ما الذي يحتاجه معظم رواد الأعمال في تونس؟ الإصلاح القانوني.

اقرأ بهذه اللغة

"أصحاب المشاريع الريادية هم أناس يقومون بالعمل على مختلف الجوانب معاً. لا شيء في المشاريع الريادية يتم بمعزل عن باقي الأشياء." هكذا قال هيرناندو دي سوتو في اليوم الأخير من مؤتمر المشاريع الريادية الأمريكية المغاربية المنعقد بمراكش في 17 و 18 من يناير 2012.

ولم يكن سوتو الوحيد الذي يحمل هذه المشاعر تجاه الريادة، ففي جميع جوانب المؤتمر، عمل المشاركون- من أصحاب المشاريع إلى المستثمرين، و الوزراء، و الأكاديميين و كذا ناشطو المجتمع المدني- بجد لضمان بأن لا يكون هذا المؤتمر كأي مؤتمر يتباهى بالكلام الكثير دون أي فعل وراءه. من الوجوه البارزة في هذا المؤتمر كانت وزيرة الخارجيّة الأمريكية السّابقة مادلين أولبرايت، ومساعد وزير الخارجيّة الأمريكيّ خوزيه فرنانديز، وممثلو حكومات البلدان المغاربية، والاقتصادي المشهور هيرناندو دي سوتو.

وقد كانت مشاركة دي سوتو قوية في بساطتها، حيث أنه ركز خلال يومين من الورشات والجلسات العامة على المبادئ الأساسية: " إن المشاريع الريادية ممكنة، وذلك لأن أصحاب هذه المشاريع يشتغلون في سوق، و السوق يعتمد على الترابط". "والترابط،" كما تابع في شرحه، "يعتمد على القانون". وبالتالي "فإن القانون هو أساس المشاريع الريادية بالمطلق". القانون هو الذي يسمح لكل الأجزاء بأن تتصل مع بعضها البعض و تخلق قيمة جديدة، لتنتهي بتحقيق النجاح في العمل!

لا يمكننا في الأساس تشجيع رجال الأعمال من دون معالجة الإطار القانوني الذي يعطي لصاحب المشروع الحقوق في الأرض والمنزل ورأس المال. وحسب قول دي سوتو، "الضمانة الوحيدة هي الأوراق... إن الرأسمالية تعمل من خلال الأوراق، التي اصبحت بمثابة المستوى الثاني للواقع". هذا الواقع هو المجال الذي يشتغل فيه صاحب المشروع، وبدون العناوين القانونية المناسبة، فإن روح المبادرة لن تترجم إلى خلق فرصة عمل.

وكان موضوع المؤتمر، الذي تم تنظيمه من قبل PNB-NAPEO، بمبادرة مشتركة بين معهد آسبن ووزارة الخارجية الأمريكية، هو "تعزيز روح المبادرة وخلق فرص العمل في منطقة المغرب العربي"، إلا أن هذا المؤتمر أكد على هذه النقطة كون هذه المشاريع لا يمكن أن تخلق فرص عمل في فراغ بدون النظام البيئي السليم. وفي منطقة المغرب العربي، نجد أن الأطر التنظيمية موجودة لدعم المشاريع الريادية بشكل واضح، فلماذا لا يعمل هذا النظام إذاً؟

لمحاربة البطالة، وخصوصاً بين الشباب، سيكون من الأساسي تحليل هذه الأطر التنظيمية و تشخيص مواقع فشلها و السبب في ذلك.

والخطوة الوحيدة في الاتجاه الصحيح هي إدراك، كما أشار دي سوتو، " أن وراء النضال من أجل الكرامة و الديمقراطية [وهو الذي فجر الربيع العربي]، هناك بالأساس ثورة ريادية". ووفقا لدراسات أجريت من قبل منظمة دي سوتو، معهد الحرية والديمقراطية، هناك أكثر من 180 مليون ريادي في العالم العربي لم يتم توثيقهم. وما هو أكثر إثارة للإهتمام في ما كشفته هذه الدراسة، هو أن الشهداء الذين ضحوا بأنفسهم- و على الخصوص الأشخاص الـ 35 الذين ضحوا بأنفسهم خلال الأيام الت 53 التي تلت إقدام محمد البوعزيزي على إحراق نفسه، لم يجمعهم أي توجه ديني أو إيديولوجي، بل كان كان كل ما جمعهم هو عدم وجود ضمانات لما يملكونه. واجه كل من هؤلاء اليأس والأسى عندما تم سلبهم الممتلكات القليلة وفص العمل التي أمامهم.

غياب الهوية القانونية يعني حتماً غياب رأس المال وخيارات الإئتمان، وهو ما يؤدي إلى انعدام القدرة على خلق الأعمال وفرص العمل. على حكومات المغرب العربي الانتباه إلى هذا المصدر الهام لفرص العمل، والبدء في تنفيذ الاصلاحات لتستقطب هذه الفئة في القطاع الرسمي.

وهذه الإصلاحات لن تكون ممكنة إلا مع قيادة قوية.
 
وكان من دواعي سروري رؤية علامات هذه القيادة تأتي من السيد هادي بن عباس، وزير الشؤون الخارجية التونسي الجديد لمنطقة الأمريكيتين و آسيا. وقد بعث خطابه في نفسي الأمل في هذه المرحلة الانتقالية، كون تونس قد تكون مستعدة لاتباع نصيحة دي سوتو. ولأجل التصدي لمشاكل البطالة والفوارق الإقليمية وعدم المساواة أوضح أن "دور الدولة في الاقتصاد يحتاج إلى إعادة تعريف".

وشدد على ضرورة قيام الحكومة بشراكة مع القطاع الخاص والمجتمع المدني لخلق فرص العمل. وقال: "علينا تشجيع القطاع الخاص الذي يوحد ما بين الربح والغاية. ولا يمكن للديمقراطية أن تزدهر إلا مع النمو الاقتصادي و الاجتماعي." وقد يبدو هذا عاديا للبعض، لكن بالنسبة لرجال الأعمال في هذه الغرفة فإنني واثق أنه يعني لهم الكثير.

وقدم عدد قليل من أصحاب المشاريع شهادات عن التحديات التي واجهوها خلال إنشاء أعمالهم، ومنهم ثلاثة فائزين بجائزة حاضنة المشاريع الناشئة خلال منافسة  PNB-NAPEO لخطة الأعمال و التي أجريت في رحلة وفد الولايات المتحدة المريكية في نوفمبر 2011.
 
 هذا الصيف، سيتوجه هؤلاء الفائزون إلى مدينة ديترويت بولاية ميشيغان للحصول على عضوية لمدة ثلاثة أشهر في برنامج TechTown للنجاح.

لكن مع ذلك، تبقى في تونس عقبات هامة مثل عدم وجود الدعم، وانعدام روح المبادرة، والصعوبة في تعيين الموظفين، والافتقار إلى المهارات في السوق، وكذلك محدودية الرغبة في المخاطرة من قبل جميع الاطراف (المستثمرين ورجال الأعمال والموظفين).
 
ولمواجهة بعض هذه المشاكل، تم الإعلان على عدد كبير من المبادرات الجديدة خلال المؤتمر. وكان البعض منها نتيجة لإقامة بعض العلاقات التي وقعت على الفور، والتي تعد كشهادة على قدرة رجال الأعمال الرياديين على الربط واالفهم الشامل. انظر إلى القائمة الرائعة الموجودة هنا..

بعد يومين مرهقين، غادرت بانطباع بأن هنالك تجديد للتعاون بين بلدان المغرب العربي، و أن الأمر يتوقف على كيفية إستثمار هذا التعاون. كما قال دي سوتو "لقد حل السوق بمنطقة الشرق الأوسط". والأمر الآن متروك للحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني في كل بلد  للعمل معا والاستفادة من هذه السوق  بالكيفية الصحيحة لتعزيز روح المبادرة وخلق فرص العمل.

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة