خطر الشغف على الريادة

اقرأ بهذه اللغة

نشرت هذه المقالة لأول مرة في مجلة هارفرد بزنس ريفيو في 6 يناير/كانون الثاني 2012

يضع الرياديون الشغف في مصاف الابتكار حين يفكرون بما يحتاجون إليه للنجاح. ولكني أشك في صوابية ذلك. فمن تجربتي كريادي ومدرّس في الريادة ومستثمر في رأسمال المخاطر، أعرف أن السلعة الأكثر ندرة وقيمة هي الصدق الذاتي الذي لا تحركه العواطف. وبالطبع ان إطلاق مشروع جديد يتطلب التزاماً هائلاً وطاقة كبيرة وقدرة على التحمّل، وبالطبع عليك أن تؤمن، أحياناً اعتماداً على بعض المعطيات، أنك قادر على النجاح رغم المصاعب. ولكن الشغف هو عاطفة تعميك.  
وقد تكون المهمة الأصعب أمام الريادي هي مزج "زيت" الإيمان بالذات مع "ماء" التقييم الهادئ. وإليك بعض الإرشادات:

حذار المديح
تعلم الرياديون ذوو الخبرة كيف يميزون بوضوح بين النجاح الحقيقي والتوكيلات الكثيرة التي تعني القليل ولكن يمكن أن تقلب نظرتك إلى نفسك. ولكن هناك فجوة كبيرة بين المركز الأول في مسابقة خطة الأعمال، أو الفوز بجائزة ريادي العام من "أرنست أند يونغ" أو أن يتم اختيارك من قبل "ريد هيرينج 100"، وأن يكون لديك عملاء قادرون على الدفع ويحققون لك الربح وتنظيم يمكن أن ترضيهم. والرياديون ذوو الخبرة يعرفون كيفية استخدام هذه التوكيلات على نحو فعال في مجال التسويق والحصول على اهتمام المستثمرين، ولكن لا ينبغي الخلط بين المديح والنجاح.

توقف عن الكذب على نفسك
من المثير للاهتمام كيف يشكّل الكذب جزءاً من حياتنا والشركات ليست استثناء على هذه القاعدة. ولكن قبل التركيز على فك رموز النوايا الحقيقية وراء كلام الزبائن والموظفين والمسثمرين والمزوّدين والمنافسين، من الأفضل أن نركز أولاً على أسوأ الأكاذيب وأكثرها مكراً وهي تلك التي نقولها لأنفسنا. لذلك حين لا تكون أكيداً مما عليك فعله، أغلق الباب وتأكّد ان لا أحداً حولك وانظر في المرآة وقل لنفسك الحقيقة. هل هذا حقاً أفضل مستثمر يمكن الحصول عليه؟ هل هذا أفضل مرشح لمنصب نائب الرئيس رغم توصيات مجلس الإدارة؟

لا تدع مشاعرك تقود المشروع واصغ للانتقادات.
أوليس كان صائباً. فمن أجل تحمّل الإصغاء إلى غناء الحوريات الذي يسلب العقل ويودي بحياة البحارة، لم يكتف بأن طلب من طاقم سفينته أن يربطوه بالصاري ويسدّوا آذانهم بالشمع، بل أمرهم بألاّ يستجيبوا لطلباته لهم بتحريره. وكانت النتيجة ان السفينة صمدت رغم مناشداته المشحونة لهم والتي كان من شأنها أن تقودهم إلى الهلاك. وبالنسبة إلى الريادي، يعني هذا أن تحيط نفسك بأشخاص سيفعلون الصائب من أجل المشروع وليس ما تمليه عليهم مشاعرك. ومن الصعب على الريادي صاحب الإرادة القوية أن يصغي إلى النقّاد، ولكن إذا وجدت أشخاصاً جارحين بصدقهم معك، أشركهم في مشروعك.

اعرف متى تنهي المشروع.  
ان أحد الأسباب التي تمنع الأشخاص المؤهّلين من اختيار مجال الريادة هو أنهم لا يثقون بأنفسهم ليعرفوا متى أو كيف يضغطون زر إعادة التشغيل. وعلى الرغم من أن المثابرة في مواجهة الشدائد تعتبر أهم خصائص الريادة، إلاّ إن الرياديين ذوي التجربة يتعلمون في الواقع كيف يديرون المخاطر من خلال فشل سريع وغير فادح وإعادة تجميع أنفسهم وبدء مسار جديد. وهذا ما تعلمه اثنان من طلابي حين حاولا تطبيق خطة عملهم الفائزة بجائزة جامعة هارفرد للأعمال حين كتبا:
 
داعمونا الأعزّاء: بعد أكثر من عام من العمل، قررنا الإغلاق. هذا قرار صعب ولكننا نعتقد أنه قرار صائب ونحن سعداء أننا وصلنا إليه قبل أن ندخل رأسمال طرف ثالث في المشروع. ورغم أن هذا كان واحداً من أصعب القرارات بالنسبة لنا، نشعر بأننا محظوظون أننا قادرون على الإغلاق في وقت مبكر. ان العديد من الشركات الناشئة تدرك أن مشروعها غير قابل للتطبيق في لحظة يكون قد استثمر الكثير من المال وتأثرت الكثير من الأرواح. كان من الممكن أن نصل إلى هذا الموقف. ولكن "الفشل السريع" والتعلّم قدر الإمكان من التجربة هو ثاني افضل شيء يمكن للريادي القيام به.
 
وكما كتب جوزيف كونراد قبل سنوات: "أي أحمق يمكنه الاستمرار ولكن الحكيم فقط من يعرف كيف يقصّر الرحلة".

لذلك أيها الريادي، أترك شغفك في البيت وحين تطلق مشروعك لا تدع أي شيء يقف في طريق التقييم الرصين والموضوعي والثابت.

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة