من رأس المال الاستثماري.

إذا قارنّا ذلك مع العالم العربي نجد لدينا أسواقاً مجزأة وصغيرة نسبيّاً. وحتى أسواق المملكة العربية السعوديّة ومصر تعتبر صغيرةً جدّاً إذا ما قورنت بالهند والصين. يتعين تصميم حدودنا الداخليّة لتجتذب رؤوس الأموال والأفراد والتجارة والأفكار من داخل العالم العربي بينما يُظهر الواقع العملي وجود عوائق وأزماتٍ كبيرة. لكن إذا ما أطلقنا الطاقة الاستهلاكية للـ 350 مليون عربي الذين يعيشون داخل الحدود المتنوعة سنستطيع إعطاء الفرصة للمشاريع التنموية لتتحول إلى مراكز قوة إقليميّة وعالميّة قادرة على استيعاب الملايين من الوافدين الجدد إلى سوق العمل سنويّاً. تتواجد هذه الفرصة نظريّاً إذا تمكنّا من تأسيس تكامل اقتصادي بين أجزاء العالم العربي.

يُترجم هذا إلى تخفيف القيود الجمركيّة وتشجيع التجارة البينيّة والتنقّلات البشرية والسلع والأفكار. لنا أن نتخيّل حين حدوثها حجم الاستثمار الذي سيتدفق. هناك حاجة ملحّة لإيجاد اتحاد اقتصادي عربي مماثل للسوق الأحادي الذي نشأ نتيجة للاتحاد الأوربي أو على الأقل مجرد اتحادٍ اقتصاديٍ أقوى من خلال تجمّعاتٍ سياسيّة قائمة حال مجلس التعاون الخليجي. إن خضوع الوحدة النقدية لمنطقة اليورو لضغوط ضخمة حاليّاً لا ينتقص أبداً من النجاح الاقتصادي الغير مشكوك فيه للسوق الموحّدة للاتحاد الأوربي. كما أن إحداث وحدة النقد هي خطوة منفصلة وغير ضرورية للعالم العربي.

إن معيقات النمو هذه في القطاع الخاص يمكن معالجتها كما تمت معالجتها في اقتصادات أخرى سابقاً. لكن غياب هذا النوع من التحفيز المنسّق لقطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة كما سبق شرحه يجعل آمال المنطقة في الخروج من مأزق البطالة ضعيفة كما أن أعباء عدم التحرّك لإيجاد حل كبيرةٌ جداً. إن شباب الربيع العربي خرجوا للشارع مطالبين بالرخاء الشامل والتمكين الاقتصادي. لقد فات أوان التخطيط والخطابات جداً ولا يمكن لأي شيء أقل من تحفيزٍ مالي فوري وهائل في اقتصادات المنطقة من خلال القطاع الخاص أن يمنع المزيد من الاستياء في الشارع.

الصورة من UN Radio


اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة