العبور لبر الأمان عقب الثورة المصرية: وضع المشاريع الصغيرة بعد مرور سنة على ثورة ٢٥ يناير

اقرأ بهذه اللغة

الآن، وبعد أيام من حلول الذكرى الأولى للثورة المصرية، قد يكون الاقتصاد المصري وليس تحمل الشعب للديكتاتورية هو الذي بلغ نقطة الانهيار.



وصلت البطالة في مصر إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق فيما أضحى الوضع السياحي متعثرًا وزاد على ذلك المظاهرات الأخيرة التي شهدتها البلاد. وبعد رفضها عرضٍا من صندوق النقد الدولي في يونيو الماضي؛ عادت الحكومة الانتقالية المثيرة للجدل برئاسة المجلس العسكري لتطلب دعماً قدرُهُ 3.2 مليار دولار من صندوق النقد الدوليّ فيما بدا اعترافاً ضمنياً بفشل سياساتها طوال السنة الماضية.



أما فيما يتعلق بتأسيس المشاريع فقد كان تدفق رؤوس الأموال الاستثمارية بطيئاً. استثمرت شركة "سَواري فِنْتشَرَز" Sawari Ventures في شركة تطبيقات الجوال "الزّواد" Alzwad وشركة البرمجيات "فيموف" Vimov في يناير 2011 بينما استثمرت شركة تسريع النمو "بلَغ آند بلاي إيجيبت" Plug and Play Egypt لتمويل المرحلة التحضيرية للدفعة الأولى من مشاريعها الناشئة الستة. إلا أن الأخبار عن الاستثمارات ظلت في تباطؤ إلى أن استثمرت شركة الاستثمار "أيديافيلوبَرز" Ideavelopers في موقع "أوفِرنا" Offerna للصفقات اليومية المحلية في أواخر أكتوبر من عام 2011 أما الآن؛ فقد توفقت شركة بلَغ آند بلاي إيجيبت بصفة مؤقتة.



مع إطلاق الدورة الأولى من مشروع "فلات سيكس لابْس" Flat6Labs عاد الاستثمار التأسيسي للازدهار ثانيةً في مصر؛ ولكن ماذا عن الشركات الصغيرة التي عانت طوال العام المنصرم؟. تعرضت بعض الأعمال التجارية الصغيرة خصوصًا إلى ضربة قاصمة بسبب تحوّل الغضب الشعبي من الفساد إلى تشكك عام تجاه القطاع الخاص في هذا العام. من جهة أخرى؛ تمكنت شركات أخرى تحدثنا إلى أصحابها من الصمود في وجه الركود الاقتصادي بفضل الدعمٍ من مؤسسة "إنديافور" Endeavor غير الربحية ما مكنّها من خلق أسواق جديدة أو الاستمرار في زيادة تخصصها في أسواقها الأصلية.



استهداف الأسواق الراقية



بالنسبة لسلسلة مخابز "متجر المخبز" The Bakery Shop TBS، فقد ساهم التعامل مع زبائن مرتفعي الدخل بشكلٍ رئيسي في صمودها اقتصاديًا. يقول المؤسّس المشارك سامح السادات بخصوص ذلك: "قبل الثورة كان الوضع طيباً جداً، افتتحنا أول متجرٍ لنا في 2008 في الساحل الشمالي لمصر على شاطئ البحر لنقدّم الخبز الفرنسي والكُرْواسون والمعجنات في سوق يستهلك المنتجات الفاخرة".



افتتحت السلسلة TBS بعد عودتها إلى القاهرة متجراً في حي الزمالك الراقي وأتبعته بمتاجر أخرى في مصر الجديدة والمعادي إضافةً إلى متجرين آخرين في 2011. يقول السادات معلقًا: "تميزت الأوضاع بالركود خلال زمن الثورة بسبب خشية الناس من الإسراف في الإنفاق كما وساهم فرض حظر التجول في تعقيد الأمور أكثر، ولكن سرعان ما عاد النشاط التجاري للازدهار، بالنظر إلى أن سوقنا يتوجه إلى أشخاص مرتفعي الدخل فإننا لم نتأثر كثيراً". كما أن الأمر الجيّد الذي يضاف إلى ذلك الشعور بالطمأنينة التي يبعثها تناول المخبوزات.



عملت الشركة التي من المقرر أن تفتتح متجرين آخرين قريباً جاهدةً على التفوق على منافسيها والاحتفاظ بعمالتها الماهرة إضافة إلى تعيين كبار الخبازين وإرسالهم للتدرب في الخارج ومنحهم تعويضات مجزية، وفي هذا الصدد يقول السادات: "من المهم أن يشعروا أنهم جزء من ملكية المشروع".



وفي حالة مماثلة، ساهمت مجوهرات عزّة فهمي، باستهدافها أيضاّ الفئة الراقية، في توفير الحماية لأعمالها في ظل هذه الظروف. حيث تقول المديرة الإدارية فاطمة غالي: "توقعنا أن تكون المجوهرات من أولى السلع التي يتوقف الناس عن شرائها أثناء الثورة، إلا أن مبيعاتنا لم تتأثر إلى الدرجة التي كنا نتخيلها".



أوقفت شركة المجوهرات التي تعتبر مؤسستها عزة فهمي امرأة رائدة بدأت في الثمانينيات بوضع تصاميم فريدة مستوحاة من فن العمارة الإسلامية خططها للتوسع بصفة مؤقتة، ولكن يبدو أن الضجة التي أحدثتها الثورة في مصر عادت بالنفع على الشركة خاصة مع استعدادها للانتشار في الأسواق الأمريكية والأوروبية.



توضح فاطمة في معرِض حديثها عن تشجيع الإبداع في احتفال الريادة: "كعلامة تجارية مقترنة بدولة، نالت مصر الكثير من الصيت الإيجابي إعلاميا، حيث أصبحنا نُقابَل بكثير من الفضول وبعض الحماس الذي لم يكن موجوداً في السابق لدى توجهنا للأسواق البريطانية والأمريكية".



عين على أفريقيا



من ناحية أخرى؛ كان الوضع مختلفاً تماماً بالنسبة لشركة "إي مصاري" eMasary للخدمات المصرفية الإلكترونية للجوال والإنترنت والتي تأسست في 2009؛ حيث كانت الثورة ضربة قوية لها بصفتها شركة لخدمات الدفع الإلكتروني المخصص للفئات الغير مستفيدة من الخدمات المصرفية والتي تشكّل نسبة المصريين 90% منها طبقاً لإحصاءات "إنفوسيس" Infosys.



اضطرت الشركة التي عملت على مشاريع كبيرة مثل التشغيل الأوتوماتيكي لبوابة طريق القاهرة-الإسكندرية الصحراوي إلى إلغاء مشاريع مشتركة مع وزارة النقل والمواصلات بسبب تغير النظام الحاكم في مصر. وعن هذا يقول المؤسس معتصم عصام: "كان لدينا موعد مع وزير النقل والمواصلات يوم 26 يناير، ولكن الوزير أقيل فألغي المشروع".



وبعد أن أصبحت الحكومة انتقالية منوطةً بتصريف الأعمال؛ تم إلغاء مشروع آخر يهدف إلى دفع مخالفات المرور عبر الإنترنت، مما دفع الشركة لدراسة التوسع في أفريقيا في دول مثل أثيوبيا وغانا ونيجيريا وفي دبي كذلك.



ومع ذلك لم تكن كل الآثار سلبية، إذ يقول عصام: "نجحنا الآن في اجتذاب المستثمرين وربما كان ذلك بسبب وضع البلاد".



آمال معقودة على إصلاح تنظيمي



يرى رواد الأعمال أن على الحكومة الجديدة أن تحارب ما هو أبعد من قضايا الفساد لإعادة بناء بيئة ملائمة للأعمال التجارية الصغيرة بعد أن كان النظام السابق يركز فقط على جذب الاستثمار الأجنبي.



يرى عصام ضرورة أن تعمل الحكومة على تحفيز التدريب والحصول على شهادات الخبرة التقنية مع تيسير الخدمات المصرفية للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، بينما تأمل فاطمة غالي أن يتم تخفيف القوانين التي تنظم التجارة والدمغات والجمارك لتيسير التصدير والاستيراد. كما أشار السادات إلى أن الأجواء التنظيمية المواتية ستشجع رواد أعمال آخرين على المخاطرة وتجعلهم أقل خوفاً من الفشل.



وبينما يستكشف كل منهم آفاقاً جديدة للتوسع الدولي أو الاستثمار الخارجي، نجد أن أكبر حافز لدى أصحاب الأعمال الذين عرضنا لهم هو إحساسهم أن مصر هي حاليّاً موطن لفرص كثيرة، فتقول فاطمة: "لقد نقلت الثورة الصورة الحقيقية لروح مصر، ولم تعد وصمة الإرهاب والجهل تتصدر صورة الشرق الأوسط".

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة