هل ولّى عهد العمل الخيري الإستثماري؟

اقرأ بهذه اللغة

في دبي، مدينة "بلا روح" كما يشار إليها في أغلب الأحيان، إجتمع أكثر من 150 مساهم مؤمن بالتغيير الإجتماعي، أتوا منذ حوالي أسبوعين من كافة أنحاء الخليج إلى "كابيتال كلوب" Capital Club التابع لمركز دبي المالي العالمي، من أجل مناقشة سبل تطوير نماذج المبادرة والعمل الخيري الاجتماعيّين.

خلال مؤتمر "دبي+أكيومن" DUBAI+acumen عنوانه "الريادة والعمل الخيري الإجتماعي: التعاون من أجل التغيير"، عملت المؤسِّسة والمديرة التنفيذية لـ"صندوق أكيومن" Acumen Fund غير الربحي جاكلين نوفوجراتز، على لمّ شمل مدافعين عن الريادة الاجتماعية، الرياديين، والمؤسسات الاجتماعية، من أجل دراسة كيفية إحداث تغيير إقليميًّا وعالميًّا.

أشادت نوفوجراتز بعمل "دبي+أكيومن" التطوّعي وبكونه الفرع الأكثر نشاطًا عالميًّا، وشدّدت على أهميّة الكرامة المصونة في مساعدة الفقراء من أجل إنهاء دوّامة الفقر، فضلاً عن ضرورة التحلّي الصبر، محذّرةً من أنّ "النجاح قد يستغرق 15 سنة ليتحقّق."

يعمل "صندوق أكيومن" على الحدّ من الفقر بشكل ثابت وبطيء منذ العام 2011، مستثمرًا أكثر من 75 مليون دولار في المؤسسات الاجتماعية ومؤمّنًا سلع وخدمات إلى أكثر من 80 مليون شخصًا في شرق آسيا وفي إفريقيا.

ولإعطاء مثال على نوع المؤسسات التي تدعمها "أكيومن"، شرحت نوفوجراتز كيف أنّ المنظّمة الهندية "Husk Power Systems HPS" تستخدم قشر الأرز المهمل لتوليد الطاقة الكهربائية النظيفة السليمة والفعّالة، في إحدى مجتمعات الهند النائية حيث تفتقد 80% إلى 90% من العائلات إلى الكهرباء.

تخدم HPS حاليًّا 150 ألف نسمة في مقاطعة بيهار، كما تعمل على خفض مستوى تلوّث الهواء الداخلي وكميّة الوقت الذي تمضيه النساء في جمع الحطب من جهة، وعلى زيادة وقت الدراسة عند الأطفال من جهة أخرى. وتنوي المؤسسة نشر ألفي مصنع لتوليد الطاقة، وتحسين النفاذ إلى الكهرباء لخمسة ملايين نسمة في السنوات الخمسة المقبلة.

هل ولّى عهد الإحسان؟

كانت لي الحظوة أن أحضر، بعد انتهاء الكلمة الأساسية، مناقشةً شارك فيها كلّ من السيدة نوفوجراتز، ومؤسس "جود جايت" Goodgate ومديرها التنفيذي مسعود رزّاق، والمديرة التنفيذية لـ"مؤسسة الإمارات لتنمية الشباب" كلير وودكرافت. بدأ مدير الجلسة دانيش فرحان، المدير التنفيذي للشركة القابضة Xiché Holdings، بطرح السؤال الإستفزازي التالي: "هل مات العمل الخيري؟"

برأيي... لا. وبصفتي ريادي اجتماعي يؤمن بأنّ الإستدامة المالية عامل أساسي لضمان الفاعليّة والفعّالية والتأثير الإجتماعي، لا أعتقد أنّ الريادة الإجتماعية ستمحو الأعمال الخيرية من الوجود. وفي الحقيقة، لما نجحت مؤسسات إجتماعية كثيرة لولا العمل الخيري. 

تتلقّى الكثير من منظّمات دعم الريادة الاجتماعية العالمية الكبرى تمويلاً من خلال الأعمال الخيرية الإستثمارية. وكلّ من تلك المنظّمات، على غرار "أشوكا" (Ashoka) و"مؤسسة سكول" (Skoll Foundation) و"مؤسسة شواب" (Schwab Foundation) تدفع نحو التغيير الإجتماعي من خلال الريادة الاجتماعية. وعليه، يمكن للمساهمة الخيرية أن تؤمّن الإستثمار للمؤسسات الإجتماعية، ما يعكس النموذج الأمثل للتعاون والتكامل بين المجالين.

ثم طرح فرحان مسألة شائكة أخرى، فسأل التالي: "هل ما زالت الربحيّة موضوعًا محرّمًا عندما يتعلّق الأمر بالعمل الخيري الإستثماري؟"

الإجابة نعم.

تحبطني شخصيًّا الهبات التي تعطى فقط للنشاطات التي لا تدرّ ربحًا، ما يعني أنّ المبادرات الاجتماعية لن تكون قابلة للإستمرار ماليًّا وأنّ بقاءها سيعتمد على الجهة الواهبة كليًّا.

أقتبس هنا عن الكاتب دان بالوتا من كتابه Uncharitable الذي يعني "اللاخيري" بقوله: "نواجه إزدواجيّة كاملة في المعايير، بحيث نلوم الرأسمالية على غياب الإنصاف في مجتمعنا وعلى عدّة مستويات، ثم نرفض السماح للقطاع غير الربحي أن يستخدم أدوات الرأسمالية لتصحيح الوضع."

الأسواق يحرّكها الطلب. أليس من الأفضل إذًا إشراك المستهلكين لزيادة فرص التمكين؟ أؤمن بشدّة بأنّ الطريقة الفضلى لمعالجة الفقر والتفاوتات الإقتصادية على المدى الطويل هي الدمج المالي، وليس العمل الخيري.

التغيير في العالم العربي

تطرّقت اللجنة إلى مواضيع أخرى أساسية حول التحديات التي يواجهها العمل الخيري الإستثماري والمبادرات في المنطقة، لا سيما النفاذ إلى التمويل، السياسات الحكومية البيروقراطية المقيّدة والتشريعات، وتَسبُّب المنافسة في قمع التعاون.  

قامت مؤسسات إجتماعية وغير ربحية بعرض بعض المقاربات، منها:

1-    "سوجا" (Sougha): مبادرة أطلقها صندوق خليفة لتمويل المشاريع (Khalifa Fund) بهدف الحفاظ على الإرث المحلّي وتمكين المرأة الإماراتية والحرفيين.

 2-    "باليستايل" (Palestyle): ماركة أزياء تعزّز دور المرأة الفلسطينية داخل المخيّمات من خلال اعتمادها على مهارتها في التطريز، ما يستحدث فرص عمل جديدة ويصون كرامتها.

 3-    جمعيّة إغاثة أطفال فلسطين ( (PCRF: جمعيّة أمريكية غير سياسية وغير ربحيّة تؤمّن المساعدة الطبية والإنسانية للشباب الفلسطيني.

4-    الإستشارة والتدريب من أجل قضيّة (C3): مبادرة لا تبغي الربح تهدف إلى دعم قدرات المشاريع الإستثمارية الإجتماعية وزيادة تأثيرها إلى أقصى حدّ.

كما قالت السيدة نوفوجراتز بالفعل، "إنّ أكثر أمر مؤثّر يمكن أن نبنيه في هذا العالم الساخر هو الأمل"... تحيّة إلى الأمل.

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة