‎بناء رؤيا لريادة الأعمال في لبنان للعام 2020

اقرأ بهذه اللغة

هناك حالة طوارئ في لبنان. ليست الطوارئ التي تظنون، بل هي طوارئ أبعد من السجالات والانقسامات السياسية وأبعد من المواجهات والتوترات الدولية، فنحن نعاني من أزمة في الوجهة إذ نحتاج إلى التراجع إلى الوراء قليلاً والنظر إلى الصورة الأكبر والتركيز على بناء لبنان الذي نريد أن نورّثه لشبابنا وأطفالنا مهما كان موقعهم وخلفيتهم وجنسهم. وبشكل أدق، علينا أن نجيب على السؤال التالي: ما هو النظام البيئي الحاضن الذي سيعمل فيه شبابنا ويزدهرون في المستقبل؟   
 
‎على الرغم من أن هناك اعترافاً في مجتمعنا وفي مؤسسات صناعة القرار لدينا بأن لبنان يحتاج إلى تنمية مستقبلية متماسكة ومستدامة، إلاّ أن الاعتراف يمثّل خطوة والعمل يمثل خطوة أخرى. وخلق رؤية للمدى الطويل ليس أمراً جديداً فدول المنطقة والعالم تبنت هذه المقاربة. لذلك حان الوقت كي نتبناها نحن هنا في لبنان. ومدة الرؤيا المطلوب وضعها لا يجب أن تكون قصيرة جداً، كي يتاح تحقيق نتائج وأن تكون طويلة جداً كي لا نفقد التركيز والالتزام من جانب الأغلبية. لذلك فإن "رؤية لبنان لعام 2020" ستكون الشعار الجامع المثالي.
 
‎إن المسائل التي يشتمل عليها وضع مثل هذه الرؤية مليئة بالتفاصيل ومعقدة. ولكن دعونا نأخذ وقتاً للتفكير بواحدة منها تعتبر محفّزاً أساسياً لتنمية الاقتصاد اللبناني: الشركات الصغيرة والمتوسطة والنظام البيئي الحاضن للريادة.
 
‎حين ننظر إلى المشهد العام للاقتصاد اللبناني، نرى من جهة شركات كبيرة وراسخة عادة ما تقودها عائلات وتوظّف عدداً كبيراً من الناس. وفي الجانب الآخر، لدينا عدد لا يحصى من الكيانات الصغيرة التي غالباً ما تكون جزءاً من الاقتصاد غير الرسمي. ورغم عدم وجود إحصائيات، إلاّ أن بعض التقديرات تشير إلى أن 95% من المؤسسات تعمل على نطاق مصغّر ولا يزيد عدد موظفيها عن 50.
 
‎وبين هذين الطرفين، يعتبر عدد الشركات محدوداً وهنا تكمن المشكلة. ففي معظم الدول، ليست الشركات الصغيرة والمتوسطة (بالتعريف الأوروبي هي الشركات التي توظّف أقل من مئتي شخص) هي المصدر الأهم للتوظيف فحسب، بل أيضاً مصدر معظم الابتكارات والنمو. وهذه هي الشركات التي تجعل الدولة ديناميكية وحيوية. ولأن هذه الشركات موجودة في الفجوة بين الشركات الكبرى والكيانات الصغيرة المكافحة، عليها أن تبتكر كي تنافس وتنمو وتنشئ عمليات خاصة ونظماً لدعم النمو وتحقيق استدامته.
 
‎توظف هذه الشركات الخريجين الشباب الموهوبين الذين عادة ما يبحثون عن فرص في الخارج لتعذّر العثور عليها في لبنان. وهذه هي الشركات التي تساعد في خلق الطبقة المتوسطة والحفاظ عليها، وهي الشركات التي تعطي دفعة للإنتاجية وترفع الأجور وهو ما يترجم بزيادة القدرة الشرائية أي الاستهلاك ويحسّن مستوى المعيشة. وتقود الشركات المنتجة إلى خلق الثروات وزيادة القدرة الشرائية والاستهلاك والنمو الاقتصادي: وهذه حلقة حميدة.
 
‎وحين يتعلق الأمر بالمحافظة على المواهب فيه، لدى لبنان الكثير من الأصول القوية التي لم تستخدم بالكامل بعد. وكما قال البعض قبل سنوات إن "أفضل ما أنتج لبنان هو اللبناني". فأدمغة اللبنانيين وخيالهم هي مستقبل هذا البلد. ولهذا السبب علينا أن نطوّر رؤية للمديين المتوسط والطويل لإقامة النظام البيئي الحاضن الذي سيمنح شبابنا البيئة التي يمكنهم أن يزدهروا فيها وسيسمح لهم بإظهار قدرتهم الكاملة ليس ضمن لبنان فحسب بل للعالم الخارجي أيضاً.
 
‎ويحتاج رواد الأعمال اللبنانيون أيضاً إلى استشراف دولي. فنحن اليوم نعمل في سوق دولية. وقد سمعنا أن العالم أصبح "متملقاً" بمعنى أن أنظمة الاتصالات والنقل يمكنها ربطنا بأي شخص كان في أي مكان بالعالم. وللتنافس على المستوى العالمي، يجب على المرء أن يتّبع القواعد الدولية التي تنطبق على الجميع. فإذا ركّزت الشركات الصغيرة والمتوسطة على السوق اللبناني المحلي فسنخسر نصف المعادلة.  نحن نحتاج إذاً إلى خلق نظام بيئي يعزز قدرتنا كبلد على التنافس ويضع رياديينا وشركاتنا في المستوى نفسه مع شركات من دول أجنبية منافسة مثل الصين والبرازيل وفرنسا وغيرها.
 
‎لبنان هو في الواقع سوق صغيرة. ومع عدد سكان يبلغ 4 ملايين نسمة وقدرة شرائية محدودة، تضطر شركاتنا إلى التطلّع إلى الأسواق الخارجية سعياً إلى النمو والفرص. ومن الأسهل دائماً زيادة حجم الكعكة، من تقاسمها ذاتها مع العديد من اللاعبين. وحتى الآن، قامت الشركات التي أقامت مشاريع في الخارج بهذا الأمر ونجحت فيه. ففتح باب على الخارج يمنح الشركات سوقاً أوسع وهو ما يسمح لها بتوظيف عدد أكبر من الأشخاص وخلق وظائف لمواهبنا المحلية وفي الوقت ذاته توليد المزيد من الثروة الشاملة ودفع المزيد من الضرائب. وليست هذه حلقة حميدة فحسب بل ضرورة للسوق الصغيرة، فنحن إما نصدّر أو يصبح النمو السكاني غير محمول.   
 
‎إذاً تعتمد قدرتنا على المنافسة في الأسواق الدولية على قدرتنا على العثور على المجالات حيث يمكننا خلق ميزة تنافسية مستدامة. فلن نكون قادرين على المنافسة مع الصين أو دول شرق آسيا على صناعات كبيرة (تقوم على كلفة منخفضة لليد العاملة)، ولكن هذا لا يجب أن يكون الهدف. ولكن بإمكاننا المنافسة على خلق وتطوير منتجات مبتكرة ستحتاج في النهاية إلى إنتاج كميات كبيرة منها في هذه الدول. وبعض من شركاتنا الصغيرة والمتوسطة تعمل أصلاً على هذا النموذج وهي تحقق نجاحاً كبيراً ومثال على ذلك Multilane.
 
‎وأيضاً قد لا نكون قادرين على التنافس مع هذه الدول على إنتاج زراعي على نطاق واسع، ولكن يمكننا بالتأكيد أن ننافس في مجال المنتجات المتخصصة والفاخرة وفي العلامات التجارية. وإذا طوّرنا منتجاتنا الزراعية المتخصصة وروّجنا لها بشكل جيد مثل زيت الزيتون (مثل Olive Trade) أو النبيذ (مثل Chateau Musar أو Chateau Belle-Vue)، فبإمكان هذه المنتجات أن تخلق موقعاً جيداً لها في السوق الدولية وتتنافس مع دول كبرى في هذه المجالات.
 
‎إن صناعتنا الخلاقة هي مثال ممتاز على كيفية تمكّننا من الاستفادة من المزايا التنافسية التي لدى لبنان. ولطالما عرف اللبنانيون بقدراتهم الإبداعية وخيالهم الخلاّق. فمصممو الأزياء اللبنانيون (مثل إيلي صعب Elie Saab)، ومصممو المجوهرات، والمخرجون (مثل نادين لبكي، وغيرها)، وشعراؤنا وكتابنا (مثل جبران خليل جبران وأمين معلوف وغيرهما) معروفون على الصعيد الدولي. كما أن إعلامنا رائد في المنطقة من حيث والمحتوى والإبداع والتأثير. إذاً ما هي الوسيلة الأفضل لتصبح دراية اللبنانيين مشهورة في جميع أنحاء العالم ونظهر بلادنا من منظار مختلف؟
 
‎إذا استطاع لبنان أن يعتمد هذه المقاربة، فسيعمل على بناء نظام بيئة حاضن منفتح على الخارج يكون بمثابة منطلق حقيق للرياديين.
‎ـــــــــــــ
‎انطوان أبو سمرة، المدير الإداري في برنامج بادر لبنان وهو منظمة غير حكومية تعمل على تعزيز ريادة الأعمال في لبنان من خلال ثلاث رافعات: مالية وتعليمية وشبكية. وهو أيضاً مؤسس "أبل أند أبوف" ورئيسها التنفيذي وهي شركة برمجيات تهدف لتطوير تطبيقات لأجهزة المحمول والأجهزة اللوحية لأنظمة تشغيل "آي" وأندرويد وويندوز 7 وبلاكبيري بالإنكليزية والفرنسية والعربية والإسبانية.  ولدى أنطوان خبرة أكثر من 15 عاماً في مجال الأعمال على المستوى الدولي لا سيما في أوروبا والشرق الأوسط والتي تتضمن تطوير شركات ناشئة وتولّي مواقع تنفيذية واستشارية ومهام تدريب. والقطاعات التي عمل فيها أو عليها هي بشكل خاص قطاعات المستهلكين والسلع الفاخرة ووسائل الإعلام  والترفيه والعقارات والتكنولوجيا والطاقة. وأنطوان حاصل على درجة بكالوريوس في التجارة والإدارة المالية وإدارة الأعمال الدولية من جامعة ماكجيل، وماجستير في إدارة الأعمال من إنسياد INSEAD.

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة