أتفتح المقاهي بابًا جديدًا للإبداع في العالم العربي؟

اقرأ بهذه اللغة

منذ بداياتها في إسطنبول في القرن السادس عشر تستخدم المقاهي كساحات مناقشة حرّة مرتجلة، وأماكن يحدث فيها التلاقي وتناقل الأفكار بين جماعات مختلفة كلّ الاختلاف، ونقطة انطلاق أفكار كبرى.

شكّلت المقاهي في أوروبا محورًا للأحاديث العلميّة والفنيّة. كان جو المجالس الأليف المريح يسمح للناس، مهما كانت خلفيّاتهم، بالتواصل والاختلاط والتشارك. تداخلت عدّة مجالات بعضها بالبعض وتزاوجت وأنجبت أفكارًا رياديّة في بيئة تميّزت بالتفاؤل والإلتزام السياسي. أي وبمعنى آخر، كان مفهوم المقاهي بعيدًا كلّ البعد عن كونها أماكن متعة بحتة أو مأوى للهائمين الوحيدين المتكاسلين.

في فيينا خلال القرن العشرين، إستاضفت صاحبة الصالون الأدبي النافذة بيرتا تزوكركاندل الفنانين والعلماء والكتّاب والمفكرّين في غرفة الجلوس في منزلها. وكان جوّ مجلسها يحرّكه مبدأ تبادل الأفكار الفنيّة والعلميّة الحرّ، ما ألهم الفنانين لابتكار أعمال مستوحاة مثلاً من هيكليّة خليّة حيويّة. لماذا؟ لأنّ الريادة، بحسب أقوال ستيفن جونسون، "ليست مسألة تفكير خارج الإطار المألوف بقدر ما هي إفساح المجال أمام الأذهان بالتنقّل بين أطر مختلفة. فذلك التحرّك يجبر الأذهان على مقاربة العوائق الفكرية من مناظير جديدة."

بتنا نعلم الآن إذًا انه تم بناء أستوديو "بيكسار" بطريقة تولّد بكثافة الصدف واللقاءات غير المقصودة، تمامًا كالمقاهي التقليدية، فتدفع إلى نشوء تفاعلات بين مختلف أقسام الشركة. في الوقت عينه، يُشجَّع الموظّفون على تكييف فضاء مكتبهم ليناسب شخصيّتهم. والأمر ينطبق كذلك على المبنى 99 التابع لـ"مايكروسوفت" Microsoft حيث يسهل تغيير مكان جدران المكاتب لتلائم حاجات الموظفين، ناهيك عن طبيعة واجهة الجدران التي تستخدم كأي لوح عادي للكتابة والمحو السهل.

كما أنّ التفاعل والتعاون الإجتماعيين أساسيان لحلّ المشاكل على نحو خلاّق، كذلك هما السكينة والوقت الشخصي. فوقت الهدوء لا يساعد على تنمية الدماغ فحسب، بل يوفّر أيضًا البيئة المثلى لاكتساب مهارات جديدة. لا يخفى على أحد أنّ عناصر الإلهاء وتشتّت الذهن تمنع تطوّر المواهب وأنّ الضجّة المجتمعيّة قد تؤذي عمليّة النمو.

في الحقيقية، يعارض الكثير من المعلمّين الملهمين الكبار ثقافة التفكير الجماعي. أشار الشريك المؤسس في "آبل" Apple ستيف فوجنياك في سيرته الذاتية إلى أنّ "معظم المخترعين والمهندسين الذين التقيتهم يشبهونني. هم خجولين ويعيشون في عالمهم الخاص. والأنجح من بينهم هم فنّانين. والفنانون يعملون بشكل أفضل عندما يكونوا لوحدهم."

يتابع فوجنياك "إنّي سأعطيكم نصيحة قد لا تتقبّلونها بسهولة، وهي "العمل المنفرد". ستتمكّنون من ابتكار منتجات وتطبيقات ثوريّة إذا عملتكم بمفردكم، لا ضمن لجنة ولا مع فريق."

لكن لا ننسى أنّه في الوقت الذي كان فوجنياك يطوّر فيه "آبل 1"، أخذ بآراء وتعليقات من قبل أعضاء Homebrew Computer Club، نادي الهندسة الذي يلتئم فيه من يتشاركون الاهتمامات ذاتها. "كانوا يطلعونه على المعالج الدقيق الذي سيصدر ويساعدونه على اقتفاء الأخطاء في لوحة الدوائر الإلكترونية وإصلاحها. ثمّ ينصحونه حول استعمال الأقراص المرنة ويعطونه اقتراحات حول التفاوض مع المورّدين." (مقتبس من كتاب  Imagine: How Creativity Works للكاتب جون ليرر)

لا شكّ أنّ وادي السيليكون شهد قصص نجاح كثيرة على غرار "إنتيل" Intel، و"آبل" Apple، و"سيسكو" Cisco، و"أوركل"Oracle،  و"سن مايكروسستمز" Sun Microsystems، ولاحقًا "نتسكيب"Netscape، "جوجل" Google، "نتفليكس" Netflickx و"فايسبوك" Facebook. لم يتكرّر النجاح في أي مكان آخر لأنّ وادي السيليكون كان قناةً للتدفق الحرّ للمعلومات والمعرفة، والتفاعل في أندية الكمبيوتر والمطاعم والبارات، بالإضافة إلى أماكن أخرى شبيهة بالمقاهي.

علمت مؤخرًا أنّ الحجّ لم ينحصر في السابق على إتمام الواجبات الدينية، بل شكّل نقطة لقاء لعلماء ومفكّرين يأتون من جميع أنحاء العالم من أجل مناقشة آخر التطورات المتعلّقة بمجالاتهم. ولم يكن يومًا بيت الحكمة منشأ الريادة الوحيد الذي أطلق شرارة العصر الذهبي للإسلام.

لا زالت تعتبر مقاهٍ أوروبية وأميريكية كثيرة إلى اليوم مقصداً للفكر المتفتّح، توفّر منصّة مثالية للمحادثات الجماعيّة الزاخمة والتأملات الهادئة على حدّ سواء. تدأب تلك المقاهي على دعوة فنانين محلّيين لعزف الموسيقى وتضع في متناول الحاضرين مجموعات جيّدة من الكتب والألبومات الموسيقية، مشجّعة بذلك الزائرين على اختبار عوالم خلاّقة جديدة. 

أضف إلى أنّ هندسة المكان وتصميمه مؤاتيان تمامًا لتأمين جوّ التركيز المنشود، بفضل الإضاءة المدروسة والمفروشات المريحة وغياب شاشات التلفزيون الملهية، حتى أنّ بعض المقاهي تخصّص أقسامًا صامتة للدراسة.

هذا الشعور بالتنوّر النهضوي يغيب في معظم المقاهي العربية حيث تطغى الموسيقى الصاخبة والشاشات الوهّاجة على التبادل الثقافي، لتخنق تلك الأماكن العابقة بالنرجيلة أيّ بصيص إبداع، غير مرحّبة بـ"المستمعين المتعطّشين للمعرفة" كما في الأيام الغابرة. وإن أردنا أن نشهد عصرًا متجدّدًا من الريادة في العالم العربي، ربما تكون المقاهي منطلقًا لا بأس به.

هيا ننطلق إذًا، ونطرح على أنفسنا السؤال التالي: كيف نحوّل مكان لقاء إجتماعي يولّد شبابًا كسولاً إلى محفّز على المشاريع الريادية والأفكار الخلاّقة؟

1) صمّم مكاناً مدروسًا للاختلاط والتلاقي الفكري: تكمن الخطوة الأولى والأهمّ في خلق بيئة عمل مريحة تشجّع على التبادل الفكري وعلى تدفّق الأفكار الطبيعي وتطوّرها. في نهاية المطاف، يحتاج الناس إلى الجلوس بشكل مريح والتحادث مدّة طويلة من الوقت، مع التلذّذ بتلك الإجتماعات العفويّة التي قد تلتئم في أي وقت. لمَ لا الإستعانة بمهندس وطبيب نفسي في هذه الحالة، نظرًا إلى أنّ أطبّاء النفس يفهمون كيف تساهم العناصر والإشارات المرئية المختلفة في تكييف طريقة تفكيرنا.

 2) زيّن جدارك بأعمال فنانين محلّيين وانس أمر التلفاز: امنح الفنانين والموسيقيين والشعراء فرصة ليعرضوا أعمالهم ومواهبهم. من المؤكد أنّ الزبائن سيسرّون ويتأثرون بهذه الخطوة الجديدة. 

3) وسّع مكتبتك وحفّز التبادل الفكري: "كانت مقاهي لندن أول من وضع الصحف اليومية في متناول الزبائن، ما جذب المفكّرين والطلاّب المتحمّسين للتجمّع ومناقشة كلّ ما يتعلّق بالشؤون والتوجّهات الحالية التي تؤثر على المجتمع." فاحرص جيّدًا على تأسيس مجموعة متنوعة من الكتب والمجلاّت، لأنّ القراءة ستبقى القناة الأسمى لنقل الأفكار ووجهات النظر المثيرة للجدل. 

4) قم بدعوة مفكّرين وأساتذة جامعيين وطلاّب وهواة. استضف إجتماعات وورشات عمل، وافسح المجال أمام الناس لدراسة مشاريعهم والعمل عليها في مقهاك. كلّ تلك الخطوات ستزيد حتمًا من التأثير الفكري وتشكّل نفاذًا أكاديميًّا حتى لمن لا ينتمي إلى المجموعة. ولتحقيق مزيد من التقارب، أرسل دعوات طريفة مبتكرة إلى مجموعة محدّدة من الأشخاص، تعلن فيها على سبيل المثال أنّ "الليلة، الشوكولاتة الساخنة والحلويات على حسابنا. هيا انضمّوا إلينا وادرسوا في مقهانا."

5) كافئ المبادرات والأفكار الخلاّقة التي تنشأ من مقهاك. نظّم واستضف مثلاً مسابقات أسبوعية تطلب فيها من المشاركين إبتكار حلول لمشكلة معيّنة يعاني منها المجتمع المحلّي، فتضع شروطك الخاصّة أو توفّر للمشتركين مجموعة أدوات. ثمّ اسأل الجميع في نهاية الأسبوع أن يعرضوا حلولهم في المقهى أمام لجنة خبراء، واحرص على أن يتم تطبيق الفكرة الرابحة.

6) لا للنرجيلة ونعم لجوّ نقيّ. جو نظيف صحيّ سليم يميّز مقهاك. إلتزامك بهذا المبدأ سيعكس حقًّا الثقافة التي تسعى إلى نشرها.

هي بضعة أفكار بسيطة قد تنجح في تحويل المقاهي العربية إلى بيئات محفّزة تغذّي الإبداع والنمو. واليوم، للأسف، يتمّ التغاضي عن منحى إعادة تحديد مفهوم وتصميم المقاهي، رغم أهميّته في عمليّة التنمية في العالم العربي.

كلّ الأفكار المطروحة في هذا المقال تعالج موضوع المقاهي، إنّما يمكن تطبيقها على كافتيريا الشركات والردهات والأماكن الترفيهية وغيرها، فتخيّل الإمكانيّات!

ما رأيك؟ شاركنا أفكارك حول تحويل المقاهي إلى محاور تأمّل وخيال إبداعيّ.

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة