الشركات العائلية في الشرق الأوسط: قواعد الارتباط الجديدة

اقرأ بهذه اللغة

عندما تعرض مجموعة شاكر السعودية للمكيفات 30 في المائة من حصصها خلال عرض عمومي أولي في الرياض في أوائل السنة الجارية، فذلك يمثل إشارة واضحة على أن التغيير قد وجد له موطأ داخل الشركات العائلية في الشرق الأوسط. فهذه الشركة التي أنشأها الأخوان حسين وحسن شاكر والتي يبلغ دخلها السنوي بليون ريال سعودي، هي من بين 200 شركة تسيرها أو تساهم فيها المجموعة العائلية المهيدب. ويعد العرض العمومي جزءا من مخطط شامل اعتمده مصعب المهيدب، حفيد مؤسس المجموعة، لإعادة هيكلة المجموعة بهدف تحسين الأداء الإجمالي. وقد قال هذا الأخير بأن مثل هذه التغييرات متوقعة "من أجل مساعدة المجموعة لاستخلاص القيمة من الشركات التابعة لها".

والمهيدب هي من بين الآلاف من الأعمال العائلية في الشرق الأوسط. و استنادا إلى عدة تقييمات فإن 95 في المائة من الأعمال هي شركات عائلية. بل فضلا عن ذلك، أكدت شركة الاستشارات "أورنست آند يونغ" ‪[Ernst & Young]‬، بأن ثلاثة أرباع الأعمال العائلية في الشرق الأوسط يملكها ويسيرها الجيل الثاني، والخمس منها هو في ملكية الجيل الثالث.

وتختلف هذه الأعمال من شركات ضاربة في القدم مثل شركة جاشنمال القومية المتخصصة في الأزياء التي فتحت أول متجر لها في البصرة سنة 1919 قبل أن تنتشر في الإمارات المتحدة، إلى مشاريع جديدة نسبيا مثل صانع الشوكولاتة باتشي [‪[Patchi‬، الذي فتح أول محل له في بيروت سنة 1974 وهو يملك اليوم 140 متجرا في 28 بلدا. وأسست أعمال أخرى كمقاولات تجارية في الأربعينيات والخمسينيات والتي نوعت مجالاتها وهي الآن مجموعات ضخمة. وأخرى ازدهرت عن طريق تقديم خدمات لها صلة بالغاز والنفط، بما في ذلك المنتجات الصناعية والعقار والخدمات المالية.

و فعلا فإن أثرياء الطاقة في المنطقة حققوا النماء عن طريق هذه الشركات الخاصة المملوكة من طرف العائلة. وفي الوقت نفسه، استفاد البعض منهم من القيود التي تفرضها بلدانهم على الممارسات التنافسية وعلاقتهم التفضيلية بالمسؤولين السامين في بلاد عن طريق العائلة، وكذا حصولها على التمويل بناء على اسم العائلة. ولكن هناك بعض العوامل الأخرى: ففي الشرق الأوسط كما في أماكن أخرى، تتبنى الشركات العائلية مقاربات على المدى البعيد لتسيير أعمالها أكثر من الشركات غير العائلية، مبدية استعدادها لاستثمار رأسمالها بشكل متأن الأمر الذي قد يمثل امتيازا تنافسيا.

ومهما كان الحال، فالعديد من الأعمال العائلية في الشرق الأوسط أصبحت تجعل تعاملاتها أكثر وضوحا. ومجموعة المهيدب ومجموعات أخرى باتت تدقق محفظاتها المالية من أجل التخلص من شركات لم تعد تستجيب لتطلعاتها أو أن أداءها أصبح دون المستوى. والبعض الآخر أخذ يعزز شركاته الكبرى أو يعيد هيكلتها، وفي العديد من الحالات فهم يشغلون مدراء لا ينتمون للعائلة للمرة الأولى أو أنهم يتبنون معايير حكامة الشركات على غرار شركات متمركزة في لندن أو نيويورك‪.‬

التحديات المتزايدة

لماذا التغيير؟ ففي تقرير حول الشركات العائلية في مجلس التعاون الخليجي نشرته شركة الاستشارة بوز آند كو ‪[Booz&[Co.‬، السنة الماضية، أشار الناظر أحمد يوسف إلى تعزيز المنافسة كدافع وراء التغيير. ويصرح قائلا من مكتبه بدبي: "إذا لم تأخذ العائلات هذا الأمر مأخذ الجد، فإنها ستعاني الأمرين". العديد من الاقتصاديات في الشرق الأوسط منخرطة في برامج إصلاح طموحة، تتضمن الانفتاح على المستثمرين الأجانب كجزء من الالتزامات التي تفرضها منظمة التجارة العالمية. فبالنسبة للمسؤولين، ذلك يعني أنها لابد أن تتغير أو أنها ستسير خلف الركب. ويقول مصعب المهيدب:"نحن علينا ضغوطات العولمة ومنظمة التجارة العالمية، وكذا تحديات التغيرات الدورية للاقتصاد."

ويقول يوسف أن 90 في المائة من الأعمال العائلية التي تمت دراستها تشتغل في ثلاثة قطاعات أو أكثر، ومن بينها شركات تشتغل في خمسة قطاعات أو أكثر. و أشار إلى أن التقرير المتمخض عن الدراسة يتفق مع التقارير التي نشرت بين سنة 2003 و2007، والتي خلصت إلى أن الشركات العالمية العائلية التي تركز نشاطها في قطاع واحد يكون أداؤها أفضل من تلك التي تشتغل في عدة قطاعات. وفي بعض الحالات، عندما تنشط مجموعة في عدة قطاعات، فإن أفراد العائلة المالكين يترددون في إدخال بعض التحسينات. وقد يكون سبب ذلك هو تحديد بعض القطاعات لماركة المجموعة أو أنها لها قيمة عاطفية أو أن أفراد العائلة يخشون من أن التخلص من الأعمال قد يرسل إشارات خاطئة للعموم. و كما يشير إلى ذلك يوسف:"عندما تعرض العائلة شيئا ما للبيع، يفهم ذلك للأسف على أن العائلة تواجه مشاكل."

و فضلا عن ذلك، فإن الأزمة المالية العالمية أضرت بالمنطقة كثيرا. ففي هذا الجزء من العالم كانت المصارف لوقت قريب سعيدة بمنح قروض لعائلات صناعية كبيرة. لكن، يقول يوسف:"عندما حل الركود الاقتصادي، أصبحت البنوك قلقة ومترددة بشأن منح تسهيلات القروض من جديد." وقد ازداد الوضع سوءا عندما تعرضت كل من شركة أحمد حمد الكسيبي وإخوانه ومجموعة سعد لمشاكل في غشت الماضي.

وهناك ضغوطات أخرى قد تكون مألوفة لدى شركات مماثلة في أقطار أخرى، ومن بينها التخطيط لتسليم المشعل للأجيال الصاعدة. وفي بعض الحالات، يأبى رب الأسرة في التخلي عن الريادة، وفي حالات أخرى تكون الأجيال الشابة غير مؤهلة. وفي الغالب يعتبر أفراد العائلة أن وظيفة مربحة في إدارة الشركة حق فطري، وليس أمرا يجب كسبه. وأحيانا يرضخ المدراء للمصالح الشخصية لأفراد العائلة ويستثمرون في مشاريع غريبة قد لا ترى النور أبدا في أنوا ع أخرى من الشركات.

ومع تضاعف أفراد العائلة، يصبح إلزاما توزيع الأرباح عوض استثمارها في تنمية الأعمال. ويقول رافي أميت ‪[Raffi[Amit‬، أستاذ المقاولة والتسيير بمدرسة وارتون:"هناك دائما ضغوطات من أفراد العائلة الذين لا دخل لهم في الأعمال من أجل الحصول على المزيد من الأرباح. وهذه الموازنة يصعب الحفاظ عليها".

اسع وراء الحركة

وفي خضم الوضع السائد، تضطر هذه الشركات إلى التعامل مع بعض المسائل الشائكة التي تفرضها الأعمال على الصعيد المحلي. ففي العربية السعودية، ما يقرب من 60 في المائة من الساكنة تحت سن 25 سنة، لكن البطالة جد عالية حيث تبلغ نسبتها 35 في المائة بين الشباب المتراوحة أعمارهم بين 16 و 24 سنة. ومن أجل توفير فرص شغل جديدة، تقول شركة الاستشارة ماكينزي ‪[Mckinsey]‬، أن على القطاع الخاص في منطقة الخليج خلق ثلاثة ملايين منصب في الفترة الممتدة بين سنة 2005 و 2015، بالمقارنة مع العشرية السابقة حيث تم خلق نصف مليون منصب فقط.

وإلى حد الساعة، لم يقم القطاع الخاص بالشيء الكثير من أجل حلحلة المشكل. و قطاع النفط خاصة لا يوفر مناصب سوى للنزر القليل من السكان المحليين. في حين، نرى بأن المقاولات المبتدئة والصغرى والمتوسطة في المنطقة تخلصت تدريجيا من هذا المشكل. ففي ترتيب المقاولات الصغرى الأسرع نموا والذي وضعته الهيئة العامة للاستثمار بالعربية السعودية سنة 2009، 45 من هذه الشركات تمكنت من خلق 000،15 منصب خلال السنوات الخمس الأخيرة.

ومع ذلك مازالت هناك فرص للاستثمار في الأسهم المدرة للأرباح. وحيث يسعى صناع السياسة في الشرق الأوسط لتنويع اقتصادهم وعدم الاقتصار على النفط، هناك على سبيل المثال قطاعات واعدة كالسياحة والتغطية الصحية والهندسة والبناء. وهذا يوفر فرص كبيرة للشركات العائلية المحلية التي يمكنها الاستفادة من المهارات المحلية ومن علاقاتها.
وإذا ألقينا نظرة على المستقبل، نرى بأن الشركات العائلية توجد في موقف قوي يؤهلها لكي تصبح قوى إقليمية على صعيد الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وقد أشار إلى ذلك حسن جميل، الذي أنشأ جده شركة عبد اللطيف جميل، المتخصصة في توزيع السيارات بالعربية السعودية:"إن الشركات العائلية هي حجر الأساس بالنسبة للاقتصاد في الخليج، وفي أماكن أخرى".

الفعالية القصوى

فلا يفاجئنا إذن أن تقوم شركات عائلية في المنطقة بصياغة مقاربات مستدامة لتسيير أعمالها. ومثالا على ذلك، قامت مجموعة المهيدب سنة 2008 بإدماج 50 من متاجرها العملاقة في العربية السعودية وقطر والكويت مع سلسلة من 60 أو نيف من المتاجر الممتازة باندة ‪[Panda]‬، والتي تملكها مجموعة "سافولا" ‪[Savola]‬، وهي شركة عامة للمواد الغذائية. وكنتيجة لهذا الاندماج، وجد المتجر الممتاز الجديد في رصيده ما يزيد عن بليون ريال سعودي من العقارات في موازنته، والتي أعادت استثمارها عن طريق اتفاقيات الارتفاق. ويقول المهيدب:" لقد در ذلك على الشركة بليون ريال ومكنها من تحرير أصولها المالية، وجعل الشركة تركز على المجال الذي تتميز فيه، هو البيع بالتجزئة."

وبصرف النظر عن التحسينات العملية، يعتقد الخبراء بأن الشركات العائلية بدأت بإدخال بعض التعديلات على مناهج التسيير و الحكامة. ويقول أميت الأستاذ بمدرسة وارتون:"من المهم بمكان للشركات ا لكبرى التي تسعى إلى التنافس على الصعيد العالمي أن توظف أناسا محترفين في مجال التسيير"‪.‬ و بالنسبة لشركة عبد اللطيف جميل وشركات أخرى، يعني ذلك إقحام لجان تنفيذية ولجان محاسبة مستقلة ومجالس استشارية مستقلة، حيث تقوم هذه الأخيرة بمراجعة تدبير الأداء مرتين في السنة. وفي شركات مثل هذه، فإن ممارسات الحكامة تتعدى دائرة الاحتياجات المحلية وتستجيب أكثر لمعايير تعمل بها شركات عامة.

وتقوم كذلك بعض العائلات الصناعية الكبرى بمعالجة المسائل المرتبطة بالتسيير الهش. ومن بين الإجراءات التي تقوم بها، حسب أميت، أنها تصوغ وثيقة أو ميثاق أو دستور خاص بالعائلة. وتتضمن هذه الوثائق جردا صريحا للقيم المشتركة التي تؤمن بها العائلة، بما في ذلك المنقاشات التي تخاض حول الأخلاق والأعمال الخيرية. ويقول إميت:"بعض هذه العائلات كبيرة جدا، لدى بالإضافة إلى وضع هيكل لتسيير أعمال العائلة، يجب كذلك وضع هيكل للحكامة وسط العائلة، من شأنها أن تعيد أفراد العائلة على اتخاذ القراراتز." وقد وضع المهيدب ميثاقا يوقع عليه كل فرد من العائلة إثر بلوغه سن 16.

وقبل كل شيء، فإن العائلات الصناعية الكبرى تتعلم كيف تنظم العلاقة بين أفراد العائلة ومجال العمل. ويقول جميل صاحب شركة عبد اللطيف جميل:" بالنسبة لأفراد العائلة، هناك تمييز صريح بين الملكية والتسيير، مما يعني أن أي فرد من العائلة يعمل لصالح الشركة ينظر إليه على أنه موظف وليس فردا من العائلة."

وقد اتفق المهيدب بدوره مع العائلة حول شروط التوظيف داخل الشركة. هذه الشروط تضع أفراد العائلة والمدراء الذين لا ينتمون إليها على قدم المساواة. إذ لا تولى مهام التسيير لأي فرد من العائلة إلا إذا ثبت أنه قادر على جلب قيمة مضافة. "يعني ذلك البدء من الأسفل، والجيدون هم الذين يتسلقون السلم".

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة