وداعاً ميزادو، أهلاً جوميا: نظرة من الداخل إلى آخر مقامرات روكيت إنترنت في مصر

اقرأ بهذه اللغة

"جوميا"، المولود الجديد للعملاق الألماني السيئ السمعة "روكيت إنترنت"، هو مركز تجاري أو مول جديد على الإنترنت، انطلق من دون ضجة كبيرة في مصر قبل شهرين. و"روكيت" هي شركة لبناء المشاريع لديها مندفعة بشكل لم تعهده المنطقة من قبل. وكل من لديه اهتمام بالبيئة الحاضنة للريادة في مصر أو الشرق الأوسط وشمال افريقيا ناهيك عن منافسي الموقع الإقليميين، منهمكون الآن بمشاهدة هذا المستنسخ الجديد عن أمازون بشكل وثيق خصوصاً بعد الإغلاق الأخير المفاجئ لمستنسخ مشابه هو ميزادو. لذلك حين دعاني مدير التسويق في جوميا، بيار هيرفي لزيارته في مقرّ الشركة في المعادي، تلقفت فرصة سبر أغوار الوحش.

كان أول ما لفت نظري في مكان العمل المفتوح هو المدخل المكشوف حيث لا يوجد قاعة استقبال إضافة إلى وجود مكتبين زجاجيين في زاويتي المكان ومكاتب مصطفة وراء بعضها البعض لموظفين يتحدثون على الهاتف ويكتبون على أجهزة الكومبيوتر المحمولة أو يجرون أحاديث جماعيّة. الجميع في ريعان الشباب حيث لا يتجاوز متوسط العمر 25 عاماً. وكان المكان صاخباً وحيوياً ولكن إذا قلت إن التصميم متواضع أقلل من قيمته. والأمر الواحد الواضح هو أن كلّ تركيز هؤلاء الشباب هو على العمل.

بعد استقبال حار من بيار، وجدنا مكاناً شاغراً على أحد المكاتب وتوجهنا مباشرة إليه. وأخبرني أنه انضم إلى "روكيت" بعد إكمال ماجيستير إدارة الأعمال في الريادة من كلية "HEC " لإدارة الأعمال. وكان مشروعه الأول في فييتنام للمساعدة في إطلاق لازادا للتجارة الإلكترونية للمستلزمات المنزليّة والأجهزة الإلكترونيّة، وقد زاد عدد الموظفين من 5 إلى 150 في ستة أشهر وهي حقيقة يحق له أن يفخر بها. ومن ثم جاءت "جوميا" ومصر. فـ"جوميا" بدأت قبل ثلاثة أشهر بستة أشخاص ثلاثة منهم كانوا مدراء هم بيار ومديرة البيع راوية عبد الله ومدير العمليات أوليفيه اكزو. وكان أوليفيه يلعب الدور ذاته الذي قام به في لازادا وهو أيضاً يحمل ماجيستير في إدارة الأعمال من "HEC". أما راوية فعملت في مجموعة بوسطن الاستشارية-دبي قبل الاستسلام لإغراء "روكيت"، كما أنها تحمل ماجيستير في إدارة الأعمال من هارفرد..هل لاحظتم أن هناك اتجه مشترك لدى الثلاثة؟

أكد بيار أن جوميا يملكها المستثمرون بالكامل لذلك لا يوجد مؤسسون بالمعنى الطبيعي الذي نعرّف به المؤسسين. ولا يملك أيّاً من الموظفين حصصاً ولكن هذا قد يتغير في المستقبل. بالطبع يلزم القانون المصري الحالي الشركات بأن يكون لديها مديراً مصرياً واحداً على الأقل. ولكن لا يوجد مدير فنّي في جوميا لأن الموقع طوّره فريق آخر من روكيت في البرتغال.

هنا يبرز سؤال: ما الذي حصل لفريق ميزادو المصري؟ فالشركة لديها مقر في دبي وتورّد منتجات إلى مصر لذلك حين أغلقت ميزادو أبوابها، اختفت ميزادو مصر تلقائياً. ولكن لماذا أغلقت الشركة أبوابها؟ يجيب بيار مبتسماً "أهم ما في روكيت أنها براغماتية. فإذا لم تكن إحدى الشركات تبلي حسناً كما هو مخطط لها، تقفل".

إذا لماذا اختيرت مصر لتكون القاعدة الجديدة؟ يشرح بيار إن "مصر لديها إمكانيات كبيرة وهي من أكبر بلدان أفريقيا ولديها نسبة جيّدة من استخدام الإنترنت، كما لاحظنا أن النشاط على الإنترنت ازدهر كثيراً بعد الثورة". وما هو دور "جوميا نيجيريا" أو "جوميا المغرب"؟ يجيب بيار إن "معظم مشاريع روكيت هي شركات مستقلة ولكننا نتشارك الموارد والأفكار وأفضل الممارسات. وساعدتنا التجربة النيجيرية في اختيار المنتجات التي تناسب الإطلاق وتشكيلة الفريق وحملة التسويق".

تقوم الخطوة الأولى على التوظيف القاسي عبر زيارات للجامعات وكليات إدارة الأعمال والفعاليّات والنشر على لينكيد إن والتوصيات الشخصيّة. فالتشبيك هو بشكل عام وسيلة التوظيف لدى روكيت، إذ تتناسب فعاليتها مع كلفتها وهي سريعة. ويشرح بيار قائلاً "نحن نتطلّع إلى أشخاص شباب ومندفعين وموهوبين وعادة ما يحملون ماجيستير في إدارة الأعمال أو متخرجين حديثاً. والأهم هو عقليتهم حيث يجب أن يكونوا قادرين على الاعتماد على أنفسهم وأن يكونوا رياديين ومتحمسين لبناء شركة من الصفر". ولكن قد يعتبر البعض أن الموظف الذي لا يخاطر بأي مال لا يمكن أن يسمّى ريادياً لذلك فإن "ريادياً من الداخل" قد تكون الصفة الأفضل.

خلال زيارتي عرفت إحدى الموظفات، نسمة الفار، التي كانت جزءاً من مجتمع رواد الأعمال في الجامعة الأميركية في القاهرة التي استضافت منافسة "ذا هيت" قبل بضعة أشهر. ولكن لماذا انضمت إلى "جوميا"؟ تجيب "تحمست للانضمام بعد أن عرفت أنهم بدأوا مشروعاً جديداً مختصاً ببيع الأزياء على الإنترنت. وأعتقد أنه سوق لم يَلِجه أحد في مصر ومن شأنه أن يغير أطباع الزبائن باتجاه التجارة الإلكترونية". وأكّد بيار بدوره أن الأزياء هي حقاُ خط جديد يطلقونه في منتصف أيلول/سبتمبر لبيع كل شيء، بدءاً بالأحذية مروراً بالقمصان وصولاً إلى الحجاب. ولهذا السبب لا يوجد "نمشي" في مصر.

انطلق الموقع رسمياً قبل شهر فقط حين أصبحوا 23 موظفاً. واليوم لديهم 60 ويستمرّ توسّعهم على أن تكون المرحلة التالية نشر الوعي حول العلامة التجارية وخطوة باتجاه مكتب أكبر جديد في الجوار.

ماذا عن الخدمات التي تقدمها الشركة؟ صادفت أني اشتريت من "جوميا" قبل بضعة أسابيع، حيث لاحظت أن الموقع مقدم بطريقة جيّدة وهو يشبه مواقع التجارة الإلكترونية العاديّة، فقد وجدت ما أبحث عنه بسهولة واشتريته. وفي اليوم التالي اتصل بي أحد من قسم خدمة الزبائن وأمطرني اعتذارات وهو يبلغني أن ما طلبته غير متوفر في البضاعة المخزنة وقدم لي قسيمة شراء إلكترونية بقيمة 100 جنيه مصري تعويضاً عن المتاعب التي سببوها لي، وفي الواقع كنت سعيداً واشتريت شيئاً آخر. ولكن سعادتي لم تكتمل بعد أن استغرق أسبوعين ليصل لذلك كي أكون منصفاً أقول إن الخدمة جيدة بمستوى الخدمة في موقعي "سوق" و"نفسك" المنافسين. وقال بيار إنه يفضل سوقاً فيه منافسين معروفين جيداً لأن الزبون ذكي والمنافسة تتحمّل العبء الأكبر والأصعب في إنشاء السوق.

أما أسعار "جوميا" فهي أقل من المنافسة، وأكد بيار أن التسعير التنافسي حيوي للنموذج التجاري كما أن جميع المنتجات حتى الآن جلبت من مصادر محليّة وهو أمر كان صعباً في دبي. ويعود لك أن تقرر ما إذا كانت هذه الأسعار المنخفضة تساوي المهارات التفاوضية لـ"جوميا" أم أنها فاتورة لخرّيجين جدد.

من المعروف أن روكيت لا يطلق نسخاً تجريبية (بيتا) ولكن من السهل ألاّ تكرّر كثيراً حين تقوم ببساطة بالنسخ واللصق. تنطلق مشاريعهم بشكل سريع وإذا لم يتم الحفاظ على معدل وسطي للسرعة فإنهم ينسحبون من السباق. هذه المقاربة القاسية، عذراً، البراغماتية، ستكون مدمرة بالتأكيد، ليس أقله للمجتمع الاستثماري هنا الذي اعتمد مقاربة مترويّة وتتجنب المخاطرة. وهنا تكمن المفارقة نظراً إلى أن المجتمع الاستثماري المحلي متأثر بشكل كبير بالولايات المتحدة وهذه الأخيرة معروفة بعقليتها المتحجرة، عذراً، الرأسمالية التنافسية. وبالفعل أظهرت روكيت إيماناً بالمصريين أكثر من إيمان العديد منهم بأنفسهم.

فهل ستبلغ "جوميا" هدفها الصعب بأن تكون المول الأول على الإنترنت في مصر خلال عام واحد؟ لا أعرف. ولكن ما أعرفه الآن أني والزبون والموظفون سعداء لأنهم أتوا إلى هنا.

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة