60 يومًا من دون نقود في كينيا

اقرأ بهذه اللغة

في طريقه إلى المنزل بعد يوم عمل طويل لم ينتهِ إلاّ في ساعات الليل الأولى، تفاجأ أمريت بال، بظلّ رجل يخرج من العتمة ويتوجّه مباشرةً نحوه.

أمريت طالب هندي يعمل خلال الصيف لدى شركة ناشئة نيروبية متخصّصة في تحويل الأموال عبر الجوّال. تفاجأ الطالب بالرجل يحاول إخافته بسؤاله "ألديك شيء تعطيني إيّاه؟" وضع أمريت يده في جيبه، وسحب جوّالاً من طراز "نوكيا سي-01" لا يساوي أكثر من 20$ ونسخة عن جواز سفره. تمتم السارق المحتمل وتذمّر خائب الأمل، ثم أخلى سبيل أمريت.

أمريت لم يكن مفلسًا. بل على العكس. كانت في جعبته آلاف الشلنات الكينية. لكن، ولسوء حظ السارق، أمريت كان قد بدأ قبل بضعة أسابيع باختبار التجربة الكينية الفريدة الطموحة تحت عنوان "60 يومًا من دون نقود". في الحقيقة، جوّاله القديم كان محفطته وهويّته كانت بطاقة الصرّاف الآلي.

كما أتينا على ذكره في السابق، تمثّل كينيا الأرض الخصبة لـ"ثورة التحويلات المالية عبر الجوّال" في إفريقيا. إنطلق تطبيق M-Pesa عام 2007، ومنذ ذلك الحين لا يكفّ يسيطر على سوق التحويلات الماليّة بالجوّال: يستخدم حوالي 70% من الكينيين الراشدين التطبيق ويستفيدون من الخدمة من خلال 35 ألف وكيل موزّع في جميع أنحاء البلاد. وفي الواقع يتمّ تحويل حوالي 20% من إجمالي الناتج المحلّي الكينيّ عبر M-Pesa، أي تحويلات يومية قيمتها أكثر من 20 مليون دولار. 

الأرقام مذهلة لا شكّ، لكنّ التطبيق لم يتغيّر ويتطوّر على نحو يذكر منذ أن بدأت أداة الدفع الثورية هذه تساعد على "تصريف ما لا يصرّف"، مبتكرةً طريقة سريعة وفعّالة لتسديد كلفة أي شيء، من التاكسي إلى البقالة، من دون الحاجة لحساب مصرفيّ.

قال لي أمريت بشكل قاطع "إنّ ابتكار M-Pesa لتحويل الأموال قد انتهى."

أمريت مولع بمفهوم تحريك الأموال وتحويلها بقدر ما يكره الأموال النقديّة، حتى أنّه يعتبر "أنّ النقديّ هو من بين أشنع المؤسسات التي بنتها الإنسانية". لكن يرى أمريت في الوقت عينه أنّ M-Pesa الواسعة الإنتشار في كينيا تدعوه إلى رفع التحدّي والقيام بتجربة صغيرة طريفة: هل سيستطيع أن يعيش في كينيا معتمدًا لمدّة شهرين على M-Pesa فقط لا غير؟ 

"قبول التحدّي"

قرّر أمريت خوض تجربة خالية من النقود لسببين: الأول، إثبات أنّ مجتمع كينيا قد يكون "أقل مجتمع يستخدم العملة النقدية" في العالم؛ والثاني والأهمّ، المجازفة في إجراء بحث في السوق. بهذه الطريقة، أراد الطالب أن يحدّد المشاكل التي يمانع بسببها البائعون قبول المدفوعات عبر الجوّال، وأن يحدّد بذلك سبل تحسين M-Pesa.

نجاح M-Pesa الصاعق في كينيا "أفسح المجال للرياديين ليأتوا ويعملوا على أمور مختلفة، ولقد ألهم ذلك جيلاً كاملاً من المبادرين لكي ينفّذوا فعلاً أفكارهم." لكن القصّة لا تنتهي هنا، إذ أنّ M-Pesa أنتجت بيئة حاضنة كاملة متمحورة حول التطبيق، من خطط تمويل وشراء السلع، إلى تسديد الفواتير والسحب من الصرّاف الآلي.

على غرار شركة "آبل" Apple، بدأت "سافاريكم" (Safaricom) التي تملكها M-Pesa، كمؤسسة "مغلقة" للغاية على صعيد تكنولوجياتها ومنتجاتها. إستوعبت "آبل" بعدها أهميّة الانفتاح على مستوى واجهة برمجة التطبيقات (API) لديها، فأفسحت المجال أمام المطوّرين لابتكار تطبيقات جديدة بصفتهم فريق ثالث؛ وفي حين كانت وتيرة M-Pesa أبطأ نوعًا ما، إلاّ أنّها وأخيرًا بدأت تفتح منصّتها هي أيضًا.

ماذا وجد أمريت في كينيا إذًا، ما عدا أنّ العيش "من دون نقود" قد يحبط عمليّة سرقة محتملة؟

"تبدو رسوم التحويلات لأوّل وهلة صغيرة جدًّا، غير أنّها سرعان ما تتكدّس، فالتطبيق عالي الكلفة في حال استعملته مثلاً لشراء مشروب بارد أو قطعة حلوى، إذ يتعيّن عليك دفع 10% على كلّ تحويل قدره 100 شلن كينيّ."

إتضّح أنّ القيام بتحويلات سريعة محدودة المبلغ، للوجبات السريعة أو لأجرة الباص السريع الصغير "متاتوس" Matatus مثلاً، صعب بعض الشيء. فأمريت بدأ بدفع كلفة إضافية تبلغ نسبتها 4.7% على النفقات الثابتة، ثم نجح في تخفيضها إلى 1.7% بحلول نهاية الفترة التجريبية، ليس عبر تسديد رسوم السحب من البطاقة التي يطلبها منه أصحاب المطاعم، بل نتيجة إقناعه المطاعم التي ارتادها بقبول رزمة مدفوعات كلّ يوم جمعة عن الأسبوع الذي فات.

ما كانت أفضل تجربة خاضها؟ على باص الـ "متاتوس"، وفّر على نفسه دفع رسوم عمليات السحب من خلال تحويل وقت بثّ مجاني من حسابه لدى "سافاريكم" إلى السائق، بدل استخدام M-Pesa.

ما كانت أسوأ تجربة خاضها؟ "في مرّة من المرّات، تمّت مرافقتي خارج مطعم فاخر" لأنّهم لا يقبلون M-Pesa.

رغم كلّ شيء، يقول أمريت إنّ "العيش لمدّة 60 يومًا عبر M-Pesa كان سهلاً للغاية."

بناء مؤسسة أعمال غير نقديّة

يؤكّد ديلان هيجينز، المدير التنفيذي للشرمة الناشئة "كوبو كوبو" (KopoKopo) المعنيّة بالتحويلات الماليّة عبر الجوّال، والتي كان أرميت يعمل لديها، أنّ التجربة مثّلت درسًا كبيرًا للبيئة الحاضنة الكينية التي تعتمد نظام التحويل المالي عبر الجوّال. واليوم، تقوم شركته وشركات كثيرة أخرى بحثّ M-Pesa على تطوير أعمالها.

"نحن نعمل في الحقيقة مع "سافاريكم"، لذا كانت الفرصة سانحة لإجراء بحث ميداني في السوق حول إمكانيّة البقاء من دون مال نقديّ لمدّة 60 يومًا. وبالفعل، تعلّمنا الكثير حول الأسباب التي تدفع بالناس بقبول التحويلات بالجوّال أو رفضها. تمكّن أمريت من تحديد ما يعيق الوصول إلى مجتمع خالٍ من النقود، فضلاً عن الفرص المتاحة التي قد تسهّل إتخاذ الخطوة الضرورية لتحقيق الهدف."

يضيف ديلان ممازحًا أنّ "أمريت أطلق حركة عالميّة"، بعد أن قرّرت "ماستر كارد" Master Card إقامة تحدٍّ مماثل في الولايات المتحدة لمدّة 30 يومًا، ويكمل قائلاً "عليها المحاولة لـ60 يومًا!"

M-Pesa لا زالت تواجه مصاعب وتحدّيات كثيرة، مثل الرسوم المرتفعة وغير المبرّرة على المدفوعات الصغيرة، بالإضافة إلى انفتاح "سافاريكم" البطيء على وضع منصّتها في متناول المطوّرين. لكنّ الشركة مدركة اليوم، أكثر من أيّ وقت مضى، قيمة الإنفتاح والقدرة الريادية الصاعدة المبنيّة على M-Pesa.

في ما يلي مؤسسات ناشئة في نيروبي، تستخدم M-Pesa كمنصّة ابتكار أفكار وخدمات:

KopoKopo (كوبو كوبو)

تأسست هذه السنة لتبتكر منصّة عالية المستوى تساعد المؤسسات الصغيرة والمتوسّطة الحجم على قبول المدفوعات عبر الجوّال وإرساء علاقات مع عملائها. وهي تسمح أيضًا للتجّار بقبول البيانات والتوجّهات المتّصلة بالتحويلات على الجوّال، وبتحليلها وبالتصرّف على أساسها.

M-Kopa (أم كوبا)

تعتمدM-KOPA Solar  للطاقة الشمسية بطاقات "سافاريكم" المدموجة لتسمح للعملاء باقتناء أجهزة الطاقة الشمسية عبرتسديد مبلغ يوميّ من 40 شلن كينيّ على فترة سنة، من خلال استخدام نظام M-Pesa.

Pesapal (بيسا بال)  

على غرار نظام "باي بال" (PayPal)، ينتسب التجّار والمشترون على الموقع المخصّص ويديرون حساباتهم عبر PesaPal. يمكن لأصحاب الحسابات إمّا أن يتلقّوا مدفوعات من خلال PesaPal (أي التجّار)، وإمّا أن يقوموا بمدفوعات من خلال بطاقات الخصم والإعتماد، تحويل الأموال، تحويل أموال M-Pesa ، وغيره. وباستطاعة أصحاب الحسابات كذلك أن يتابعوا التحويلات ويديروا الحسابات من خلال موقع PesaPal عينه.

Ipay (آي باي)


iPay حلّ مبتكر وفعّال للدفع وهو البوّابة الأولة لمعالجة التحويلات المالية في إفريقيا. iPay سهل الإستعمال، يتطابق مع أنظمة VISA، Mastercard، Kenswitch، M-PESA، Airtel Money، وyuCash.

MPayer (أم باير)

MPAYER تطبيق للجوّال والإنترنت يمكّن المؤسسات من إدارة تحويلات الدخل والمصاريف المرتبطة بأعمالها، أكانت الأموال متحرّكة (من خلال M-Pesa وAirtel Money) أم نقديّة. يسمح التطبيق أيضًا بمتابعة شؤون العملاء والتمييز بين مدفوعاتهم المختلفة، فضلاً عن إصدار التقارير بالتزامن من خلال الجوّال أو الكمبيوتر.

MRent (أم رينت)

MRent تطبيق يستهدف المؤجّرين والمستأجرين، فيساعدهم على إدارة المدفوعات على الإنترنت بطريقة سريعة وفعّالة. أكنت مقيمًا، مديرًا أم صاحب ملكيّة سكنيّة أو تجاريّة، فإن خدمات MRent على الإنترنت ستجعل عمليّة دفع إيجارك وجباية والمدفوعات أكثر سهولة لك.

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة