هل يمكن لصنّاع السياسة خلق بيئة حاضنة للريادة؟

اقرأ بهذه اللغة

(نشرت هذه المقالة في مجلة "ذي إيكونومست" في 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2010 وتمت تعديلها بشكل طفيف)

الحمير الوحشية جميلة وقوية وموجودة في الطبيعة. وإذا جاء من يقول إن بإمكاني طلاء بغل أبيض بخطوط سوداء وتسميته حماراً وحشياً، لأرسلته لجمعها. ولكن الشروط الضرورية والكافية لتناسل الحمير الوحشية هي وجود حمارين بالغين من الجنسين وفصل ربيعي وبعض الخصوصية.  

وكذلك التجمّعات الاقتصادية، فعالة وقوية وموجودة في العالم. لذلك لماذا يظن معظم صنّاع السياسة الاقتصادية أن بإمكانهم أن يأخذوا عقاراً ويقومون بطلائه مع "مستأجر أساسي" ويمنحوه إسماً ويعلنونه تجمعاً اقتصادياً؟ مع العلم أن الشرط الضروري والكافي في أغلب الأحيان لقيام تجمّع اقتصادي هو الريادة الناجحة.   

وعلى غرار المقولة التي سادت في ثمانينيات القرن الماضي "لا تطرد أبداً موظفاً تنفيذياً يشتري منتجات أي بي أم"، يمكن أن تكون نسخة القرن الواحد والعشرين من هذه المقولة هي "لا تطرد صانع سياسة يروّج لاستراتيجيات التجمّعات الاقتصادية". وهناك ثلاثة أسئلة بسيطة فقط: هل يمكن لهذه الاستراتجيا أن تكون فاعلة؟ هل هي ضرورية؟ وهل يمكن أن تتسبب بأي ضرر؟

هل استراتيجيات التجمّعات الاقتصادية فاعلة؟

أمضيت بضعة أيام في الآونة الأخيرة مع عشرات من كبار المستشارين في قضايا التجمّعات الاقتصادية الذين يقدمون المشورة لحكومة موسعة حول تطبيق استراتيجيا وطنية للتجمّعات الاقتصادية. قلت "أعطوني أمثلة على تجمّع اقتصادي ساهمت حكومة في إطلاقه ووفى بتعهده الريادي". وبعد تفكير قصير، كانت الإجابة الأفضل تجمّع "بيوبوليس" السنغافوري الطموح للبحث والمشاريع في مجال علوم الأحياء الطبية. ولكن لا يوجد دليل كافٍ بعد على أن التجمّع الذي أنشئ عام 2001 بناء على برنامج للحكومة السنغافورية بقيمة 500 مليون دولار، خلق ريادة في الأعمال. فـ"بيوبوليس" جذب كبار العلماء وبعض الشركات الأوروبية المثيرة للاهتمام التي تُعنى بعلوم الأحياء الطبية وبعض المستأجرين المتعددي الجنسيات وبعض شركات علوم الأحياء التي لا تزال في مراحلها الأولى، إلاّ أنه بعد تسع سنوات من إنشائه أكثر ما يمكن قوله هو أن "القرار لم يتخذ بعد". إذاً ما ينقص هو الريادة ـ وهذا هو الجانب الوحيد في الاقتصاد السنغافوري الذي دفع المنتدى الاقتصادي العالمي إلى توجيه انتقادات شديدة له في تقرير التنافسية.

هل التجمّعات الاقتصادية ضرورية؟

أصبحت العديد من المناطق الريادية في العالم، على ما هي عليه من دون استراتجيات تجمّعات اقتصادية أو رغماً عنها. فأنجح المشاريع في آيسلندا تشمل شركة "أكتافيس" الرائدة في صناعة الأدوية الجنيسة، وشركة "سي سي بي" المتعددة الجنسيات لتطوير الألعاب، والشركة الرائدة في صناعة الأعضاء الصناعية (Ossur). ولكن أياً منها غير مرتبطة بـ"المزايا التنافسية الوطنية" في آيسلندا لوهي الجمال الطبيعي والطاقة الحرارية الأرضية والأسماك. وفي حالة آيسلندا، يعد العنصر الحاسم هو الريادة من الأسفل إلى الأعلى والتي تتحدى منطق الأعلى إلى أسفل لأي تجمّع اقتصادي.   

تعتبر تايوان مثالاً مفيداً لاستراتيجية من أعلى إلى أسفل القطاعية التي تساهم في تحقيق الريادة. وقد تأثر التحوّل الريادي للبلاد بشكل كبير بسبب الاستثمار الحكومي في مجال تكنولوجيا أشباه الموصلات في ثمانينيات القرن الماضي، بالتوزاي مع معاهد الأبحاث والتدريب ذات الصلة وبناء حديقة شنتشو للعلوم خارج تايوان. ولكن كانت الحكومة حريصة على "تحضير الطاولة" لرجال الأعمال، ولكن من دون أن تقول لهم متى يأكلون أو ماذا يأكلون أو كيف يأكلون. وفي الواقع، أظهرت الأبحاث أن التجمّعات الناجحة تتبع الريادة وليس العكس.

هل استراتيجيات التجمّعات الاقتصادية ضارّة؟

علّق رئيس تجمّع "ماتيرا" الإيطالي الشهير للأثاث، بالقول "نحن لسنا تجمعاً اقتصادياً بل مجمعة من المنافسين الذين يواجهون أزمة اقتصادية، ومنافسة شرسة، وارتفاعاً في تكاليف اليد العاملة، وضعفاً في الدولار". وفي الواقع، فإن معظم التجمّعات في إيطاليا تواجه صعوبة جدية منذ عام بالضبط لأنها قد تؤدي إلى تكتّل الخطر بدلاً من تخفيف حدته. وإذا كانت هذه التجمّعات قد أنشئت من أسفل إلى أعلى على أسس ريادية متينة وليس من خلال تقارب حميم بين الموردين والعملاء، أعتقد أنها كان يمكن أن تكون مجهّزة بشكل أفضل لخلص فرصة للخروج من الأزمة.

في الواقع تسير استراتيجيات التجمّعات ضد بذور الريادة في جانب مهم واحد على الأقل: الريادة لديها عنصر جوهري مناقض. وفي كثير من الأحيان يقع أحد اللاعبين على فرصة يفوّتها الآخرون لأن المنطق السائد يعتبرها إما مستحيلة أو لا قيمة لها أو غبية. وفي الواقع، إن وظيفة الريادي هي البحث عن الفرص على "اليسار" إذا كانت استراتيجية التجمّعات الاقتصادية "تنظر إلى اليمين". فمن الممكن أن تدفع استراتيجيات التجمعات من أعلى إلى أسفل الريادي إلى الضجر بدلاً من أن تشحذ روح المبادرة لديه.

وقد كان البروفيسور في كلية هارفرد للأعمال مايكل بورتر الذي كان أول من طرح مفهوم التجمعات الاقتصادية قبل 12 عاماً على حق: فقبل التدخل، يجب على الحكومات الراغبة في تعزيز التجمعات الاقتصادية، أن تدرس ما هي المشاريع الريادية التي نجحت في اختبار السوق وأن تعزز التجمعات حول تلك النجاحات. ولكن للأسف تجاهل صنّاع السياسة هذا الشرط الضروري، محاولين بدء التجمعات من الصفر. وفي الواقع، ان التحدي الأكبر هو تعزيز الظروف التي تسمح للرياديين بالنجاح في اختبار السوق. وبهذا يمكن للحكومة والقادة أن يلعبوا دوراً حاسماً في تسييج وإثراء مزارع تربية الحمير الوحشية ولكن عليها أن تكون واضحاً بشأن كيفية حصول الحمير على خطوطها.

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة