أربع طرق لخلق ثقافة المراقبة في شركتك الناشئة

اقرأ بهذه اللغة

هل تعرف أن مدراء التسويق في جوجل يستخدمون الفيزياء لشرح النظريات الأساسية لاختيار العلامة التجارية؟ وأن علماء الفلك يستخدمون البرمجيات التي طورها أطباء لتصوير الدماغ لدراسة انفجار السوبرنوفا (انفجار نجمي هائل)؟ ومن كان يمكن أن يخمّن أن تصميم واحد من أسرع القطارات في العالم جاء إيحاؤه من الطبيعة؟

في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، درس المهندس الياباني ومراقب الطيور إيجي ناكاتسو دخول طير الرفراف الماء من دون إحداث اضطراب فيها والخاصية التي لدى أجنحة البومة والتي تسمح لها بالحركة من دون ضوضاء، وطبق هذه المعرفة على تصميم قطار شينكانسين Shinkansen train. والتصميم البيوميمتيك الجديد (أي بناء على علم محاكاة الطبيعة)  لم يكن فقط أسرع بـ10% من النماذج السابقة، بل إنه يستهلك كهرباء بنسبة 15% أقل ويصدر ضوضاء أقل بكثير (وأكثر من سعد بهذا الإنجاز كان السكان المقيمين بالقرب من سكة القطار).  

وأحد أشهر الخاصيات التي يتمتع بها المبتكرون هي روح الاستكشاف التي تدقق بشكل مستمر بكل شيء في العالم بحثاً عن أفكار جديدة. ويعتقد الكثير من الناس أن الابتكارات الهامة هي نتيجة التفكير المنعزل والمعقد والبحث ولكن هذا الأمر من النادر أن يكون صحيحاً.

في الواقع، دائماً ما بحث المبتكرون الرائدون تاريخياً وأصحاب العقول المبدعة خارج المختبر، وحين طلب من شركة التصميم IDEO تجديد بناء علوم الكومبيتور في جامعة كاليفورنيا، كان موظفو الكلية يفكرون بصفوف ومختبرات مجهّزة بالتكنولوجيا المتطورة وبفخامة وبخزانة للكتب والتحف. ولكن قالت جاين فولتون سوري، المديرة الإبداعية في IDEO "حين نظرنا إلى طريقة تعلّم الطلاب، وجدنا أن جزءاً كبيراً من ذلك يحصل في الممرات وبين المساحات وليس في الصفوف الدراسية". وقادت هذه النتيجة التي جاءت بعد مراقبة، إلى نموذج مختلف كلياً للمبنى الجديد. فبدلاَ من التركيز فقط على الصفوف والمختبرات، تم التركيز أكثر على مساحات التفاعل لتشجيع التجمعات المرتجلة والتعلم التعاوني.

تعود هذه المقاربة التي تركز على الإنسان إلى حكم عمر بن الخطاب عندما لاحظ أن الأشخاص يدردشون ويتجادلون في المسجد. وبدلا من قمع هذه الثرثرة تماماً، زود الناس ببديل عبر تحديد مساحة للمناقشة  -خارج المسجد – المعروفة بالبطيحة.

ويحصل الإبتكار أيضاً حين تتقاطع أفكار ومفاهيم غير مترابطة ظاهرياً. فحين بدأت Digital Domain تعمل على فيلم " حالة بنجامين بوتون الغريبة"، أدركت أن هناك "هوة كبيرة" بين تكنولوجيا هذه الأيام وبين وما يريدون أن تكون عليه للوصول إلى تعابير وجه عالية عبر الحاسوب تكون عالية الدقة. لذلك بدأ المنتجون البحث في مجالات أخرى وجمعوا نتائج أبحاثهم من تكنولوجيا التصوير الطبي وقطاع الألعاب وعلم النفس.

وكانت هذه الرؤيا الجامعة أساسية لنجاح Digital Domain. فلو لم تراقب وتستعين بأفكار من قطاعات مجاورة لما كانت استطاعت الوصول إلى إنتاج عالي الجودة ولما تجاوزت محدودية التكنولوجيا.

ومن المرجح أكثر أن تخرج الحلول المستدامة والراقية حين ينزل حلاّلو المشاكل من أبراجهم العاجية ويراقبون الناس في عاداتهم الطبيعية  أو يتعاونون مع قطاعات أخرى أو ببساطة يفحصون الطبيعة. فـ"الفن الحقيقي للاكتشاف لا يقوم على العثور على أراض جديدة بل على النظر إليها بعيون جديدة".

وفي ما يلي بعض النصائح التي يمكن أن تطبقوها لتحويل المراقبة إلى ممارسة طبيعية في منظمتكم:

1 ـ درّب عينك على اختيار حلول المشاكل التي تحاول حلّها. ومن أجل اكتساب هذه المهارة عليك فعلاً أن تثقف نفسك. ومن بين القواعد التي يعتمدها فادي غندور ليكون ريادياً هي "الإصغاء". فالريادي يجب أن يكون لديه القدرة على الإصغاء أكثر من التحدث. وفي الصناعات أيضاً تأكد من تفحّص النظم والصناعات الأخرى واحصل على أفكار من منصات ثاقبة الرؤيا (TED و StumbleUpon إلخ ) وتحدث إلى جميع أنواع الخبراء. تمشّى في مناطق حضرية وطبيعية واقرأ كثيراً، فهذه وسائل توسّع لك أفقك.  

2 ـ وظّف علماء أنثروبولوجيا. إذا كنت تريد ملاحظات طازجة وثاقبة، عليك أن تخصص بعض أعضاء فريقك ليمضي وقتاً طويلاً في المدارس والمستشفيات ومراكز التسوق والمكتبات ومشاهدة كيف يتصرف الناس في بيئات مختلفة ومع أشياء مختلفة. ابحث عن الدقة وكن مهتماً بالتفاصيل. كيف يمكنك جعل تجربتك أكثر متعة؟ علماء الانثروبولوجيا يمكنهم مساعدة مؤسستك في "تطوير فهم عميق لكيفية تفاعل الناس جسديا وعاطفيا مع المنتجات والخدمات والمساحات" على حد تعبير توم كيلي من IDEO.

3 ـ وظّف خبراء في التلاقح بين قطاعات مختلفة. فيما يجلب علماء الأنثروبولوجيا عمقاً للتفاهم، يتمتع خبراء التلاقح بمعرفة واسعة في العديد من المجالات، وهم يساعدون في معالجة قضايا من وجهات نظر مختلفة، وهم متخصصون في إيجاد الحلول في قطاعات أخرى. لذلك اسمح لخبراء في التلاقح في مؤسستك أن يقدموا عرضاً أسبوعياً لمدة ساعة واحدة حول "الموجود هناك". هذا سيساعد فريقك على تبديل المعرفة ومقاربة المشاكل من زاوية جديدة. ويفتح هؤلاء الخبراء أيضاً نوافذ على العالم خارج الجدران الأربعة لمؤسستك. وشعار ستيفن جونسون هو: "الفرص تفضّل العقل المتصل".  

4 ـ وثّق كل شيء. احتفظ بقاعدة بيانات لاكتشافاتك الشخصية والجماعية وتحقق منها مرة كل فترة. وليس بالضرورة أن تكون البيانات على شكل نصوص بل يمكنك أن "تسلّح" علماء الأنثروبولوجيا لديك بكاميرات فيديو ووضع سمة للتسجيلات كي تكون مراجع للمستقبل. واعثر على الطريقة الأسهل لتخزين وتنظيم المعرفة التي تجمعها بطريقة تلائم مؤسستك ـ وحتى بإمكانك أن توظّف أميناً عليها.

المراقبة هي مهارة أساسية يمكن أن تقدم فائدة كبيرة للرياديين والباحثين والطلاب وأي شخص يبحث عن أجوبة على أسئلة صعبة. وفي المقالة السابقة أشرت إلى أهمية مراقبة سلوك الناس (بعيداً عن الضوابط الاصطناعية) عند محاولة تطوير حل لاحتياجاتهم. والحقيقة هي، أنه من غير المرجح أن يكون للابتكار تأثير اجتماعي اذا لم يتم الاسترشاد بفهم متعاطف لاحتياجات الناس.

وفي الخلاصة، أود أن أقتبس من طوني كيلي من جديد (لأنه رائع): "الأشخاص الذين يتبنون أدوار التعلم متواضعون بما فيه الكفاية للتشكيك في نظرتهم الخاصة للعالم، وبذلك يبقون منفتحين على وجهات نظر جديدة كل يوم".

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة