الشرق الأوسط الجديد: المرأة في صلب البيئة الريادية - الجزء الثاني

بصفتي مرشد ومستشار لمساهمين بارزين في بناء البيئة الحاضنة في الشرق الأوسط، وهما المستثمر التأسيسي وبوّابة الشركات الناشئة في المنطقة "ومضة"، والشركة الحاضنة الأردنية "أويسيس500" Oasis500، لا يسعني إلاّ أن ألحظ بروز بعض الرياديين المتميّزين. إكتشفت من بين هؤلاء قصّتين إستثنائيتين تعكسان الفرص المتاحة في المنطقة المتحدثة باللغة العربية.

إبتكرت مي حبيب فكرتها بعد مشاورات معمّقة وطويلة. ولدت مي في لبنان، تخرّجت من جامعة هارفرد، أدارت صندوق الثروة في أبو ظبي، ثم أصبحت منذ سنتين مشغولة لا تعرف الكلل ولا الملل. في الوقت الذي كان رفاقها يؤسسون الأعمال بحثًا عن حلّ لبعض المشاكل، كانت هي ترغب في إحداث تغيير على صعيد تنمية المنطقة وتطوّرها.

خلال عطلة أمضتها حبيب في أوروبا، شرعت إلى تدوين ملاحظات حول المشاكل التي تواجهها المنطقة والحلول الممكنة، من انتهاك حقوق المرأة والتطرّف الديني إلى النقص في التوجيه الجامعي لطلاّب الثانويات. لكنّ الفكرة المفتاح ساورتها فيما كانت تقرأ "تقرير الأمم المتحدة حول التنمية البشرية في العالم العربي للعام 2005"، حيث اكتشفت أنّ مصادر المعلومات العالمية في اللغة العربية شبه غائبة، لا سيما على الإنترنت، في حين أكثر من 80% من سكّان منطقة الشرق الأوسط من أصل 350 مليون نسمة لا يتكلّمون إلاّ العربية. إلى اليوم، وبعد خمسة سنوات على نشر التقرير، لا زال المحتوى العربي على الإنترنت يساوي أقلّ من 1%.  

تتذكّر حبيب أنّه "بحلول نهاية فترة الإجازة، كنت قد أعدّيت نموذجًا حول إمكانيّة استخدام شبكة تعهيد جماعيّ متخصّصة من أجل معالجة الموضوع". وخلال شهرين، وضعت حبيب خطّة أعمال مفصّلة، وعادت إلى بيروت بحثًا عن التمويل. ثم عام 2011، أسست حبيب شركتها الناشئة الأولى "قرطبة" أو Qordoba.

يتألّف فريق "قرطبة" من 14 مهندس بدوام كامل ومن 3 مهندسين بدوام جزئي، أضف إليهم أكثر من 500 مترجم وكاتب ومدقّق يعملون بدوام حرّ. أنجز هذا الفريق إلى الآن إحدى أوائل أدوات ابتكار المحتوى العربي وأضخمها في الشرق الأوسط. وكانت "قرطبة" قد انطلقت كشركة خدمات للشركات حيث يتركّز التمويل، وهي تخدم أيضًا مجالات أخرى.

تشير حبيب في هذا الصدد إلى أنّ "الشركات المتعدّدة الجنسيّات والشركات الناشئة المتخصّصة في التجارة الإلكترونية، فضلاً عن الشركات الإستشارية والمؤسسات القانونية ومكاتب المحاماة، كلّها تشتكي من المشكلة عينها، ألا وهي صعوبة إيجاد خدمات سريعة باللغة العربية، ملائمة وذات نوعية عالية."  

"قرطبة" أوجدت الحلّ لتلك المتطلّبات الثلاثة، من خلال ابتكار منصّة على الإنترنت تقوم باختيار واختبار وتوظيف كتّاب ومنقّحين ومترجمين مستقلّين، كما توزّع المشاريع بحسب مستويي الخبرة والمهارة، فتضيف حبيب: "كان يلجأ عملاؤنا في السابق إلى خدمات شركات عالمية باهظة الثمن وإلى خدمات محليّة لا يعوّل عليها، أمّا نحن، فجعلنا العمليّة بأكملها سهلة وفعّالة."

"قرطبة" تنجح اليوم باستقطاب أنظار مستثمرين مهمّين بفضل أرقام أرباح متزايدة شهرًا بعد شهر، في سوق لا يكلّف فيها المهندس المتفوّق سوى خمس ما يتقاضاه في الولايات المتحدة. لكنّ الشركة لن تبدأ مرحلة الإستثمار الأولى قبل ربيع 2013، وهي تنوي بحلول ذلك التاريخ أن تدخل مجال المستهلك، عبر تقديم كتب مترجمة من الإنكليزية إلى العربية.

لعلّ جذور حبيب تفسّر اندفاعها وتصميمها، فهي ولدت في قرية زراعية صغيرة في وسط منطقة عكار الواقعة شمال غربي لبنان، ثم هاجرت عائلتها إلى ويندسور في أونتاريو عندما لم تزل في السادسة من عمرها. بادر هنالك والداها إلى تأسيس شركة أدوات صناعيّة، وتعيّن عليها هي وأشقّائها السبعة المساعدة في العمل والتركيز على علمهم في الوقت عينه.

ربما الريادة تجري في عروق حبيب، لكنّ وظيفتها الأولى بعد التخرّج من الجامعة كانت داخل مصرف الإستثمار "ليمان بروذرز" Lehman Brothers. إنتقلت بعد تلك الخطوة إلى أبو ظبي للعمل في مجال حقوق الملكيّة الخاصّة.

"أمضيت سنتين رائعتين في العمل، لأنّي كنت في بعض الأحيان أتولّى صفقات تكنولوجية حول العالم. في تلك الأثناء، كنت أرى مشكلة المحتوى العربي في كلّ مكان، وكانت على كلّ لسان، إلاّ أنّ أحدًا لم يتصرّف حيال الموضوع. أمّا الآن، فما من عذر، نظرًا إلى أنّنا بنينا حلاًّ مميّزًا وغير مكلف."

من جهة أخرى، تواجه حبيب كلّ التحديات الكلاسيكية التي يواجهها أي رياديّ، وذلك بالإشارة إلى ساعات العمل الطويلة، توظيف الفريق الصحيح، إستقطاب الزبائن ونيل رضاهم، واتباع سياسة مالية حذرة تقشفيّة.

ترى حبيب أيضًا أنّ "كوني امرأة قد ساعد كثيرًا. فأنا أعمل مع فريق من الطراز الأوّل وافق على تقاضي أجر أدنى بغية الإنضمام إلينا. أعتقد أنّي نجحت في الإختيار بفضل خصائص غالبًا ما أراها لدى الرياديات، وأنا جعلت من نجاحي نجاح الفريق ولم أتخلَّ عن عزمي. ذلك يسهل تحقيقه لأسباب ثقافية تنطبق على الشرق والغرب على حدّ سواء، أي من السهل أكثر أن تقوم بذلك إن كنت امرأة توظّف رجلاً بالمقارنة مع رجل يوظّف امرأة أو رجلاً آخر." وتفتخر حبيب لكون "قرطبة" منصّة تقدّم فرص عمل للكتّاب والمترجمين العرب في كلّ أنحاء العالم العربي.  

لطالما عرفت الأردنية سمر شوارب أنّها ترغب في أن تكون ريادية. تخرّجت من جامعة بيروت الأميريكية، وحازت ماجستير في إدارة الأعمال من جامعة الأردن، ثم حصلت على وظيفة لدى السفارة البريطانية في عمّان، وسرعان ما اكتشفت شغفها ومهارتها في تنظيم الفعاليات.

"رأيت حاجة ماسّة في السوق إلى شركة تنظيم فعاليات مهنيّة في الأردن، لذا قرّرت إطلاق شركتي الأولى  "إفنتس أنليميتد" Events UnLimited عام 2001 بهدف تنظيم المعارض والمؤتمرات في الأردن"، وفقًا لسمر.

على مدى عقد كامل، أصبحت الأعمال المتّصلة بتنظيم الأعراس هي الأوسع والأكثر ربحًا، ما حثّها على تقديم موارد رائعة لكلّ عروس في المنطقة. لقد لاحظت سمر في هذا السياق أنّ بعض نواحي تخطيط الزفاف الأكثر إنهاكًا وحيرة ومضيعة للوقت، مثل اختيار المزودين المناسبين والبحث عن إلهام ومساعدة في ما مسائل تخصّ تنظيم الزفاف والموضة والجمال ونصائح أخرى وتقييم عروض مختلفة وانتقاء ما هو ميسّر، كلّها تشكّل مادّة دسمة مثلى للمحتوى على الإنترنت وعلى منصّة تواصل إجتماعي. وللمفاجأة، لم تتوفّر إلاّ بعض الموارد المحدودة في مجال الإنترنت في الشرق الأوسط، لا سيما ثنائية اللغة منها.  

وعليه، أطلقت سمر عام 2011 موقع "أرابيا ويدينجز" Arabia Weddings الشامل والأوّل من نوعه بلغتين، حول تخطيط الأعراس، نظرًا إلى أنّ مجال الأعراس في المنطقة العربية يدرّ ملايين الدولارات. أطلِق الموقع باللغة الإنكليزية أولاً، وهو متوفّر اليوم بالعربية أيضًا، ليقدّم مزيجًا فريدًا من المحتوى المكتوب الغني (كمعلومات وكتابات أصليّة، وأخبار محصودة على الإنترنت، ومراجع إلكترونية على شاكلة دليل حول مراكز لوازم الأعراس في عشرة بلدان عربيّة) وأدوات تخطيط مبتكرة، ناهيك عن صفقات وعروضات مميّزة.  

تعتقد سمر أنّه ما من توقيت أفضل للبدء بها المشروع، فهي أصبحت المرجع التنفيذي في كلّ ما يتعلّق بالأعراس، بعد أن تولّت شركتها Events UnLimited إدارة معرض الأعراس الوحيد في الأردن "The Wedding Show" لسبع سنوات متتالية. تملك سمر رؤيا فريدة عمّا يمكن ابتكاره على الإنترنت، بناءً على معرفتها العميقة لهذه السوق، ومن هنا قرّرت نهايةً أنّ الأردن هو المكان الأفضل للإنطلاق إقليميًّا بقوّة، خاصّة وأنّ قطاع التكنولوجيا والمعلومات الأردني هو من بين القطاعات السبّاقة في المنطقة. الخطوة التالية؟ يستعدّ فريق العمل الذي يضمّ سبعة أشخاص لعمليّة توسّع إلى أسواق مربحة في الإمارات والسعودية.

تؤيّد سمر رأي مي حول التحديات والضغوطات الناشئة عن شركة ناشئة، فتؤكد "أنّ التخلّي عن وظيفة رائعة من أجل تأسيس شركة أعمالي الأولى كان قرارًا صعبًا للغاية، وبخاصّة بسبب خسارة المدخول الشهري المضمون. لكنّي نجحت في تخفيف وطأة المخاطرة من خلال العمل بالتزامن على تأسيس الشركة وعلى وظيفتي في آن لبضع سنوات. ولا شكّ في أنّ شركتي الجديدة الإلكترونية تتّفق على نحو كبير مع أعمالي اليوميّة. أن أرى حلمًا يتحقّق هو أجمل مكافأة." تتنهّد سمر قليلاً وتبتسم قائلةً "ولو كانت ممزوجة دائمًا بشعور من الخوف."   

شارك

مقالات ذات صِلة