الشرق الأوسط الجديد: المرأة في صلب البيئة الريادية - الجزء الخامس

عندما قامت أول منصة في الشرق الأوسط لتمكين الرياديين "ومضة "، بتنظيم لقاء "الإحتفال بالتجارة الإلكترونية الريادية" في عمّان في شهر حزيران/يونيو الفائت، إحتشد الحاضرون بالمئات. لعلّ السبب يعود إلى ضخامة السوق الإستهلاكيّة في الشرق الأوسط وتوفّر الأموال فيه، ما يشكّل أرضًا خصبة للشركات الصاعدة أينما كان.

يشرع اليوم عملاق محليّ كـ"سوق دوت كوم" Souq.com وغيره من الشركات الناشئة والمورّدين إلى إطلاق الأعمال على الإنترنت. أمّا العملاق الألماني "روكيت إنترنت" Rocket Internet فانضمّ إلى "جاي بي مورجن" JP Morgan في دبي مؤخرًا لتأسيس موقع "نمشي" Namshi الشبيه بـ"زابوس" Zappos، وأطلقت شركة "باي بال" من جهتها عمليّات في المنطقة في الصيف الماضي. لا شكّ إذًا أنّ التجارة الإلكترونية لا زالت في بداياتها في المنطقة وأنّ الفرص الواعدة تلوح في الأفق... ومن غير المرأة ليقود المسيرة؟

منذ لأن قابلتها في لقاء "ومضة"، عرفتُ أنّ الأردنيّة ليندا الحلاّق رياديّة من الطراز الأوّل بتصميمها وطاقتها، وكان من الواضح أنّ الريادة تجري في عروقها. ترعرعت ليندا في السعودية منذ ولادتها وحتى نشوب حرب الخليج الأولى، ثم عادت إلى عمّان للتخصّص في إدارة المستشفيات. كانت في السابعة من عمرها تجمع البقدونس من حديقة جدّتها، تغسلها وتجذّب أعوادها، تضعها في باقات وتبيعها إلى الجيران. أثناء دراساتها الجامعيّة، كانت تنظّم الحفلات الطلابيّة ومناسبات للأطفال، ثم في العام 2004، حثّتها معرفتها حول السيارات على إطلاق أوّل مجلّة لمحبّي السيارات في الأردن لأنّها استشعرت نقصًا معيّنًا في السوق.

في العام 2008، أسست ليندا وشقيقتها حنان "هاندكرافتس" Handcrafts (أي أعمال يدويّة) بمبلغ إستثماري قدره 50$ فقط لا غير. إبتكرتا وأنتجتا سويًّا أعمالاً يدويّة ملوّنة مرسوم عليها لأصدقائهما وأقربائهما. لاقت أعمالهما النجاح فبدأتا بلقاء نساء أخريات يبتكرن الأعمال اليدويّة، إلى أن بنتا مع الوقت شبكة تضمّ آلاف النساء الفنّانات العاملات من المنزل. نظّمت الشقيقتان أكثر من ستّين معرضًا عامًّا وبازارًا مخصّصًا للأعمال الحرفيّة المحليّة، إستقطب أكثر من 200 ألف زائر. أدركتا عندئذ أنّهما قادرتان على الإعتماد على التكنولوجيا لبناء متجر إلكتروني ينشر الفكرة عبر الشرق الأوسط.

إنطلق "فيرست بازار" (البازار الأول First Bazaar) في مارس/آذار 2012 بهدف عرض منتجات جميلة وفريدة من ابتكار مصمّمين وفنّانين يعملون من المنزل، أمام جمهور عريض من المستهلكين. وفقًا لـ ليندا، "نحن نضع في متناول مئات آلاف الأشخاص، ومعظمهم من العنصر النسائي، بوّابةً يسوّقون عليها المنتجات الأصليّة من دون الإزعاج الذي تسببّه المسائل اللوجستية والتحويلات المالية وتكاليف الإيجار المرتفعة."

قد تشكّل 13 سنة من الخبرة في مجال بيع الأعمال الحرفية غير الإلكتروني عائقًا أمام البعض للإنتساب إلى منصّة إلكترونية. كما تقول ليندا، "من دوننا لما حصلوا على فرصة التواصل مع بعضهم البعض، إذ نملك المعلومات والدراية الكافية للتوصّل إلى تسويق الأعمال الحرفية وتعزيز التوعية. نحن نساعد الشارين والبائعين على حدّ سواء في الحصول على ما يبحثون عنه."

إستقدمت ليندا وحنان على متن الفريق موظّفَيْن دائمَيْن بدوام كامل واثنين بدوام جزئي ومجموعة من المتدرّبين. كانتا فخورتين جدًّا عندما زارت الملكة رانيا إحدى البازارات في السنة الماضية، حيث أعجبت بنوعيّة المنتجات واقترحت ضرورة توسّع أعمال الشقيقتين عالميًّا. تضيف ليندا في هذا الصدد: "بالطبع سنوسّع نشاطاتنا السنة القادمة، علمًا أنّنا أصلاً حقّقنا إلى اليوم مبيعات دوليّة لأنّ الإنترنت بطبيعته عالميّ". يضمّ الموقع أكثر من 200 مصمّم يعرض أكثر من 3 آلاف منتج فريد من نوعه، أضف إلى أنّه سجّل دخول 50 ألف مستخدم خلال الشهر الفائت ولا زالت المنصّة في نسختها لتجريبية.

تفخر كلّ من ليندا وحنان بردّ الجميل إلى المجتمع، إذ "أسسنا عام 2010 المنظّمة غير الحكومية "هاندز أدفوكاسي" Hands Advocacy التي توفّر منصّة مفتوحة للنساء الرياديات العاملات من المنزل والمهتمّات بامتلاك أعمالهنّ الخاصّة". تقدّم المنظّمة أيضًا نصائح سرية مجانية وتسهّل التواصل مع المرشدين، كما توفّر العناصر الأساسية للتأثير في بيئة السياسات على صعيد تأسيس الأعمال ونموّها، "لأنّ رؤيانا تتمحور حول تمكين المرأة العاملة في كلّ أنحاء البلاد من أجل تحقيق الأمن الإقتصادي."

رشا خوري مزيج عالميّ، ولدت في لندن من أبوين لبنانيين فلسطينيين، ثم نشأت في نيويورك وأكملت دراساتها في جامعتي "براون" Brown و"إنسياد" INSEAD. لكن رغم التنقّل الدائم، لم يتزعزع يومًا حبها لمسقط رأسها.

تتذكّر الريادية الشابّة "عندما كنت أتابع تخصّصي في "إنسياد"، أدركت أنّي أودّ الجمع بين ميلي إلى مجال المبيعات وحبّي للشرق الأوسط، ولاحظت من خلال أبحاثي غياب بائعي السلع الكماليّة على الإنترنت، لا سيما تلك الموجّهة لمستهلكي المنطقة. فعرفت عندها أنّ تلك فرصة جيّدة لابتكار شيء جديد مثير للإهتمام ويدعو إلى الحماس."

إنطلق موقع "ديا ستايل" DIA-style في ربيع 2012 وهو عبارة عن محطّة أساسية إلكترونية لشراء ملابس فاخرة في الشرق الأوسط. وبتنقّلاتها المستمرّة بين لندن وبيروت، تقدّر رشا الفرص الناشئة عن هذه السوق الصاعدة، وتضيف "حتى أنّ العام 2010 سجّل تضخّمًا في عدد مستخدمي الإنترنت في الشرق الأوسط، فضلاً عن زيادة ثقة المستهلك في مفهوم التسوّق الإلكتروني."

تؤكّد حتى رشا أن "أصبحنا الموقع الوحيد الذي يقدّم للمرأة مجموعة شاملة من أحدث الأزياء الجاهزة والأكسسوارات الموسميّة والحديثة باللغتين الإنكليزية والعربية". وما يدعو للإستغراب هو أن مواقع الماركات الفاخرة العالمية التي تعتمد أصلاً التجارة الإلكترونية، مثل "رالف لورين" Ralph Lauren و"بوربوري" Burberry لا تعتمد اللغة العربية، مفضّلةً تركيز جهودها في التجارة الإلكترونية على اللغات الأوروبية والصينية واليابانية. ترى رشا أنّ تلك الشركات تضيّع على نفسها فرصة اكتساب سوق تقدّر بـ7 مليار دولار في الشرق الأوسط.  

"ديا ستايل" ليس مجرّد موقع، بل هو يساعد أيضًا محبّات الموضة على استكشاف الخيارات الفضلى الأكثر ملاءمةً، من خلال تأمين أدوات رقميّة وهمية شعبيّة تبتكر من خلالها المرأة لوح "المزاج" mood board التصميمي الخاصّ بها، ومن خلال "اختبار لايفستايلايزر" Lifestylizer Quiz أي "قل لي ما هو نمط حياتك أقول لك ما هو ذوقك في الملابس"، وهو إختبار يمكن مشاركته مع الأصدقاء للحصول على تعليقات.

تعتزّ رشا ببناء مؤسسة تجارة إلكترونية ذات قاعدة واسعة في الشرق الأوسط، "لا سيما أنّنا بطريقة ما نعطي صوتًا تعبيريًّا للموضة لمنطقة ما زالت تحاول العثور على صوتها السياسي والإجتماعي، ناهيك عن أنّ أعمال المؤسسة "موصولة" بكلّ ما للكلمة من معنى بجميع أنحاء الشرق الأوسط، فالمترجمون لدينا في لبنان، والمطورون لدينا في فلسطين، وشركة التسويق التي نتعامل معها في السعودية، وشركة العلاقات العامّة التي نتعاون معها مقرّها دبي. لا يخفى على أحد أنّ العمل في المنطقة خلال فترة التغيير هذه تبعث على الحماس."  

شارك

مقالات ذات صِلة