تحديات النمو للمقاولين التكنولوجيين في الأردن

اقرأ بهذه اللغة

تمكنت الأردن من تجنب الاضطرابات السياسية والعنف الذي شهدته الدول المجاورة مع ثورات الربيع العربي. ويرجع هذا الاستقرار لحكم الملك عبد الله الثاني، الذي ما زال يتمتع بدعم شعبي، والذي قد دعا لمسيرة إصلاح بطيئة لكنها ثابتة.

وكان عبد الله أيضا من دعاة تعزيز ثقافة روح المقاولة عالية التكنولوجيا في البلد. هذه هي السياسة التي تأتي بالأرباح، وخاصة في ما يتعلق بصناعة تكنولوجيا المعلومات والاتصال. وترى جمعية إنتاج للمعلومات والاتصال التي تتخذ من الأردن مقرا لها أنه خلال عقد من الزمن فقط أصبح قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات يمثل 14 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلد.

و وفقا لجمعية إنتاج، تحقق الصناعة في البلد نجاحا فاصلا للمنطقة، حيث جنت85 مليون دولار أمريكي من وراء اقتناء ياهو لمكتوب وهو خدمة بريد إلكتروني وبوابة عربية في عام 2009. و تقدر الأردن أن أكثر من 50 في المائة من الشركات الناشئة الآن تنتمي الى مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، بما في ذلك الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والأعمال التجارية عبر الإنترنت، وتطوير الألعاب. كما جذبت الصناعة أيضا الاستثمار الأجنبي: ما يقارب15 مليون دولار أمريكي في الاستثمار الأجنبي المباشر في عام 2010.

على الرغم من هذه الإنجازات، فإن مقاولي تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الأردن ظلوا يواجهون بعض العقبات التقنية في البداية على غرار جميع أنحاء المنطقة. واستخلصت دراسة حديثة قام بها الباحث جميل واين Jamil Wyne من فولبرايت حول النظام الإيكولوجي لإدارة لأعمال في الأردن أن البلد قد تمكن بسرعة من تطوير بنية تحتية متينة في التكنولوجيا، ولكن تبقى أهم ثلاث تحديات للنمو متمثلة في الجانب البشري و كذا في العثور على الموهبة المناسبة، ومعرفة كيفية تسويق المنتجات والوصول إلى المستثمرين الملائكة.

يلاحظ واين أن الحلول لهذه المشاكل تبدأ "من إشراك مجموعة أوسع من الأردنيين في المشاريع التقنية وتعزيز المزيد من التعاون الصناعي و "إيجاد سبل لجذب كل من رجال الأعمال الصغار والكبار في النظام البيئي، وجذب المزيد من المقاولات التي تشرف عليها فعاليات نسوية وتحديد الآليات بغية دمج تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ضمن الصناعات الأخرى باعتبارها من الأولويات".

إيجاد الدعم المالي

كما هو الحال بالنسبة لبقية دول المنطقة، فإن أصحاب المشاريع الشباب في الأردن يقولون أن الحصول على الدعم المالي الأولي لشركاتهم لا يزال يشكل التحدي الأكبر، ويرجع ذلك جزئيا إلى صعوبة الوصول إلى أصحاب المشاريع الملائكة، وهي مشكلة لا يواجهها نظرائهم في منطقة وادي السيليكون.

لا يعد الحصول على قروض من المصارف خيارا واردا بالنسبة للعديد من أصحاب المشاريع الناشئة نظرا لأنهم لا يملكون أية أصول مادية، وهو شرط أساسي لتسهيل الحصول على القروض في الأردن. وقد سهلت المصارف في البلد على الشركات المبتدئة فتح حسابات. وقبل خمس سنوات، كان الحد الأدنى لفتح حساب 30000 دينار أردني مع وجوب إيداع الفرد 50 في المائة في البداية.

أما الآن، فإن المقاول يحتاج إلى دينار أردني واحد فقط على الأقل لبدء عمل تجاري. ومع ذلك، ينص القانون الأردني على أن من يفقد 50 في المائة من رأس المال خلال السنة الأولى من العمل سوف يتلقى تحذيرا من الحكومة، وإذا كانت الخسائر أكثر من 75 في المائة، فإنه يكون للحكومة الحق في التدخل لإيقاف الأعمال التجارية. على الرغم من أنه مثال مبالغ فيه، إذ يمكن أن يسلب شراء مجرد قلم 75 في المائة من المال في المصرف إذا كان هناك دينار واحد فقط في الحساب. ونتيجة لذلك، لا تزال هناك حاجة إلى إجراء بعض التعديلات في اللائحة التنفيذية لاستيعاب الحد الأدنى الجديد.

و يتمثل المشكل الآخر في جانب التنظيم إذ أن المقاولات التي تضم أقل من خمسة موظفين لا يمكن أن تسجل بالضمان الاجتماعي. وفي هذا السياق، فإن أي شركة ناشئة ليس لديها مقر حقيقي ستعاني من مشاكل في الحصول على أساسيات الأعمال التجارية، مثل خدمة الإنترنت، ورقم الهاتف، والرخصة التجارية المناسبة. هذه مسألة تقسيم المناطق، والعديد من الشركات الناشئة في مراحل جنينية ليس لديها، على سبيل المثال، أماكن للعمل أو غيرها من الأصول المادية عدا أجهزة الكمبيوتر الخاصة بها. و قامت الأردن مؤخرا بسن قانون التجارة الإلكترونية، الا أنه لا لم يدخل حيز التنفيذ بعد.

عاينت دراسة واين 105 رجل أعمال، و 25 فقط منهم قالوا بأنهم يتلقون استثمارات الملائكة. ووفقا لعابد شملاوي الرئيس التنفيذي لجمعية إنتاج٬ فإن المزيد من المستثمرين أصبحوا أكثر تقبلا للشركات الناشئة. كما أن إحدى المؤسسات الرائدة في هذا المجال هي وازيس ٬500 و هي شركة استثمار للشركات في بدايتها الأولى. والفريد في الأمر أن هذه الشركة التي تتخذ من الأردن مقرا لها تقوم بتدريب الشركات من الألف إلى الياء، وتعبئة المستثمرين في المنطقة حول فوائد الاستثمار في الشركات خلال المراحل المبكرة.

لحد الآن، و في الأشهر ال 18 الأولى من العملية، قامت وازيس500 بتدريب أكثر من 620 رجل أعمال في معسكراتها التدريبية، واستثمرت في أكثر من 52 شركة ناشئة، وأدخلتها برنامج التعجيل و الحضانة. لكن واين يشير إلى أن الطلب على التمويل كبير جدا. وتتلقى وازيس500 طلبات من ما يصل إلى 1000 شخص من المتقدمين كل ربع سنة. كما قال أنه "حتى لو حدث أن التقى المقاولون بمحض الصدفة مع المستثمرين الملائكة الذين لديهم رغبة في الاستثمار، فقد لا تكون هناك قدرة كافية على مستوى التمويل من أجل تلبية احتياجات الواقع التنظيمي الحالي".

جمع المواهب

حتى الشركات الناشئة التي لديها تمويل تجد صعوبة في جذب المواهب المناسبة إذ أن هناك مشكلتان تعترضان الطريق: عدم وجود أفضل المتقدمين للاختيار من بينهم، أو عدم وجود ما يكفي من المال لجذب المرشحين المرغوبين.

وفي تفسير قدمه جليل اللبدي، الشريك المدير، في بوابة الكترونية طبية عربية تسمى "الطبي" الى واين قال أنه "كان علي أنا و الموظفين بمكتبي بالاطلاع على ما لا يقل عن 400 سيرة الذاتية من أجل العثور على مبرمجين اثنين". وأوضح قائلا "كان العديد ممن استجوبنا ببساطة غير مؤهلين، وحتى أولئك الذين وظفناهم في نهاية المطاف ليس لديه الخبرة والتدريب المطلوبين".

هناك جانب آخر لمسألة الموارد البشرية وهو حاجز اللغة. ففي حين أنه من الممكن القيام بأعمال تجارية باللغة العربية على مستوى ضيق ومحلي، يصبح القيام بذلك أكثر صعوبة حين تصبح شركة تعمل على نطاق إقليمي أو دولي، خاصة في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. فلغة الإنترنت هي اللغة الإنجليزية، كما أن التواصل مع أطراف ثالثة خارج الأردن يتم باللغة الإنجليزية في الغالب.

و يدعي المقاولون في الأقاليم مرارا وتكرارا أن الثقافة هناك جد متشائمة بالنسبة للشركات الناشئة، وأنها معركة شاقة للشباب في بلد قليل الدخل إلا أن هناك بعض التغيير: ووفقا لتقرير واين، أكثر من 90 في المائة من المستجوبين صرحوا بأن الفرصة للابتكار كانت أحد الأسباب المهمة لتأسيس شركة جديدة. إذا كانت هناك فرصة لمغادرة شركة للعمل أقل لدى شخص ما، قال أن ما يقارب 95 في المائة منهم سيرفضون ذلك. بينما قال 81 في المائة أنهم سيرفضون العمل بأجور أعلى في مكان آخر.

و وجد تقرير واين أيضا أن قلة قليلة من بين أصحاب المشاريع الذين شملهتم الدراسة يقولون بأن التعليم الجامعي كان عاملا هاما في قرارهم ليصبحوا مقاولين. وأضاف "إذا لم تناقش الجامعات الأعمال الحرة، ولا تحفل بالمقاولين ولا تعرض على الطلبة حتى المؤهلات الأساسية المتعلقة بالاهتمام بمجال إدارة الأعمال، فلن يكون للطلاب اهتمام كبير بالعمل في الشركات الناشئة، ناهيك عن خلق واحدة أنفسهم".

يجد الكثيرون أن هناك أخطاء بالنظام التعليمي إذ يتخرج من الأردن5000 طالب من شعبة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات من الجامعات سنويا، و مع هذا لا توفر الجامعات طلبة بالمواصفات المطلوبة في ما يخص المتقدمين لمعظم الشركات. وفي هذه اللحظة، هناك فجوة كبيرة بين القطاع الخاص والأوساط الأكاديمية. ويقول شملاوي أن هذا يمكن أن يكون راجعا للصعوبة التي تجدها الأوساط الأكاديمية في مواكبة القطاع الخاص بسبب استخدام تكنولوجيا أو برامج تعليمية عفا عليها الزمن.

وبالإضافة إلى ذلك، يزعم علاء سليمان، الرئيس التنفيذي والشريك المؤسس لمسموع و دار نشر رقمية عربية لإنتاج و نشر الكتب السمعية، أن أساليب التدريس غير مواكبة للعصر، وأن العديد من الجامعات لا تدرس إدارة الأعمال. كما قال " في الجامعات الأردنية، يعلمونك كيف تصبح موظفا". على عكس الجامعات الغربية، حيث يتم بناء حس القيادة يعد عنصرا أساسيا في المناهج الدراسية، يبدو أن العديد من الجامعات الأردنية تعلم الطلاب كيف يصبحون موظفين بدل المخاطرة أو الطموح.

الحواجز التي تعترض النساء

يوضح تقرير واين سمة أخرى واضحة على الساحة الأردنية على مستوى إدارة الأعمال التقنية حيث أن الشباب يسيطر على القطاع. وأشار إلى أن 27 في المائة فقط من أصحاب المشاريع شملهم الاستطلاع من النساء، ونحو 70 في المائة من جميع أصحاب المشاريع هم دون سن الثلاثين.

وتبقى أكبر الحواجز التي تعترض سيدات الأعمال الأردنيات هي تلك المتعلقة بالثقافة. "عندما تتزوج النساء وينجبن الأطفال فإنهن يتركن وظائفهن لرعاية أطفالهن،" يقول شملاوي ". و بعد ذلك، عندما تريد إحداهن العودة إلى صفوف اليد العاملة، فإنه يصعب عليها الحصول على وظيفة لارتفاع معدلات البطالة في الأردن. ونتيجة لخيار المرأة في المغادرة بسبب الأمومة، لا تحضى بالأولوية في عملية التوظيف". وأضاف قائلا أنه بالنسبة للإناث المتزوجات خاصة، يكون من الصعب التمكن من توفير رعاية للأطفال في الوقت الذي تعمل فيه رفقة زوجها.

و يتجلى حاجز ثقافي آخر في عدم استطاعة النساء العمل لساعات متأخرة. وقام أحد الطلبة الأردنيين بسرد قصة صديقة حاولت فتح مخبزة، حيث كان عليها أن تبقى في المخبزة كل ليلة حتى الساعة 11، ونتيجة لذلك اضطرت إلى تصفية أعمالها التجارية. هذا التقييد على ساعات العمل هو تحد كبير للنساء صاحبات المشاريع حيث أن إنشاء شركة جديدة يتطلب ساعات لا تحصى من العمل في المكتب، وذلك بناء على المرحلة التي بلغها المشروع.

تشير شركة وازيس500 إلى أنه على الرغم من أن شركات الصغرى التي تديرها النساء هي أكثر تقبلا على المستوى المحلي، إلا أن الأمر يصبح أكثر صعوبة في حال ما إذا أصبحت شركة سريعة النمو وتحولت إلى شركة إقليمية أو دولية. ففي هذا المستوى، قد يتعين على المرأة المعنية القيام بالعديد من الأسفار، خاصة النساء المتزوجات اللاتي لديهن أسر، وهي مهمة من الصعوبة بمكان. و تزعم الشركة أيضا أن الأسر في الأردن تميل لدعم الذكور في العائلة أكثر من الإناث.

يقول شملاوي كانت هناك بعض التحسينات، إذ أن الثقافة أصبحت أقل تحفظا، و أصبحت تجيز للمرأة أن تكون في قوة العمل، خاصة في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. ونظرا الى انتماءها الى صنف الوظائف المكتبية بشكل كبير، يتم تحبيد تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بالنسبة للإناث حيث أنها تعتبر "ملائمة" لهن. ويقول أنه من النادر، على سبيل المثال، أن تجد نساء يعملن في قطاع التصنيع أو التغليف.

وبالإضافة إلى ذلك، قال شملاوي أن الضمان الاجتماعي يدفع الآن لإجازة الأمومة، التي تساعد المرأة العاملة بشكل كبير. وقد صدر أيضا قانون جديد مؤخرا من شأنه أن يسمح للشركات الصغيرة في حوالي ثلاثين فئة مختلفة بالحصول على الرخص التجارية للعمل انطلاقا من منازلهم. كان هذا الأمر نقطة تحول بالنسبة للنساء إذ أصبح بإمكانهن التوفيق بين الحياة العملية و الحياة الأسرية على نحو أفضل. ومع ذلك، ترى إحدى النساء التي حاولت تسجيل شركتها في اطار هذا القانون الجديد أنه لازالت هناك حاجة لتطبيق قوي للقانون.

لاحظ واين أن التعامل مع القضايا الثقافية التي تحول دون تمكن المرأة من تحقيق ولوج لافت في مشاريع التكنولوجيا ليس سهلا، إلا أنه بوسع الأردن الاضطلاع بدور قيادي من أجل التغيير. و خلص واين الى أنه "إذا كانت الأردن ستوفر المزيد من الحوافز لتشجيع الشابات وسيدات الأعمال، فسيكون من شأن هذه الخطوة خلق نموذج للبلدان الأخرى".

Published 21/08/2012 in Arabic Knowledge@Wharton

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة