روّاد أعمال يبنون الأمم: رائدون من باكستان

اقرأ بهذه اللغة

"مشكلتك محلولة"، بهذه العبارة أنقذ السير أدمجي داوود، أحد أهم الرياديين في باكستان، بلاده من الانهيار المالي بعد حوالي 30 يوماً فقط من استقلالها. وعلى الرغم من أن العديد من الرياديين لعبوا دوراً محورياً في بناء باكستان، إلاّ أن تضحياتهم أودعت أدراج النسيان وأزيلت إنجازاتهم من تاريخنا.

في 27 آب/أغسطس، واجهت الدولة التي تأسست حديثاً أزمة مالية كارثية بسبب موجة الهجرة التي شهدتها والتي كانت الأكبر في التاريخ البشري. وحين بلغ صف انتظار المهاجرين خارج بنك الدولة (المصرف المركزي) في كراتشي مستوى خطيراً، بعث مؤسس باكستان محمد علي جناح رسالة إلى السير أدمجي داوود.    

شرح وزير المالية للسير أدمجي الانكماش المالي الحاصل، وكان جواب الأخير على اتصال الأب المؤسس: "مشكلتك محلولة". ومن دون تردد أو طلب ضمانات، موّل البلاد بشيك على بياض مضمون بأصوله الشخصية. ولم تكن هذه المرة الأولى التي يخدم فيها السير أدمجي قضية باكستان كما أنه هناك آخرين مثله من أمثال ميرزا أحمد أصفهاني ومحمد علي حبيب والسير عبد الله هارون الذين دعموا البلاد في الأوقات الصعبة.
 
إذا لم يحتفل بلد ما برواد الأعمال فيه ويدعمهم، فهو يتجاهل درساً مهماً من التاريخ، لأن نجاح الأمم يعتمد على خلق الثروات والابتكار، والرياديون مرتبطون بشكل أساسي بهذين العاملين. فالدور الرئيسي في نمو الاقتصاد الكوري الجنوبي، من نصيب فرد من الناتج المحلي الإجمالي يساوي 329 دولار في العام 1970 إلى 17225 في العام 2009، كان لرياديين مثل تشانغ يو يونغ الذي بدأ كميكانيكي سيارات قبل أن يؤسس شركة هيونداي للصناعات الثقيلة، أكبر مصنّع للسفن في العالم.  

وبحسب معهد أسان لدراسات السياسة في سيول، خضع حوالي مليون شخص برنامج التدريب على المهارات المهنية في هيونداي للصناعات الثقيلة بين 1972 و1982. وكان تطوير المهارات مسؤولاً عن صعود حوالي 13% من الأسر الكورية الجنوبية بالسلم الاجتماعي، من الطبقة الفقيرة الريفية إلى الطبقة المتوسطة الحضرية. إذاً هذه هي قوة الرياديين العظماء والاستثمار ودورهم في تعزيز المهارات هو جانب واحد فقط من تأثيرهم، فهم يخلقون الثروات وينشرونها في البيئة الحاضنة وينتجون الضرائب التي تموّل الأعمال العامة.

ثمة مثال آخر من الولايات المتحدة التي تدين بقوتها الاقتصادية بشكل أساسي للبيئة التي تقدّر الريادة وتغذيها. فحتى قبل أن يأسر ستيف جوبز مخيلتنا، كان الرياديون محط إعجاب وتكريم في التاريخ الأميركي. وإذا ألقينا نظرة على لائحة "أكثر الأميركيين إثارة للإعجاب في جميع العصور"، نجد رجال دولة وسياسيين وناشطين اجتماعيين فضلاً عن رياديين من أمثال توماس أديسون وهنري فورد، وليس مفاجئاً أن يكون محرّك النمو يغذيه الرياديون. وقد أظهر بحث أجرته مؤخراً مؤسسة كوفمان ان 40 مليون وظيفة أو ثلثي الوظائف التي خلقت في الولايات المتحدة بين 1980 و2005 كانت من مشاريع جديدة أو مشاريع لا يزيد عمرها عن خمس سنوات.  

وعلى عكس الاعتقادات السائدة على نطاق واسع، فإن لدى باكستان الكثير لتحتفل به بما يخص الرياديين، من شجاعة السير أدمجي في استعمال ثروته الشخصية لإنقاذ أمة وليدة، مروراً بالجيل الذي يحقق النجاح رغم التحديات الاقتصادية والأمنية القاهرة. وأحد هذه النجاحات هي حين تنافست لائحة الرياديين الـ100 الأسرع نمواً في باكستان أو التي تعرف اختصاراً بـ"باكستان 100" وهي لائحة الشركات الخاصة الأسرع نمواً، مع نظيراتها في 14 دولة، على موقع على لائحة شبكة AllWorld لتصنيف 500 شركة سريعة النمو في المنطقة العربية إضافة إلى تركيا وباكستان. وقد احتل مواقع في اللائحة سبعون ريادياً من باكستان التي تلتها تركيا التي سجّلت أعلى عدد من النساء الرائدات في الأعمال من دولة واحدة بينها أسرع شركة من حيث النمو تديرها امرأة.

ويشكل هؤلاء الرياديين نماذج للشجاعة. ففي ليلة العشرين من سبتمبر/أيلول 2008، بعد ساعات من تدمير مركز تكنولوجيا المعلومات في هجوم على فندق ماريوت بنيودلهي، ذهب وهاج سراج من شركة "ناياتل" إلى العمل وحوّل اتصال الألياف الضوئية للشركة إلى مواقع أخرى لتفادي انقطاع الخدمات عن الزبائن في الولايات المتحدة الأميركية. وحين تعرض فريق سريلانكا للكريكت لهجوم نفذه مسلحون في الثالث من مارس/آذار 2009 في باكستان، كان كاشف الحق من شركة "كورفت نتووركس" على بعد بضعة أبنية، يعمل أثناء الاشتباك على تسليم مشروعه في الموعد المطلوب. وأحياناً حين تبدي شركات أجنبية عدم الارتياح للعمل مع شركات باكستانية، يضمن التصميم الذي يتمتع به كاشف الحق المصداقية للشركات الباكستانية ليتم اعتبارها شريكة في الأعمال يمكن الاعتماد عليها.      

ولكن هؤلاء الرياديين الباكستانيين يحظون بدعم ضئيل رغم كونهم الأمل الأكبر للبلاد لتحقيق التقدم الاقتصادي. وهنا لا بد لي أن أشير إلى وجود مقاربة جديدة لاستراتيجية النمو وهي "نظرية الانحراف الإيجابي". وهذه المقاربة تفيد بأنه بدلاً من فرض حلول تقنية للنمو الاقتصادي يحركها خبراء من الخارج، علينا أن نسعى إلى إيجاد الأفراد الذين يخلقون الفرص الاقتصادية في بيئة اقتصادية مليئة بالتحديات. وهؤلاء الأفراد يكونون قد أجروا اختبارات لنماذج الأعمال الناجحة في السوق المحلي وصقلوها. لذلك فإن تسهيل نموها سيكون أكثر فعالية واستدامة لأننا نستفيد من موارد ومعرفة وممارسات لها جذورها في الاقتصاد المحلي بدلاً من حلول تقليدية للنمو ومستوردة من الخارج.

أظهر الرياديون على لائحة "باكستان 100" هذا الانحراف الإيجابي من خلال تنمية مشاريعهم بنسبة 55% سنوياً بين 2008 و2010 في خضم الأزمة المالية العالمية. غير أن انتشار الانحراف الإيجابي الريادي تقيّده ثلاثة عوامل: الولوج إلى التمويل والعمال الموهوبين بشكل نوعي والولوج إلى الأسواق العالمية. ويجب على أصحاب المصالح الملتزمين بتنمية باكستان، أن يصمموا عمليات تدخل من شأنها التخفيف من هذه القيود عبر توفير التمويل والتدريب المهني وإتاحة الدخول إلى الأسواق العالمية. وهذا من شأنه أن يطلق العنان للنمو المكبوت لهذه المؤسسات وخلق فرص عمل وثروات وإنتاج ضرائب.

احتج الشباب في أنحاء العالم العربي على عدم إشراكهم عملية الحكم. ولكن وراء هذا الاستياء كان غياب التمكين الاقتصادي. وتواجه باكستان تحديات مماثلة اليوم وتسعى إلى حلها من خلال صندوق النقد الدولي ولكن في الجوهر فإن الحل موجود ضمن البلد. والرياديون كأعضاء باكستان 100 هو البناة الاقتصاديون للأمة ويمكنهم أن يضطلعوا بدور أساسي في تلبية تطلعات الشعب أو كما هي الحالة في كوريا الجنوبية والولايات المتحدة، أن يكونوا مساهمين في الانتعاش الاقتصادي.  

(صورة موضع بناء السفن التابع لهيونداي في كوريا الجنوبية. زوروا كوريا - Visit Korea)

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة