‎التمويل الجماعي يقود إلى الخراب

اقرأ بهذه اللغة

 
ملاحظة من المحرر (ن ك): تطرق دانييل آيزنبرغ في آخر مقالة له حول قانون "تحريك شركاتنا الناشئة" والذي يعرف اختصاراً بقانون الوظائف الذي وقعه الرئيس باراك أوباما ليصبح نافذاً الشهر الماضي، والذي ببساطة سيجعل من الأسهل على الشركات الناشئة أن تضمن رأسمال التأسيس عبر جمع الاستثمارات من الجمهور على موقع على الإنترنت مقابل جزء من الأسهم.
 
‎وفي حين وصفه الرئيس أوباما شخصياً بأنه قانون "تغيير اللعبة"، إلاّ ان كثراً غير متفائلين بأن يطرأ تغيير كبير على اللعبة بسبب غياب المراقبة والتنظيم والاستقصاء اللازم. (قال أندرو روس سوركن على خدمة "ديلبوك" الإلكترونية الإخبارية: سيخلق القانون المزيد من مواقع التجارة الإلكترونية التي تعتمد طريقة "عرض واحد في اليوم" (Groupons). وقال مات تايبي من "رولينغ ستون" في خطاب طويل ومسلي: يبدو أن هذا القانون كتب خصيصاً لتشجيع الاحتيال في سوق القطع).
 
‎يضع القانون حدوداً على الحصص الفردية وفقاً لدخل المستثمر وسقفاً لتمويل الشركة الناشئة يبلغ مليون دولار. ولكن هذا لا يزال يعتبر مبلغاً كبيراً خصوصاً في العالم العربي. وللأسف، ليس الأمر في المنطقة مرتبطاً بالضرورة بغياب رأس المال في الأسواق بل بقلق المستثمرين حيال قدرة المفهوم على الجذب أو هيكلية الفريق أو القدرة على الصعود إضافة إلى قلق الشركات الناشئة حول رأس المال الفكري للمستثمرين وقدرتهم على السماح بالحرية الإدارية التي تميل إلى قتل الصفقات المحتملة.
 
‎ان الغياب المتأصّل للرقابة على أي منصة للتمويل الجماعي يمكن إما أن يحبط الاستثمار الداعم في المنطقة أو أن يغيّر التوقعات في سوق الشرق الأوسط وشمال افريقيا إذا أقلعت المنصة. ويقول إيلي حبيب من مؤسسة ريادة لتنمية الشركات، إن التقييم هو فن أكثر منه علم، وتتنوّع مناهجهه كثيراً (وصلتنا الكثير من التعليقات المنتقدة لمقاربة "الخصم في السوق الناشئة") إلى حد أن غياب الخبرة في التمويل الجماعي يمكن أن يقود إلى مبالغة في التقييم. ولكن من شأنه أيضاً وببساطة أن يفتح طريقاُ مهمة للشركات الوليدة التي تحتاج إلى مبالغ قليلة من المال لاختبار أفكارهاـ إذا ما بقيت المبالغ قليلة وتم تشجيع الاستقصاء اللازم عن المشروع.
 
‎ومع قفز الولايات المتحدة إلى هذا الاختبار، واضعة ثقافة الشركات الناشئة في خطر، فإن الأسواق الناشئة على الأقل ستتلقى تحذيراً يتعلق بقابلية الفكرة للحياة. وفي ما يلي الأسباب التي تدفعنا إلى الخوف كما يراها دان:  
 
‎نشر في هارفرد بزنس ريفيو في 23 أبريل/نيسان 2012.
 
‎ان التمويل الجماعي لأسهم الشركات الناشئة هو أحد المجوهرات التي زيّنت تاج قانون الوظائف الذي انتقل من مجلس النواب إلى مجلس الشيوخ في مظهر نادر ومريح للتعاون بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري ووقعه الرئيس أوباما ليصبح قانوناُ في 5 نيسان/أبريل 2012. ولكن مواقع التمويل الجماعي تشير إلى أن هذه الجوهرة هي ذهب مغشوش وهي تاريخياً غير قادرة على  استغلال "قدرة الناس ـ للناس" و"حكمة الحشد" ل"دمقرطة وصول المستثمرين إلى رأس المال" من أجل "خلق ثروة وجعل الأمور قابلة للتحقيق". وكما قال لي ريادي مخضرم "أحب التمويل الجماعي: هذا مال رخيص بالنسبة لي. مع أني أعرف أنه ليس جيداً للمستثمرين". هنا تكمن المشكلة: التمويل الجماعي يمكن أن يكون جيداً فقط للرياديين والوسطاء، ويدفعه زبائن جاهلين ولا يعرفون ببساطة ما يكفي عن المشاريع المحفوفة بالمخاطر أو عملية الاستثمار المعقدة جداً، كي يتخذوا قرارات استثمارية مدروسة.
 
‎أتحدث هنا فقط عن التمويل الجماعي للأسهم. فالتمويل الجماعي للهبات الخاصة بالمشاريع الفنية أو لمشاريع تطوير منتجات غريبة مقابل عينات أو إتاوات، كان أمراً فعالاً ولا يزال وكذلك التمويل الجماعي للدين. ولكن التمويل الجماعي لعمليات شراء الأسهم للشركات الناشئة المحفوفة بالمخاطر ـ التي تشكل هدف قانون الوظائف ـ لا يمكن أن ينجح لأربعة أسباب رئيسية هي: 
 
‎1 ـ لأنه يقوم على استقراء غير ملائم من أنشطة تبدو مشابهة مثل التمويل الجماعي للهبات.
‎2 ـ ان شراء الأسهم في المرحلة المبكرة من المشاريع معقد جداً ليتم  تنظيمه.
‎3 ـ إن إجراء الاستقصاء اللازم حول المشاريع التي تجمع المال سيجعل التمويل الجماعي مكلفاً وغير عملي.
‎4 ـ عادة تكون الجماهير جاهلة أو حتى أسوأ من ذلك.
 
‎أريد أن أشرح أكثر عن كل واحدة من هذه المشاكل.
 
1 ـ ان الاستقراء من نجاحات أخرى أمر غير ملائم. فأن يتوهّم أحد بإمكانية نجاح الاستثمار الجماعي في الأسهم، أمر مبرر لأنه يبدو يتبع التفكير السطحي بالأمور التالية: (1) إي باي وأسواق أخرى ناجحة على الإنترنت، (2) التمويل الجماعي للهبات مثلما يقدم موقع كيكستارتر، (3) الاستثمار الداعم في عالم الشركات الناشئة الذي أصبح سائداً (حتى لو لم يكن ناجحاً بالضرورة بالنسبة للمستثمر الوسطي). ولكن للأسف لا يصحّ أي من هذه النماذج في مسألة التمويل الجماعي للأسهم.
 
‎فأسواق البيع على الإنترنت مثل "إي باي" تسهل الصفقات الخاصة التي يعرف المستهلك والبائع فوراً تقريباً إذا حصل أي شيء خطأ ويمكن التصرف فوراً لمعالجة الأمر. أما التمويل الجماعي للهبات، فعال لأن المانح لا يأبه كثيراً للحصول على منتج أو جني مكسب شخصي بل ان معظم المانحين يشطبون هبتهم ـ إما مالياً أو نفسياً أو الإثنان معاً ـ وتوقعات الحصول على مقابل ضئيلة جداً.
 
‎ولكن الأمر ليس كذلك مع التمويل الجماعي للأسهم. فمشترو الأسهم يتوقعون مردوداً والوثيقة التي يحصلون عليها حول استثمارهم تمنحهم الحق شبه الدائم في إعطاء رأيهم بالقيمة التي يخلقها المشروع.  فأحفادي الذين ورثوا حصتي في crowdfundeddream.com لديهم الحق الشرعي بجزء صغير من أصول الشركة ولكنهم لن يعرفوا عن المشاكل التي تواجه تلك الأصول إلاّ بعد سنوات أو عقود لاحقة. وحينها يكون هناك فرصة كبيرة بأن تكون القيمة تسرّبت بشكل غير عادل عن قصد أو بدون قصد، إلى جيوب المؤسسين عبر تعويضات تنفيذية، وأن تستخدم الملكية الفكرية من قبل الرياديين في مشاريع تالية، كمثال واحد.  
 
‎لذا أصبح الاستثمار الداعم (في الواقع لطالما كان) عنصراً واعداً جداً في عالم المشاريع. وللأسف، وكما أظهر سكوت شاين وغيره، هناك فجوة كبيرة بين نظرة الجمهور والواقع الخاص للاستثمار الداعم ـ فالنجاحات لا تنفك تعاد على مسامعنا ولكن الإخفاقات الأوسع انتشاراً بكثير، تختفي بهدوء ونكاد لا نسمع بها.  
 
‎أنا شخصياً قمت بأكثر من عشرين استثماراً داعماً ولديّ عقود من الخبرة فضلاً عن القدرة على الوصول إلى ألمع وأكثر الرياديين موهبة. ومن خبرتي يمكنني أن أقول لكم ان إجراء استثمار داعم في شركات ناشئة واعدة صعب جداً وكسب المال من ذلك أصعب بكثير.
 
‎2 ـ التعقيد في الاستثمار يمنع التنظيم.
‎ ان شراء الأسهم في المراحل الأول من نشوء الشركات، غالباً قبل أن تبدأ الإنتاج أو كسب العائدات أو قبل أن يكون لديها موظفين، معقّد جداً نظراً إلى كون المستثمرين والرياديين لديهم مصالح غير مستقيمة على المدى القصيرة ومصالح مستقيمة فقط على المدى البعيد جداً. وبعبارة أخرى، حين يتم التوصل لصفقة الاستثمار، وكما يقول صديقي: ما هو جيد للرياديين، سيئ للمستثمرين والعكس صحيح.
 
‎هناك الكثير من الآليات المفصلة والعالية التقنية لمعالجة حالة عدم الاستقامة هذه  (استخدام الأسهم الممتازة القابلة للتحويل، على سبيل المثال). وعملية التقويم عادة تحمي المستثمرين على المدى القصير، وتخلق وضعاً مربحاً للجانبين إذا ما حقق المشروع نجاحاً باهراً ـ وهذا يحصل في كثير من الأحيان بعد سنوات طويلة إذا حصل أصلاً. تعتبر هذه العملية مؤلمة للريادي الذي اضطر للمراهنة بكل شيء تقريباً للحصول على مردود ضئيل جداً واحتماله أيضاً قليل.
 
‎وبالنتيجة، يشعر الرياديون الذين يخوضون المعترك لأول مرة أنهم ذهبوا إلى المصبغة مع مستثمرين في رأسمال المخاطر وهذا المثال يختصر القاعدة الذهبية الشهيرة لرأسمال المخاطر: "من يملك الذهب يضع القواعد". والمستثمرون في رأسمال المخاطر يقومون بدور محق ولكن غير شعبي يقوم على تقويم المصالح البعيدة المدى والحفاظ على أكبر قدر ممكن من الحماية للمستثمرين على المدى القصير. 
 
‎ان عملية الاستثمار هذه معقدة إلى درجة لا يمكن تنظيمها بطريقة تكون مفهومة ومفيدة للمستثمرين ولا تزال تحتفظ بالشرعية. والكثير من المفاهيم الأساسية - مثل التقييم الضمني وتفضليات التصفية وحماية الأقليات وحقوق المعلومات وحقوق الرفض الأولية ومكافحة التصفية، على سبيل المثال لا الحصر - نستغرق سنوات لفهمها، ناهيك عن معرفة كيفية استخدامها.
 
‎بالإضافة إلى ذلك، فإن النتيجة النهائية لعملية التنظيم (وثيقة شروط موقعة ومن ثم اتفاقات قانونية نهائية) تتأثر بشكل مستمر بميادين الاستثمار التي تعتبر ساخنة في لحظة معينة وبإمكان هذا أن يتغير من شهر إلى آخر وحتى من أسبوع إلى آخر ما يجعل من عملية التنظيم أمراً غير ممكن.
 
‎3 ـ إجراء الاستقصاء اللازم أمر مكلف جداً.
‎إذا كان التعقيد الذي يطبع الاستثمار يجعل من التمويل الجماعي أمراً لا يمكن الدفاع عنه، فإن الحاجة إلى الاستقصاء يجعله مكلفاً جداً. فحين كنت مستثمراً في رأسمال مخاطر قبل عقد من اليوم، أنفقنا على كل استثمار (من بينها الاستثمارات التي لم نبق فيها) حوالي 50 ألف دولار فقط كرسوم قانونية وأحياناً مئات الساعات في دراسة الأسواق والمشاركة في مناقشات عملية نموذجية والتواصل مع زبائن محتملين وإجراء مقابلات مع خبراء في القطاع ودراسة التكنولوجيا والملكية الفكرية والتحدث عما يفضله كل مؤسس والتي قد تصل إلى عشرة أمور أو أكثر. والاستقصاء أمر أساسي جداً لإعطاء معنى لما يمكن أن يبدو في البداية فكرة بعيدة المنال ومن أجل إلغاء أكبر قدر ممكن من الغموض الذي يلف قرار الاستثمار قبل القيام بالقفزة النهائية. وأمكننا أن نبرر الكلفة الضخمة للاستقصاء لأننا كنا نستثمر ملايين الدولارات وملتزمين بعلاقة عمل طويلة الأمد (والمزيد من الاستثمار لاحقاً) من أجل مساعدة المشروع على النمو وخلق قيمة عالية بشكل استثنائي.  ولكن التمويل الجماعي يعني جمع كميات قليلة من المال من عشرات ومئات وربما آلاف المشاريع ما يجعل الاستقصاء اللازم عملية باهظة الثمن وغير عملية.
 
‎4 ـ الجماهير غالباً ما تكون جاهلة
‎نظراً إلى تعقيد الاستثمار وكلفته العالية ، فإن حل التمويل الجماعي يرمي إلى السماح لمستثمرين محتملين بمشاهدة ما إذا كانت "الجماهير" تستثمر في مشروع معين ومن ثم القفز إلى الميدان قبل أن يصبح الأمر متأخراً جداً. والسؤال الذي يبنى عليه التفكير هنا هو "هل يمكن أن يكون العديد من الناس الذين قرروا استثمار المئات والآلاف وربما أكثر، أن يكونوا مخطئين؟".
 
‎نعم هذا ممكن، في الواقع هم على الأرجح مخطئون. والمشكلة انه في التمويل الجماعي في الأسهم، لا يمكن أن يرصد المرء الأخطاء إلاّ بعد سنوات عديدة. وكانت رسالتي للدكتوراه في علم النفس الاجتماعي حول سلوك المجموعات وعدم العقلانية الجماعية موثقة بشكل جيد ـ الجماهير قد تكون حكيمة في ظروف محددة جداً ولكنها غالباً ليست كذلك. وما الذي أتانا من الجماهير سوى "جنون التوليب" والانهيارات العقارية ومحاكمات السحرة في سالم وغيرها من المآسي؟ غير ان المدافعين اليوم عن التمويل الجماعي يدعون ان الإعلام الإجتماعي سوف يصحح جنون الجماهير غير أن هذا أمر مشكوك فيه.
 
‎نشرت عام 1980، دراسة عملية عن ظاهرة "الجهل التعددي" الواسعة الانتشار وهي حين تحشد المجموعات بشكل ممنهج جهل أعضائها بشكل يقود إلى نتائج غير سعيدة لجميع الأطراف. ودرست أيضاً علم النفس المعرفي في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي حين بدأ الاقتصاديون السلوكيون توصيف وشرح الأخطاء المنهجية التي يرتكبها الأفراد أثناء تقييم المعلومات واتخاذ القرارات. فالجهل مستشر وبعضه (جهلي الشخصي أيضاً) متأصّل في أدمغتنا.
 
‎تحدثت إلى معارضين للتمويل الجماعي في مجتمع المشاريع وفي الحكومة الأميركية، وراجعت العديد من مواقع التمويل الجماعي في الأسهم التي يكثر الحديث عنها بعضها في أوروبا وفي المملكة المتحدة. وأجريت استثماراً واحداً لأرى كيف تعمل. ووجدت حتى الآن العديد من البيانات المضللة أو/و خلل عميق في جميعها. وأحدها مثلاً يدعي بأنه يغربل المشاريع مستخدماً "المعايير نفسها التي يستخدمها المستثمرون في رأسمال المخاطر"، ولكن أقل ما يمككني أن أقوله هو أنني أشك جداً في ذلك.
 
‎وبرأيي أن التمويل الجماعي في الأسهم، سيفرض ضريبة على المستهلكين ذوي النوايا الحسنة لمصلحة الرياديين ذوي النوايا الحسنة ومواقع التمويل الجماعي حسنة النية أيضاً، بدعم من حكومة ذات نية حسنة، ولكننا نعرف إلى أين يقود الطريق المعبّد بالنوايا الحسنة.

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة