يبدو أخرقا، ويتجاهل القواعد، لكنه نبيه: تعرف على مرشح شغل الوظيفة الذي يغرد خارج السرب

اقرأ بهذه اللغة

في بحث نشرته مؤخرا "مجلة علم النفس البريطانية" British Journal of Psychology، اكتشفت إليروما غاردينر، الخبيرة في علم النفس التنظيمي في "كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية"، أن الموظفين الذين يتميزون بشخصيات شاذة يمكن أن يكونوا سلاحا سريا يُستعمل لتحقيق النجاح داخل المقاولة. وتتمحور اهتمامات غاردينر البحثية حول دور الفروق الفردية داخل إطار تنظيمي.

فمن خلال تشجيع المفكرين الذين يتمتعون بشخصيات خلاقة ومستقلة من أجل ابتكار أفكار خلاقة ومنيرة، ومنح العاملين الدعم والوقت الكافيين لمواصلة مشاريعهم؛ يمكن للشركات إدخال لعبة "الطيور الغاضبة"Angry Birds أو خدمة "أخبار غوغل" Google News إلى السوق. وفي ظل مناخ اقتصادي يُطلب فيه من الموظفين بذل المزيد من الجهد مقابل موارد أقل، كما تقول، فإنه من شأن تشغيل هذا الموظف الذي يغرد خارج السرب أن يكون وصفة الشركة لزيادة أرباحها.

وفيما يلي نسخة منقحة من نص الحوار.

المعرفة في وارتن بالعربية: كيف تعرفين مفهوم الانشقاق أو الخروج عن المألوف (maverickism

إليروما غاردينر: قمنا بصياغة هذا التركيب أساسا لفهم الاتجاهات المنشقة وتقديم وصف لها. أنظر إلى هذا المفهوم على أنه يقع ضمن سلسلة متصلة من قبيل أن الأفراد الذين يحتلون مراتب متقدمة على سلم التفرد والانشقاق عن التيار السائد هم أولئك الأفراد الذين يتحلون بروح خلاقة، وبتفكير مستقل، ويجعلون تحقيق الهدف نصب أعينهم، ويحققون النجاح بفضل اعتماد المخاطرة، في حين يمكن وصف الأفراد الذين يحتلون مراتب متدنية على هذا السلم على أنهم يركزون كثيرا على روح الفريق وأقل تشددا من حيث نمط التفكير وتنفيذ أنشطة العمل على حد سواء.

فبدلا من إصدار حكم بكل بساطة على أن الشخص منشق عن التيار السائد أو غير منشق، نجادل بأن الأفراد يقعون ضمن سلسلة. فبعض الناس يرجح أن يرتقوا درجات عالية في سلك الخروج عن المألوف، في حين يكون البعض الآخر معتدلا، والبقية تكون درجاتها متدنية. فمن خلال وضع هذا السلم، نكون قادرين على تحسين قياس كمية النزعات المنشقة. على سبيل المثال، يمكننا الآن التحقيق في الميزات التي ترتبط أكثر بشخص يُنظر إليه على أنه شخص يغرد خارج السرب، وكذلك تحديد من هو الشخص المنشق وغير المنشق بين عامة الناس.

تضم نوعية الأشخاص المنشقين الذين تحدثت عنهم في مقالي أسماء معروفة مثل السير ريتشارد برانسونRichard Branson، وستيف جوبز Steve Jobs . فهما يتمتعان بشهرة عالمية، وحققا أشياء مدهشة. لكن عندما نستعين بهذين المثالين الشهيرين بصفة مستمرة، يبدو الأمر كما لو أن شخصا واحدا فقط من بين مليون شخص لديهم فرصة لتحقيق مثل هذا الإنجاز. إننا نرى أن الأمر ليس كذلك. أن تكون خلاقا، وأن تركب المخاطر، وتكسر القواعد، وتضع الهدف نصب عينيك صفات يملكها، في الواقع، الكثير من الناس لكن لا يحصلون دائما على نفس النتائج، وهو الأمر الذي يجعلهم أقل شهرة. ولذلك فمن الممكن أن يكون هناك على نطاق أصغر أشخاص منشقون داخل مؤسسات. إنهم ليسوا على شاكلة ريتشارد برانسون لكن لديهم ميزات مماثلة. أعتقد أن هذا النسق من التفكير على درجة أكبر من العملية والإفادة للممارسين المهتمين بتوظيف الأشخاص الخلاقين وضمهم إلى فريقهم، وبتطوير العاملين الذين يشتغلون لديهم.

المعرفة في وارتن بالعربية: سميت ستيف جوبز والسير ريتشارد برانسون باعتبارهما رمزين للانشقاق عن التيار السائد. ما الذي قاما به ليحصلا على هذه المكانة؟

غاردينر: إنهما مثالين شهيرين يعرفهما الجميع. ومن بين العناصر المكونة لمفهوم الانشقاق عن التيار السائد هناك مفهوم ركوب المخاطر. هناك بعض المخاطر التي تجشمها هؤلاء الأفراد، والتي عندما نعاود النظر إليها، فإنها لا تبدو كبيرة؛ لكن في ذلك الوقت اكتست هذه المخاطر طابعا ثوريا، وكانت على النقيض من الوضع القائم.

على سبيل المثال، تحمل ريتشارد برانسون مخاطر مالية ضخمة عند تأسيس شركة الطيران "فيرجن أتلانتيك"Virgin Atlantic ، ودخول صناعة الطيران كمنافس مباشر لشركة الخطوط الجوية البريطانية British Airways العملاقة آنذاك. وفي مراحل متقدمة، تحملت "فيرجن أتلانتيك" خسائر مالية كبيرة وأبدى عدد كبير من الأشخاص تشاؤمهم من مستقبل هذا المشروع الجديد. لكن وعلى الرغم من هذه الصعوبات المبكرة، فإن "فيرجن أتلانتيك"، وكذلك العلامة التجارية "فيرجن"، تحظيان بشهرة واحترام في جميع أنحاء العالم. إن صبر برانسون، واستعداده لتحمل المخاطر، وصده للانتقادات لجزء مما جعله شخصا يسبح ضد التيار، وناجحا بشكل كبير.

وعلى نحو مماثل، اتخذ ستيف جوبز الكثير من القرارات المحفوفة بالمخاطر، مثل تحديد نقاط سعر مرتفعة بالنسبة لبعض المنتجات. وانتقد البعض امتناع المستهلكين عن بذل المال. كما جازف باتخاذ قرار استبعاد ميزات كان يُنظر إليها، في ذلك الوقت، على أنها حيوية، مثل البطاريات القابلة للإزالة، والأقراص المرنة لأجهزة الكمبيوتر المحمولة. أعتقد أننا سنتفق جميعا على أن تلك المخاطر انقلبت إلى شيء جيد. في ذلك الوقت، كان يمكن أن يستحوذ علينا الشك. يهتم الأشخاص المنشقون (عن الفكر السائد) بالابتكار والإبداع، ودائما ما يرغبون في إنجاز شيء جديد، والنظر إلى الأمور من زاوية مختلفة.

سمة أخرى تميز هؤلاء المنشقين وهي الصبر والمثابرة. يضعون هدفا معينا أمام ناظريهم، ويريدون تحقيقه مهما كانت التكلفة. يضعون هدفا معينا صوب أعينهم، ويقنعون الناس به بطريقة أو بأخرى، ويجلبون الناس إلى صفهم، للمساعدة في تأمين الموارد والزخم اللازمين للمضي قدما على هذا الطريق.

هناك شخص منشق آخر أقل شهرة، لكنه لا يزال مثالا جيدا، وهو رائد الأعمال الأسترالي بول كيف Paul Cave الذي أسس شركة "بريدج كلايمب" BridgeClimb، والتي تخول للسياح تسلق "جسر ميناء سيدني" Sydney Harbor Bridge الشهير. عندما تفتق ذهنه عن هذه الفكرة الخلاقة للمرة الأولى، أخذ يروج لفكرته لدى المستثمرين لتأمين تمويل البدء. لقد قدم في الواقع أكثر من 50 عرضا قبل أن يحصل على من يساعده في إطلاق مشروعه. كما واجه الكثير من الاعتراض من قبل الحكومة حول ما إذا كان قادرا على استخدام الجسر أم لا، وحول السلامة، وجوانب قانونية أخرى. لقد قدمت له الحكومة 64 سببا تحول دون استخدامه للجسر، لكنه لم يبد أي اعتراض في جوابه. لقد تعاطى مع هذه الشواغل كل على حدة إلى أن حصلت مقاولته أخيرا على الموافقة للبدء في الاشتغال. وتعتبر الآن مشروعا ناجحا بكل المقاييس، وكان كيف خلاقا بشكل لا يصدق ومركزا في عمله. إنه يستخدم مرافق لا يؤدي ثمن إنشائها. إنه يتلقى إعلانات مجانية من "توريزم أستراليا" Tourism Australia، فضلا عن انتشار الخبر على يد الزبائن السعداء. هناك الملايين من الناس الذين تسلقوا الجسر. والآن تحقق هذه الفكرة نجاحا كبيرا. فحتى مدنا مثل برزبن Brisbane الأسترالية تملك بنية مشابهة حيث يمكن للناس أن يتسلقوا الجسر هناك.

لذلك أعتقد أن هذا المزيج من الابتكار، والمخاطرة، والمثابرة لبلوغ غاية ما يتميز بالحيوية حقا، وهو جوهر كنه الإنسان المنشق.

المعرفة في وارتن بالعربية: ما الذي جعلك تهتمين بدراسة هذه الصفة؟

غاردينر: يتجلى اهتمامي العام في بحث السلوكيات المختلة والمندفعة والتي قد تبدو حقلا مهملا بعض الشيء. أنا مختصة في علم النفس التنظيمي، لكن الذي يجذبني حقا أكثر هو دراسة الأشياء التي تتوقع حدوث، من حيث الشخصيات وعلم الأحياء، جوانب عملية صنع القرار، ولا سيما داخل مكان العمل. على سبيل المثال، أهتم بمحاولة معرفة سبب إصرار الناس على اعتماد سلوكيات معينة، وبمحاولة معرفة متى يكون السلوك المستمر تكيفيا ومتى لا يكون ذلك. ولذلك إذا أخذت بالحسبان أمثلة سريرية، فإنها أشياء مثل لعب القمار وشرب الخمر. غالبا ما يشترك الأفراد في سلوكيات لا تكون تكيفية لكنهم لا يقوون على منع أنفسهم من إتيان ذلك. إذن ففكرة المثابرة هذه وشخصيتك وعلم الأحياء هي أمور تدفعك في هذا الاتجاه.

أعتقد أن هذا المفهوم نفسه ينطبق تماما على الانشقاق عن التيار السائد في مكان العمل. أعتقد أن هناك شيء فريد متعلق بهذا المزيج من النزعات. يتمتع الأشخاص المنشقون بدافع قوي لتحقيق أهدافهم والاستماتة في سبيل ذلك. في بعض الأحيان، قد يبدو ذلك مختلا تماما، وسيء التكيف. على سبيل المثال، تعلم معظمنا ضرورة احترام القواعد والموظفون الجيدون هم أولئك الذين يحترمون هذه القواعد. لكنني أتساءل عما إذا كان هذا هو الحال دائما؟ لقد كان جوبز شخصا يوصف بأنه خشن المعشر في بعض الأحيان ولا يتمتع بروح الفريق على نحو دائم. إذن عندما يتعلق الأمر بشيء يشعرون بالحماس تجاهه، ربما أن تكون فردانيا وأن تكون قادرا على كسر القواعد أمر ينطوي على بعض الفوائد المحتملة.

باعتباري أشتغل بعلم النفس التنظيمي، فإنني أهتم بكيفية ضمان توظيف الشخص المناسب في الوظيفة المناسبة. في كثير من الأوقات، لدينا صيغة إلزامية بخصوص نوع الشخصية العامة الذي نبحث عنه، ونوع الدرجات التي تعتبر مقبولة. إذا لم يستوف الأشخاص الشروط المطلوبة، فإنهم لا ينتقلون في بعض الأحيان إلى المستوى الموالي. لكن أود أن أقول أننا قد نفتقد أناسا يتمتعون بمواهب خاصة. يتعلق الأمر بالنظر في أشياء قد يرى الناس لأول وهلة أن وظيفتها مختلة.

على سبيل المثال، بول كيف، لو توقف بعد عرضه ال40، فإنه لم يكن ليحقق هذا النجاح. إذن لو انتهى به المطاف إلى حصد الإخفاق، لقلنا إنه متعلم سيء للغاية أو كان ينبغي له أن يغادر في وقت مبكر. لكن مع تحقيقه النجاح، فإننا ننظر إلى هذه المثابرة على أنها وظيفية. في الواقع، إننا نحتفل بها. أنا لا أقترح ضرورة المثابرة على نحو أعمى بخصوص كل قرار أو إجراء نتخذه، لكن ما أقترحه هو أن تحديد حدود المثابرة العملية وغير العملية سيكون أمرا مفيدا.

أعتقد أن هناك مجالا واسعا داخل المقاولة حيث يمكن أن يتكيف هذا. لا ينبغي أن يكون هذا المجال بالضرورة ريادة المشاريع، يمكن أن يكون مهارة إدارة المؤسسات الكبيرة القائمة (المنافسة الداخلية).

المعرفة في وارتن بالعربية: كيف تقيسين الشخصية في دراستك؟

غاردينر: استخدمنا اختبار الشخصية استنادا إلى نموذج الشخصية المكون من خمسة عوامل. كانت السمات الشخصية الخمسة التي تم قياسها هي العصابية neuroticism، والانبساطية extraversion، والانفتاح على الخبرة openness-to-experience، والمقبولية agreeableness، ويقظة الضمير conscientiousness. سوف يعرف اختصاصيو الموارد البشرية على نحو جيد هذه الصفات مع ميلهم نحو استخدام الاختبارات التي تستند إلى هذا النموذج من أجل أغراض التنمية أو التوظيف.

بالنسبة لهذا الاستبيان على وجه الخصوص، كان هناك 50 تقريرا، صُنفت على مقياس من "غير دقيق جدا" إلى "دقيق جدا." وطُلب من المشاركين تقييم أوجه شبه كل تقرير بالنسبة لهم. قد يكون السؤال على هذا النحو "أحب الذهاب إلى الحفلات." وتكمن الفكرة في ارتباط التقرير بالانبساطية. قد يكون سؤال آخر مثل "أستمتع بتجربة أشياء جديدة"، وقد يرتبط هذا بالانفتاح. لذلك هناك مجموعة من البيانات التي يقيمها المشاركون أنفسهم.

المعرفة في وارتن العربية: ما هو الشيء الأكثر إثارة للدهشة بخصوص نتائج هذه الدراسة؟

غاردينر: وجدنا مجموعة من السمات الشخصية التي توحي بفكرة الانشقاق. اندهشت أكثر ربما بعد اكتشاف أن معدلات المقبولية المنخفضة تعتبر عاملا هاما. كنت أتوقع أن يلعب كلا من الانبساطية والانفتاح على التجربة دورا، ولأن الكثير من أبحاثي كانت تعتمد التفضيل الجانبي، كنت أتوقع هذا المقياس البديل للإبداع أن يلعب دورا هو الآخر. لكنني لم أكن أتوقع مستوى منخفضا من المقبولية.

عندما أستحضر أشخاصا مثل ريتشارد برانسون، لا أستطيع تذكر وصفه بأنه كريه. يبدو شخصا ينسجم مع الآخرين، ومحبوب للغاية، وواثق اجتماعيا، وجذاب.

تظهر دراساتنا أن الأشخاص المنشقين يميلون أكثر نحو المنافسة بدلا من الإيثار. لذلك عند تفسير نتيجة المقبولية، فإن ذلك لا يعني أن الناس ودودون عند الحد الأعلى وغير ودودين عند الحد الأدنى. بل الحد الأعلى يصف الأفراد الذين يوثرون على أنفسهم، وينكرون الذات في حين يكون الحد الأدنى حول أن تكون أكثر تنافسية وأكثر استعدادا لتحدي الآخرين لمصلحة النفس.

كما تم التوصل إلى أن الانبساطية تنبئ بشكل كبير بانشقاق الشخصية عن الآخرين. إن هذه النتيجة منطقية، بحيث يؤثر الأشخاص المتمايزون عن الجماعة في الآخرين ويقنعونهم للاصطفاف إلى جانب أفكارهم التي يكونون بحاجة إليها حتى يكونوا وديين، وواثقين من أنفسهم، وأكفاء اجتماعيا.

في الوقت نفسه، وجدنا أن الانفتاح على الخبرة عامل رئيسي. فالأفراد الذين يحتلون درجات عالية على سلم الانشقاق يتميزون بالإبداع وبالتفكير المستقل. كما يشير البحث إلى أن الأشخاص الذين يغردون خارج السرب على استعداد للثبات على رأيهم والمنافسة عندما يكونون في حاجة إلى ذلك. قد يتميزون بخشونة المعشر إذا عملوا في بيئة عمل جماعي، لكن، إذا نظرت إليهم باعتبارهم أنانيين، يمكن أن يكون هذا المنهج فعالا.

المعرفة في وارتن بالعربية: إلى جانب الانبساطية، والانفتاح والمقبولية، هل توصلت إلى شيء آخر ينبئ بمستويات ميولات الإنسان المنشق؟

غاردينر: نعم. العاملين الآخرين اللذين نظرنا فيهما هما العصابية، وهي كيف يكون الشخص قلقا، وكذلك التفضيل الجانبي، الذي يعتبر مؤشرا حيويا على الإبداع حيث تشير زيادة نشاط الجانب الأيمن من الدماغ إلى ميل نحو الإبداع، في حين يشير نشاط الجانب الأيسر إلى وجود ميل نحو الفكر التحليلي.

وجدنا أن تركيبة هذين العاملين تنبئ بوجود الانشقاق. لذلك إذا اعتبرت نشاط الجانب الأيمن من الدماغ كمقياس بديل للإبداع، فإن ما توصلنا إليه يفيد أن الأشخاص الذين يتميزون بنشاط عال فيما يخص الجانب الأيمن من الدماغ وبانخفاض في العصابية يميلون نحو التمايز عن الجماعة. إذا كانت نسبة عصابيتك مرتفعة، فإن هذا يعني أنك قلق، وتخاف من العقاب أو أن تبدو غبيا. سوف تختار الأمان بدلا من تجشم خطر الفشل لتحقيق النجاح.

إذن تكون النتيجة هي أن تركيبة الاستعداد البيولوجي للإبداع، وكذلك غياب القلق من السقوط في الفشل تسهل أمر تحقيق النتائج بالنسبة للأشخاص المنشقين.

كما ألقينا نظرة على نزعة ركوب المخاطرة. حاولنا استخدام تدابير متعددة للتحقيق في بنيات مماثلة في دراستنا. لإنجاز مهمة المخاطرة، قُسم المشاركون بشكل عشوائي على إحدى الحالتين. في إحدى الحالتين، تم إعدادهم لمقت المخاطر، وفي الحالة الأخرى هيئوا ليكونوا أكثر مخاطرة. وجدنا أنه حتى عندما يوضعون في خانة كره ركوب المخاطر، يميل الأفراد الذين يحتلون مكانة عالية على سلم الانشقاق نحو ركوب المخاطر. يميل الأشخاص المتمايزون عن الجماعة إلى المثابرة. إنهم يميلون نحو المخاطرة، وإن لم يعودوا يحصلون على مكافآت نظير ذلك على المدى القصير. في بعض الأحيان، يمكن النظر إليهم على أنهم غير قادرين على التأقلم، وهو أمر أعتقد أنه إنذار.

المثابرة أمر جيد، لكنها ليست دائما كذلك. سوف يبذل هؤلاء الأفراد قصارى جهدهم حتى إن لم يعودوا قادرين على التكيف، لذلك يتعين علينا إجراء مزيد من البحوث لمعرفة الظروف الحدودية؟ نحن بحاجة لمعرفة متى تكون المثابرة في الأشخاص المنشقين غير مهايئة، ومتى يكونون بحاجة إلى وقت أكثر؟

المعرفة في وارتن بالعربية: هناك اختبار متعة بالنسبة للانشقاق ويتعلق بكيفية الرد على الهاتف. هل يمكنك تفسير ذلك؟

غاردينر: نعم، حددنا التفضيل الجانبي، من خلال طرح مجموعة من الأسئلة، مع ميلهم لاستخدام جانبهم الأيسر أو الأيمن عند القيام بأنشطة مختلفة. على سبيل المثال، طرحنا أسئلة مثل، "ما هي الأذن التي تسمع بها صوتا منخفضا؟" أو "إذا كنت تريد الاستماع إلى محادثة تدور وراء باب مغلق، ما هي الأذن التي ستضعها على الباب؟" و"ما هي الأذن التي تستمع بها (بدون الاستعانة بالأيدي) إلى هاتف لاسلكي؟" هذه الأسئلة مقتبسة من مقياس منشور يقيس تفضيل الفرد الذي قد يكون له تجاه استخدام إحدى جانبي جسمه.

هكذا بينما لا أقترح أن الطريقة التي تلتقط بها سماعة الهاتف تحدد ما إذا كنت إنسانا متمايزا عن الآخرين أم لا، لكن الاختيار الذي لديك، سواء كان لديك اختيار أيسر أو أيمن، فإنه ينسج روابط مع تفضيلات دماغية. سأتحدث عن كيف بدأ ذلك البحث، وكيف تم الاعتماد عليه في أبحاث أخرى.

أولا، تظهر الأبحاث أن التفضيل الجانبي الذي يبلغ عنه فرد من الأفراد يتوافق مع سلوكه الفعلي. على سبيل المثال في الاستبيان، إذا قلت إنك تفضل استعمال أذنك اليسرى، وشاهدك شخص ما في حياتك اليومية، فمن المرجح أن تستعين في معظم الأحيان (وليس دائما) بأذنك اليسرى في الوظائف السمعية. أثمن أن يبدو السؤال على نحو فردي غريبا بعض الشيء، لكن إذا وضعته في مجموعة واحدة، فإنه يبدو مرتبطا مع غيره من تدابير التفضيل الجانبي. عادة ما يمكن أن تفعله هو أن تضع شخصا ما في جهاز التخطيط الدماغي، وتجعله يقوم بمهام وتقيسها على هذا النحو حتى تستطيع أن ترى مستوى التنشيط. من الواضح أن مقياسا أكثر مباشرة هو منهجية أفضل؛ لكن أردنا أن ننظر في عينات عمال بدوام كامل. لقد قمنا بعدد من الدراسات الآن. شملت إحداها أكثر من 450 شخصا وأخرى شارفت على 500 شخص. ليس هناك طريقة لاختبار ألف شخص باستخدام جهاز التخطيط الدماغي الكهربائي. تتجلى الحكمة فقط في إمكانية العمل، لكن ذلك لا يكفي. يمكننا الحصول على ألف شخص للقيام بمسح، وتبين من البحوث السابقة أنها صحيحة وموثوقة ولذلك استمررنا في هذا الطريق.

ثانيا، وبفضل مسارات الجانب المقابل، من المرجح أن يشير تفضيل جانبي أيسر (تفضيل استخدام أذنك أو يدك اليمنى) إلى وجود تفضيل في النصف الأيمن من الدماغ. وبالمثل، من المرجح أن يشير تفضيل جانبي أيمن إلى وجود تفضيل في النصف الأيسر من الدماغ. يعتقد أن نصف دماغك الأيمن مسئول عن الإبداع والعواطف والنصف الأيسر مسئول عن العقلانية والتحليل.

ثالثا، اخترنا التركيز على تفضيل الأذن لأن الأبحاث السابقة أظهرت بالفعل وجود صلة بين الإبداع ومهام كل أذن على حدة.

تشير أبحاثنا إلى أن، وبالاشتراك مع الشخصية، التفضيل الجانبي يحدث فرقا. إنها حقيقة ليست قوية بما يكفي للقول إن الأشخاص المنشقين يميلون أكثر نحو استخدام الأذن اليسرى عند التقاط سماعة الهاتف. فتفضيل الأذن هي طريقة من بين طرق لقياس ذلك، لكن ذلك ليس مهما. الأمر المهم هو ما تمثله الأفضلية، وهذا استعداد بيولوجي نحو الإبداع. إنه ليس تأثير قوي لكنه تأثير كبير. إنه شيء يتعين علينا النظر فيه بشكل أكبر.

المعرفة في وارتن بالعربية: إذا أراد الناس زيادة قدراتهم الإبداعية، هل يمكنهم أن يبدؤوا بوعي الرد على الهاتف باستعمال أذنهم اليسرى لتحقيق شخصية أكثر انشقاقا ؟

غاردينر: لا، حتى لو قمت بتغيير عاداتك، فمن غير المرجح أن يغير هذا تفضيلات دماغك الأولية. عندما أنجزنا هذه الدراسة، استبعدنا الأشخاص الذين يفتقرون إلى استخدام أذرعهم، وآذانهم، وأيديهم، وأعينهم بشكل حر وفعال. على سبيل المثال، إذا أصيب إصبع شخص أو ذراعه بكسر أو يعاني من مشاكل في السمع في إحدى الأذنين مقارنة مع الأخرى، فإنه يستبعد من الدراسة.

عندما يطرح السؤال، "ما هي الأذن التي تود وضعها على سماعة الهاتف؟" من الواضح أن ذلك يعتمد على اليد التي تلتقط بها السماعة. لكن عندما تتحدث عن أي شيء له علاقة بسيطرة يد على أخرى، فإن ذلك مرتبط بذراعك أيضا. يعتمد ذلك على أمور أخرى أيضا. لكن تفضيل الأذن مستقل عن ذلك. كما ذكرت من قبل، الطريقة التي نقيس بها التفضيل الجانبي ليست هي المهمة، إنه استنتاج أن الإبداع، الذي نقيسه بالتفضيل الجانبي، يبدو مهما للانشقاق.

إذن فالتقاط سماعة الهاتف ووضعها في أذن مختلفة لن يحدث أي فارق يذكر، لكن أعتقد أن هذا يعني، من الناحية العملية، أن الإبداع يمكن أن يكون له أساس بيولوجي وهكذا قد يكون للانشقاق أساس بيولوجي طفيف أيضا.

المعرفة في وارتن بالعربية: أنشأت أداة لصالح الشركات تمكنها من التنبؤ مستوى تمايز موظف ما عن بقية الموظفين، تسمى "مقياس الانشقاق" (Maverickism Scale). هل لك أن تخبرينا عن ذلك؟

غاردينر: إنها لا تزال في مرحلة التطوير، ولذلك فهي ليست مناسبة لاختيار الموظفين بعد. ومع ذلك، قد يكون هناك في المستقبل القريب بعض الفائدة باعتبارها أداة تطوير داخلي. على سبيل المثال، إذا كانت شركة ما مهتمة بتشجيع الانشقاق بين موظفيها، عندها يكون هذا المقياس قادرا على توفير مؤشر جيد عن مكان تواجد العاملين ضمن السلسلة. هنا يمكن للمنظمة معالجة قضايا أخرى مثل رؤية البنية والممارسات التي تملكها والتي تخول للناس أن يكونوا منشقين.

على سبيل المثال، فالشركة التي تيتوقع من الناس أن يكونوا خلاقين ويأتون بأفكار جديدة لا بد أن تكون قادرة على تقديم الدعم لهؤلاء الناس، سواء كان تمويلا، أو وقتا مخصصا، أو مرافق؛ أو سواء كان أكثر عمومية، مثل التشجيع اللفظي والدعم.

إذا كان مدير ما سوف يشرف إشرافا دقيقا على العاملين لضمان إنجاز مهامهم بالطريقة التي تُنجز بها دائما، عندها يكون من غير المرجح أن يشعر العمال بالحرية لابتكار هذه الأفكار الخطيرة والتي تغير السوق.

نعتقد أن هذا المقياس سوف يكون مفيدا أيضا للشركات التي تعترف بأهمية الفردانية. عندما نقوم بتوظيف الناس، عندما نحاول تطوير الناس، فإننا عادة نضع لائحة جنبا إلى جنب مع أشخاص آخرين يحتلون قمة لائحة الرغبة. يشترك معظمنا في فكرة أنه من المهم التحلي بروح الفريق، لكن أحيانا قد تحتاج إلى شخص يكون فردانيا. أعتقد أننا نغفل ذلك. إن الأشخاص المنشقين هم أنانيون، ويركزون على تحقيق أهدافهم.

إذا أرادت الشركات نجاح عمالها ومشاركتهم في اقتراح أفكار مبتكرة، فإن أبحاثنا تشير إلى أهمية خلق بيئة متوازنة. يملك المديرون الكثير من القوة هنا بحيث يمكنهم إعطاء فسحة أكبر لموظفيهم حتى يتسنى لهم إبراز إمكاناتهم وتتبع الأشياء الجديرة بالاهتمام. لكن في الوقت نفسه، اسمح للموظفين بمعرفة ما هو متوقع منهم حتى تكون هناك حدود آمنة. لذلك فأي نوع من الخسارة هو خسارة مقبولة. إننا لا نخبر المديرين بالسماح لموظفيهم بالقيام بما يحلو لهم لكن ما نقوله هو إذا كنت تتوقع من الموظفين التصرف مثل من يغرد خارج السرب، عندها تكون بحاجة إلى منح بعض العلاوات حتى يتمكنوا من القيام بذلك. في الوقت نفسه، تحتاج لإدارتهم حتى لا تكون الخسائر أكبر. تدعم نتائج دراستنا حول المخاطرة هذا الاتجاه. يحتاج الموظفون إلى حدود، لكن ولأنهم موجهون نحو تحقيق الأهداف، يمكنهم تحقيق ذلك بطرق أخرى. يبدو الأمر مختلا بشكل من الأشكال، لكن في الوقت نفسه، مع العمل الشاق والمثابرة، فإن التركيز على هذا الهدف يجعلهم قابلين للتكيف.

المعرفة في وارتن بالعربية: في دراستك، وجدت أيضا أن الظروف البيئية لعبت دورا. هل لهذا علاقة منطقية باقتراحك أن المديرين بحاجة إلى تقديم الدعم، والوقت، والتسهيلات حتى يكون الشخص منشقا عن الآخرين؟

غاردينر: نعم، من خلال بحثنا، يبدو أن البيئة تلعب دورا. إذن إذا حقق الأشخاص المنشقون بعض النجاح المبكر، فإن أبحاثنا تشير إلى أنهم لا يستقيلون، إنها تدفعهم فقط نحو الأمام. يُدفع الأشخاص المنشقون نحو النجاح وتحقيق أهدافهم، ويحتاجون إلى بيئة تسمح لهم بتحقيق ذلك، لكن قبولا بهذا الرأي، فإنهم قد يحتاجون إلى بعض الحدود. يظهر بحثنا أنهم يتحملون المخاطر حتى عندما تتم إزالة الحوافز المالية. يحتاج المديرون إلى توفير التوازن الصحيح لهؤلاء الأفراد، من خلال منحهم الحرية، وفي الوقت ذاته، والتأكد من أنها خسارة مقبولة.

"غوغل" مثال جيد لإحدى الشركات التي توفر هذه الحدود. ف"غوغل" تخصص 20٪ من وقت موظفيها للعاملين لمتابعة مشاريعهم الخاصة. لقد تم تطوير فكرة "بريد غوغل" نتيجة هذه المبادرة. "3 إم" 3M مثال جيد آخر. فثقافة "3 إم" تشجع العاملين على تجريب ومحاولة أشياء جديدة، والسماح لهم بارتكاب الأخطاء والتعلم منها. تسهل فكرة التركيز هذه على الهدف وتحقيقه، والاستعداد للنظر إلى الأمور من زاوية مختلفة، تسهل الابتكار.

المعرفة في وارتن بالعربية: أبرزت مفهوم "المنشقين الوظيفيين." هل لك أن تقولي لنا كيف يمكن التعرف على شخصية منشق ذات أداء متدني؟

غاردينر: لقد ركزنا على أشخاص منشقين ذات أداء مرتفع. إنهم يركزون على الهدف ويحققونه، لكنهم يقومون بذلك عبر وسائل غير تقليدية. فشخص يكون انشقاقه أكثر اختلالا هو شخص غير ناجح. على سبيل المثال، إذا كان بول كيف يتوفر على كل هذه الأفكار الكبيرة لكنه غير قادر على الحصول على تمويل رأس المال، فإنه سوف يبقى مبتكرا ومثابرا ويتجشم المخاطر لكن أداءه لن يكون عاليا لأن نجاحه حقا هو الذي يجعل تلك الميول وظيفية.

المعرفة في وارتن بالعربية: أشرت أيضا إلى أن الناس الذين يوجدون في مستويات عالية ومنخفضة على سلم الانشقاق يمكنهم تحقيق النجاح. هناك ريتشارد برانسون (مخاطر عالية)، ووارن بافيت Warren Buffett، الذي أعتقد أنه ينتمي إلى فئة المخاطر المنخفضة.

غاردينر: كثير جدا. يمكنك أن يكون تقييمك منخفضا على مقياس الانشقاق ولا تزال ناجحا لكنك تحقق ذلك بطريقة مختلفة. تحقق ذلك بواسطة العمل الجاد، والعمل جنبا إلى جنب مع الآخرين. تحقق ذلك عن طريق القيام بما هو صحيح من وجهة نظر تقليدية. قد تتحمل المخاطر لكنها مخاطر متدنية جدا. قد تحقق النجاح لكنه قد يستغرق وقتا أطول. فمن خلال العمل الجاد والمتفاني، وليس من خلال فكرة مبتكرة محفوفة بالمخاطر. إنهم أكثر حذرا.

يعود هذا إلى توصيات موجهة لمنظمات آمل تحديدها من خلال أبحاثنا. على سبيل المثال، قد يكون الانشقاق مهما لتلك الشركات التي ترغب في تشجيع المزيد من روح المبادرة والمنافسة داخل الشركات. ومع ذلك، بعد القبول بذلك، أدرك أن معظم الشركات ربما تريد من موظفيها إنجاز العمل وفق طريقة تقليدية ومجربة. ليس هناك حرج في ذلك، ونعرف أن هذه الصيغة نافعة. قد يكون ذلك هو المسار المثالي بالنسبة لبعض المنظمات ونحن لا نعارض ذلك. كل ما نفعله هو تقديم مسار بديل وغير تقليدي لتحقيق النجاح.

المعرفة في وارتن بالعربية: هل ترين أيا من الاختلافات الثقافية التي قد تختلف بحسب النظر إلى الأشخاص المنشقين بين أستراليا وأوروبا والشرق الأوسط؟

غاردينر: نعم، أتوقع بعض الاختلافات الثقافية من حيث الثقافة الوطنية والتفاعل بين الثقافة الوطنية والثقافة التنظيمية. على سبيل المثال، عندما تفكر في الثقافة التنظيمية، فإن القواعد والممارسات وبيئة عمل المنظمة، فضلا عن ثقافة العمال قد تحدد ما هو مقبول وما إذا كان ينظر إلى سلوكيات معينة على أنها تقدمية أو خطيرة. في البلدان التي تتميز بكثير من الطابع الجماعي، قد لا تتوقع شخصا منشقا ذي تفكير مستقل، وتنافسي يحظى بشعبية كبيرة. لكن في البلدان الفردية، يحتفل كثيرا بهذه الصفات. في هذه الثقافات، الانسجام مع الناس ليس دائما على نفس الأهمية مثل النجاح، في بعض الأحيان بكل التضحيات

Published 26/06/2012 in Arabic Knowledge@Wharton

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة