"مساحة" لدعم مبادرات تنمية المجتمع المصري

اقرأ بهذه اللغة

إذا قمت بجولة في مقاهي القاهرة، ستلاحظ مجموعات من الشباب المجتمعين حول طاولات مشتركة، ليس لتناول الطعام أو التسلية، بل للعمل. لقد أصبح هذا الأمر معتاداً في مصر في السنوات القليلة الماضية، وأصبحت المقاهي ملجأ لرواد الأعمال وكلّ من يعمل على مبادرة جديدة أو مشروع صغير، أو حتى فكرة قيد الإنشاء، لكنه لا يملك مساحة للعمل فيقصد المقاهي. لهذا السبب أُنشِئت "مساحة"!

جاءت مبادرة "مؤسسة مساحة لتنمية المجتمع" نتيجة لحاجة مؤسّسيها لمكان يعملوا فيه، جمعهم اهتمامهم بالعمل الاجتماعي والعمل الحرّ. وكانوا يضطرون إلى الذهاب للمقاهي للعمل، لكنها صاخبة ومكلفة.

أكثر من مكان للعمل

توفر "مساحة" مكان ملائم، يتسم بالهدوء الذي يحتاجه الشباب لإنجاز مبادراتهم، من دون أي كلفة مادية. وتضيف "مساحة" عدة عوامل تشجع الشباب على العمل الاجتماعي، مثل التواصل. أول ما يلفت انتباهك عندما تدخل "مساحة" هي لوحة كبيرة، تضم أسماء ونبذات صغيرة عن كل من يستخدم "مساحة" لإنجاز أعماله. من مبادرات تعمل على إعادة تدوير المخلّفات، إلى أخرى تهتم بتنمية المجتمعات الريفية، أو التوعية السياسية، أو التعليم، أو التنمية الاقتصادية لمختلف قطاعات المجتمع، أوغيرها من الأفكار التي تهدف للتنمية.

"تلعب 'مساحة' دور فكرة مساحة الدعم والتواصل"، يقول محمد ياسين، أحد المؤسسين، ويكمل: "ارتبطت الفكرة بتجربتنا الشخصية لحوالي 6 سنوات، عندما كانت لنا أنشطة طلابية في الجامعة، أو كنا جزء من أنشطة ومبادرات أخرى. كانت إحدى أزماتنا أن نجد مكان نعمل فيه". يوضح ياسين أنه بعد ثورة "25 يناير"، تشجع الكثيرون لطرح أفكار جديدة والقيام بمبادرات مختلفة، فظهر الإبداع، الذي رأى ياسين أنه يحتاج إلى "العزوة" – مصطلح مصري يدل على التجمع والكثرة – والدعم، ومن هنا رأى هو والمؤسسين الحاجة لإيجاد "مساحة"، لتكون الطرف الداعم الذي يجمع المبادرات المختلفة، والتي أحيانا تدور حول نفس الفكرة، ويعرفهم بالموارد المتوفرة. وهكذا بدأت "مساحة" في تشرين الثاني/نوفمبر 2011، مع أن الاطلاق تأجل عدة أشهر بسبب الأحداث الجارية في مصر.

غير ربحيّة

تتكون "مساحة" من 3 غرف مجهزة بشكل بسيط لإجراء تدريبات، واجتماعات، وورش تعليمية أو ورش عمل للشباب والطلاب. وغرفة رابعة تستخدم كمكان للعمل، توفرها مساحة للمهنيين، سواء باحثين أو يعملون بشكل حر أو مستقل، ما يجمع بين شباب يبدأون طريقهم، مع من بدأوا قبلهم، في مكان واحد. وسواء استخدمت أحد الغرف الثلاثة أو مساحة العمل، سيحاوطك إحساس بالإبداع، والتشجيع، والتواصل.

من العوامل المثيرة للانتباه هو عدد مؤسسي "مساحة" الذي يبلغ 27 مؤسس، مما ساهم في تكوين مجتمع "مساحة" الأول الذي اعتمد عليه المؤسسون في نشر الفكرة، وتعريف الشباب بها. وقد اعتمدوا أيضاً على تداول الناس الموضوع (أو الـword of mouth) على مواقع التواصل الإجتماعية للتعريف بهم. 

تدار "مساحة" بشكل تطوعي، فقد التزمت المجموعة المؤسسة مادياً لمدة سنة، يتم خلالها تقديم الفكرة للناس، وتطوير سياسة مساهمة يستطيع من خلالها كل من جذبته الفكرة أن يساندها لتستمر كمؤسسة غير هادفة للربح، وتراعي هذه السياسة 3 طبقات من المجتمع: الطلاب، والعاملين، والمؤسسات. إلى جانب المساهمة المباشرة، هناك مساهمات متنوعة، مثل متطوعين يقدمون ورش عمل لمرتادي "مساحة"، وغيرها. في النهاية، يتفق مؤسسوا "مساحة" على رفض فكرة البحث عن تمويل، فهم يؤمنون أنه بدون التمويل يصبح نموذج "مساحة" أكثر وطنية، أكثر استقلالا، وأكثر حفاظا على المعنى وراء الفكرة.

برامج تدريبية وأنشطة ثقافية

بالرغم من أن "مساحة" لا تهدف إلى طرح مبادرات جديدة بل إلى توفير بيئة مشجعة لنمو المبادرات الموجودة، لكنها تقدم برامج تهدف للدعم، أولها برنامج "سند"، الذي يوفر المشورة والنصح للمبادرات الناشئة، إلى جانب برامج مستقبلية أخرى، منهم واحد يعمل على رسم خريطة النشاط الشبابي Youth Activism في مصر، حيث أن جزء من توفير الدعم للشباب هو توفير معلومات عن البيئة المحيطة بهم. إلى جانب ذلك، تعقد مساحة عدد من الأنشطة الثقافية الجاذبة للانتباه، لجلب المزيد من الرواد والمستخدمين إلى المكان، مثل أمسيات الأفلام، ندوات، نادي كتب، حكاوي سفر، ماراثون كتابة، وغيرها.

لا يطمح مؤسسي "مساحة" الى الانتقال لمكان أكبر فحسب، بل أيضا الى تقديم نموذجاً جديداً للمساهمة في تنمية المجتمع عن طريق الدعم، وتنمية "مساحة" بشكل متطور، والأكثر من ذلك هو نشر قيمة "مساحة"، لتلهم آخرين بالتجربة فينقلوها على طريقتهم.

جدير بالذكر، أن المبادرات التي قامت لتوفير مساحة عمل مشتركة للشباب ورواد الأعمال في مصر ازدادت في الآونة الأخيرة بشكل ملحوظ، لتلبية هذه الحاجة وتحفيز الإبداع، مثل "The District"، الذي يتشابه كثيرا مع فكرة "مساحة" الأساسية، من حيث تقديم برنامج دعم للمبادرات والأعمال المترددة على المكان. غير أن خدمات "The District" لها مقابل مادي وإن كان يعد بسيط، لكن يظل أكثر تكلفة من "مساحة". وكذلك "The Hub Cairo"، الذي بادر بتقديم هذه الفكرة مسبقا في 2007، قبل أن تعلو روح الإبداع في مصر، فكان التحدي أقوى لدى مؤسسيه.

الشغف والشراكة هي القيم الأساسية التي قامت عليها "مساحة" والتي ينوي مؤسسوها الحفاظ عليها. توفير المساحة، مساندة الشباب، بيئة تواصلية وتعليمية، مكان للعمل، مساحة ملهمة، ذلك هو تعريف "مساحة"، المبادرة التي نظرت إلى ما ينقص في المجتمع المصري، ولم تكرر ما هو موجود كما نشهد كثيراً!

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة