الإحتيال والتحكّم بالإنترنت

الحكومات التي تعتبر الإنترنت تهديدًا، هي تهديد للتنمية الإقتصادية.

من كثرة الأخبار حول الشرق الأوسط وكثافتها في الآونة الأخيرة، لعلّكم لم تسمعوا بالخبر التالي بعد: قامت الأردن الشهر الماضي بتعيدل قانون الإعلام والنشر المقيّد بالأصل ليشمل شركات ومنظمات الإنترنت. هذه خطوة تهدّد تطوّر الأعمال على صعيد المجال الإقتصادي في منطقة كانت قابلة للنموّ والتغيّر.

إنّ التشريع الأردني الجديد الذي أقرّه البرلمان ووقّع عليه الملك، يسمح بتحميل المواقع الإخبارية الإكترونية مسؤولية التعليقات التي ينشرها القرّاء، ويطلب من هذه المواقع توثيق تلك التعليقات والملاحظات ثمّ السعي إلى الحصول على تراخيص لها من الحكومة... وإلاّ، مصير المواقع الحتميّ هو الإغلاق. وإيقاف أعمال المواقع ليس إلاّ عنصرًا من بين عناصر كثيرة يضمّها القانون. وإيقاف أعمال المواقع، أيضًا، سيطبّق، رغم نمو هذا القطاع بنسبة 25% سنويًّا خلال العقد المنصرم، وفقًا لتقرير صادر عن جمعيّة تكنولوجيا الإتصالات والمعلومات الأردنية. ناهيك عن مساهمة القطاع القيّمة في إجمالي الناتج المحلّي، إذ إرتفعت النسبة من 2% في العام 2000 إلى 14% اليوم. وتشير "سندباد" من جهتها، وهي مجموعة إقليمية رائدة للبحوث والإعلام، أنّ نصف المؤسسات الناشئة تقريبًا في العالم العربي خلال عام 2011 قد تأسست في الأردن.

إلاّ أنّ ردّة الفعل من قبل مجتمع التكنولوجيا الأردني إزاء التضييقات كان فوريًّا: عبّرت مئات المواقع الشعبيّة عن احتجاجها من خلال الإغلاق  تعتيم صفحاتها، على غرار الاحتجاجات الأميركية في مطلع السنة الجارية ضدّ قانون وقف القرصنة على الإنترنت (SOPA) الذي رُفع إلى الكونجرس. أمّا موقع "تويتر"، فشغله رياديون يحذّرون من أنّ "الحكومة قد تكون على وشك التسبّب بأخطر هجرة أدمغة يشهدها تاريخنا"، بحسب تعبير أحد "المغرّدين".

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل سيؤدي سخط القطاع التكنولوجي إلى تغيير سياسة الحكومة؟ من المألوف وجود قيود على الإنترنت في بلدان حكمها مركزيّ، من الصين التي في صراع دائم مع "جوجل"، إلى السعودية وروسيا اللتين تتّبعان قوانين مقيّدة، ومن تركيا والهند الديمقراطيتين حيث تمارسان ضغوطات على الإنترنت. وقد حاولت الفيليبين الأسبوع الماضي تطبيق قيود متشدّدة على استخدام وسائل التواصل الإجتماعي قبل أن تتدخّل المحاكم وتضع حدًّا لتلك المساعي. يبدو أنّ جوّ المعارضة والأعمال في هذه البلدان، على المدى القصير، يشهد تحرّكًا سريعًا.

لكن على المدى البعيد والواسع، تمثّل محاولات القمع تناقضًا إقتصاديًّا بالنسبة للبلدان الصاعدة. فلم يعد الإنترنت اليوم مجرّد وسيلة إتصال، إنّما تحوّل إلى منصّة حاسمة تستخدمها الشركات لتطوّر إبداعاتها وتتواصل وتتاجر حول العالم. فكيف تسمح الحكومات لأنفسها في هذه الحالة بأن تكبّل هذه المنصّة، في الوقت الذي يرتكز نجاحها على الشفافية والانفتاح وسهولة النفاذ؟

كتب الرائد في عالم الإنترنت والمستثمر المغامر مارك أندرسين السنة الفائتة أنّ "عدد متزايد من الشركات والصناعات سواء كانت تُعنى بالأفلام، أو الزراعة أو الدفاع الوطني، تعمل على أساس البرامج الإلكترونية وتقدّم للمستخدمين خدمات إلكترونية عبر الإنترنت. وتجدر الإشارة إلى أنّ الرابح الأكبر في هذا المجال هي الشركات التكنولوجية المبادرة مثل شركات "وادي السيليكون" الناشئة، نظرًا إلى أنّها تجتاح هيكليّات الصناعات القائمة وتبدّل معالمها. وأنا أتوقّع أن يحصل في السنوات العشرة المقبلة انقلابًا على مستوى صناعات كثيرة التي تعتمد على برامج إلكترونية للتشغيل، وأن تظهر شركات جديدة من "الوادي" لتفتعل، كالعادة، تغييرًا على الساحة العالمية."

اليوم، أكثر من أي وقت مضى، تسهل عمليّة التحوّل إلى قوّة ريادية في التكنولوجيا... على شرط النفاذ الكامل غير المقطوع إلى الإنترنت. في كلّ أنحاء العالم، يبتكر حاليًّا الرياديون الجدد طرق تعاون لحلّ المشاكل المحليّة والإقليمية وحتى العالمية منها. ويتعيّن على الحكومات أن تتنبّه إلى أنّ هؤلاء المبتكرين شغوفون ببلادهم وبثقافتهم، لكنّهم شغوفون أيضًا بالتحرّك والتنقّل. أي في حال تعرّضوا للضغط الكافي، يستطيعون البحث عن بلدان أخرى بديلة تحتضن مواهبهم.

بالإضافة إلى هجرة الأفضل والألمع، ستواجه الأمم الصاعدة صعوبة في التنافس على صعيد عالمي إذا كانت بيئتها القانونينة تقمع الابتكار. وحتى في الصين، حيث يبدو أن النموّ المفاجئ قد يجعل الحكومة تتكيف مع التحولات التكنولوجية، فما زالت تعاني من تباطؤ في نموّها. فكيف بالأحرى بالنسبة للإقتصادات الجديدة التي اعتمدت التكنولوجيا حديثًا والتي تعاني أصلاً لتحقيق أي نمو؟ ستكون الخسائر والأضرار أكبر بكثير. وكيف تأمل اللحاق بعجلة التقدّم فيما تستمرّ في التأخير والتلكّؤ؟

التاريخ يحكي قصّة حكومات تحكم بقبضتها على رأس المال بهدف الحفاظ على السيطرة السياسية، والإتحاد السوفياتي خير مثال على ذلك. وبالفعل، نجحت الأنظمة القامعة في الاستمرار على مدى عقود من خلال السماح لبعض الأفراد المختارين فقط بتكديس الثروات وعرقلة نفاذ الآخرين إلى رأس المال. لكن اتضح أنّ تلك الاستراتيجية غبر قابلة للاستمرار، كما برهنه الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة على نحو خاص.

تحظى الأسواق الصاعدة دائمًا بفرصة اعتماد الإنترنت كمنصّتها المركزيّة للأعمال. فمن احتضن الإنترنت وقدراته تحوّل إلى لاعب أساسي عالمي في التكنولوجيا، على غرار سنغفورة وكوريا الجنوبية وإسرائيل. لا يخفى على أحد أنّ هذه البلدان كانت تواجه تحدياتها الخاصّة على صعيد التحرر السياسي، إنّما دأبت على اعتماد النفاذ التنافسي العالمي والمفتوح إلى التكنولوجيا، أي أنّ الفرصة كانت سانحة أمام الشركات لتكبر وتتطوّر، وأنّ باستطاعة الطلاب الجامعيين أن يحلموا ببناء مؤسسات جديدة في وطنهم.

يشرح مكيافيلي في كتابه "الأمير" كيف أنّ قادة الإقتصادات الموجّهة قادرون على إقناع أنفسهم بأنّ خطورة اعتناق التغيير تتخطّى قيمة القيادة بحدّ ذاتها: "من يطلق شرارة التغيير يلقى عداوة كلّ الذين يستفيدون من المحافظة على المؤسسات القديمة الأصلية، ولا يكتسب إلاّ دعمًا ودفاعًا خفيفًا ممّن يستفيدون من المؤسسات الجديدة."

لكن في عصرنا الرقمي، يستحسن على القادة أن ينظروا في مقولة تحذيرية قالها المفكّر نفسه في وقت لاحق: "كلّ رجل اعتاد التصرّف بطريقة معيّنة لا يتغيّر أبدًا، ولا بدّ أن ينهار أمام التغييرات، عندما تتوقّف الأيام عن التكيّف مع طرقه."

 

شارك

مقالات ذات صِلة