بناء ثقافة التنمية المستدامة في البحرين

اقرأ بهذه اللغة

عبّرت لنا لينا العليمي، بلهجتها البريطانية الرقيقة، عن وضع التنمية المستدامة في البحرين، فتشرح أنّه "ما من شيء محصّن 100% في العالم الحقيقي اليوم، لكنّ عدم تواصل المنظّمات مع بعضها البعض يزيد الأمر سوءًا، فتنقسم الجهود والموارد. وبما أنّ البحرين هي أقلّ البلدان الخليجية حظوة بالموارد، تبقى الإستفادة القصوى من مواردنا جوهر استدامتنا الإجتماعية واقتصادية والبيئية."

في يوم مشمس، قمنا بجولة في أنحاء العاصمة منامة التي شهدت، من بين دول عربية أخرى، إضطرابات سياسية خلال السنة الماضية. وفي كافة أنحاء المدينة، تبعث روح ريادية أصليّة راسخة من المحالّ الصغيرة. في البحرين، ليس مفهوم امتلاك أعمال خاصّة مفهومًا غربيًّا غريبًا بالنسبة للشباب، حتى أنّ البعض يقول إنّها اعتمدت ثقافة الريادة منذ أيّام صائدي اللؤلؤ الأولى. إلاّ أنّ نسبة كبيرة من الشباب البحرينيين اليوم تفضّل تأسيس مشروع صغير وتفتقد الحماسة للإبتكار أو التوسّع، وفقًا للعليمي.

في إطار أوسع، ترى العليمي المستوى عينه من التفكّك على صعيد المنظّمات التي تسعى إلى ترقيع المسائل الإجتماعية بحلول سريعة، بدلاً من معالجة المشاكل من جذورها. تذكر العليمي إحدى المنظّمات التي كانت تجمع الهبات المالية لإطعام عائلات محليّة والتي "سألتها: هل فكّرتم يومًا في إمكانية إعطائهم المواد الزراعية التي تطعمهم وتمنحهم دخلاً مستمرًّا؟"

نظّمت منظّمة غير ربحية أخرى حفل جمع تبرّعات للأطفال المصابين بمتلازمة داون، لكن لم يتمّ دعوة الأطفال المعنيين إلى اللقاء. وقد انتقدت العليمي خيار المنظّمين بعدم دعوة المصابين بسبب وصمة العار الإجتماعية، وهي من الواضح أنّها لا تخشى مهاجمة الأنماط الإجتماعية السائدة، "إنّ المنظّمين أجابوا أنّ الوضع قد يمسي كئيبًا." 

حازت العليمي على ماجستير من جامعة دارتموث Dartmouth ودرست في كليّة جامعة هارفرد للأعمال في الولايات المتحدة، ثم عادت إلى وطنها البحرين لتشارك في تأسيس 3BL (“Triple Bottom Line”) Associates، وهي مؤسسة للإستشارات في مجالي التأثير والإستدامة الإجتماعيين. عادت إلى البحرين وحافزها الأوّل كان رؤيا طويلة الأمد لبيئتها الأصليّة.

تقرّ العليمي بكونها في السابق "متّهمة بممارسة أشكال أكثر "تقليدية" للمسؤولية الإجتماعية للشركات والمرتكزة على الهبات في أوائل سنوات الـ2000". لكنّها تخلّت عن المقاربة تلك بالكامل، بعد أن اكتشفت المؤسسة الإجتماعية في جامعة دارتموث، وتمعّنت في دراسة أعمال "المعلّم" في التمويل الأصغر محمد يونس.

"يكمن التحدّي في إقناع القطاع الخاصّ بأنّ الإستدامة فرصة لإنتاج الدخل بنسبة خطر محدودة، وليست مجرّد أداة تسويق غير إستراتيجية."

طارق، شقيق العليمي، درس في كلية كاسّ Cass للأعمال وعمل لدى مؤسسة إجتماعية محليّة في لندن، عاد عام 2009 مع شقيقته إلى البحرين حيث "لم يكن في البلاد موقعًا أو نقطة مخصّصة لنوع الأعمال التي أردنا أن نحقّقها، والتي يشير إليها بعض زبائننا اليوم بالمكان المهني الأمثل". فالمنظمات غير الحكومية "تقليدية للغاية" في مقاربتها، وكانت الحكومات والهيئات الدولية غارقة في المعاملات البيرقراطية، "لذا لم يبقَ لنا إلاّ خيار ابتكار منظّمة هجينة."

توسيع الرؤيا الشاملة

تشقّ 3BL اليوم طريقًا جديدة للشركات الناشئة في البحرين، إذ تساعدها على التحلّي بوقع إجتماعي أكبر من خلال التنمية على أساس تعدّدية المساهمين. تؤكّد العليمي في هذا المجال: "إذا كنّا نعمل على قضيّة تستدعي مسؤولية الشركات الإجتماعية لشركة معيّنة، وتكون القضية الإسكان الميسور على سبيل المثال، فنحن نسعى إلى الحصول على دعم وزارة الإسكان، البلديات المحليّة، منظّمات دعم المؤسسات كـ"تمكين" (Tamkeen) والمنظّمات غير الحكومية المحليّة". ربما تبدو العمليّة بسيطة بعض الشيء، إلاّ أنّ المشكلة غالبًا ما تكمن في غياب التنسيق والتعاون بين مختلف أقسام المنظمات غير الحكومية والحكومات والمنظمات الدولية والقطاع الخاصّ.

تحتّم على العليمي وشقيقها تثقيف السوق وتوعيته شيئًا فشيئًا من أجل تأمين مصدر عمل ثابت لهما. تقرّ العليمي أنّ العملية كانت صعبة في البداية فتقول "كان عليّ أن أسأل نفسي في كلّ مرّة إن كنت سأتقاضى أجرًا في الشهر القادم." نجحت العليمي في البقاء وتخطّي المرحلة عبر العيش مع العائلة واتّباع مقاربة تقشفية. وتضيف العليمي أنّ "النفط سعره بخس على الأقل" وأنّها لا توافق على سياسة دعم الصناعات النفطية الثقيلة لأنّها تتفوّق على دراسات التنمية والبحوث حول الطاقة المتجدّدة في المنطقة.

رغم كلّ العوامل الضاغطة، يزداد العمل يومًا بعد يوم ويبرهن الأخوين المنافع المالية والإجتماعية والبيئية من مقاربتهما. وهما يعملان أيضًا جانبًا على مسائل الدفاع عن الحقوق. تفيد العليمي بأنّ "الطريق ما زالت طويلة ونحن نتعلّم مع كلّ خطوة جديدة. لا نملك نموذجًا أو مرجعًا نقارن به أنفسنا وعملنا ومستوانا. في نهاية المطاف، نحن نبذل جهودًا لزيادة الوعي حول ماهيّة عملنا وأهميّته."

مرجع واحد للعليمي يبقى جدّها الذي أسّس شركة إعلانات في السبعينيّات. تقول بفخر إنّه "في ذلك الوقت في البحرين، كان الإعلان يعتبر حاجة لشركة ما، من دون النظر في الحاجة إلى العلاقات العامّة. أمّا اليوم، فمعظم الشركات تتعامل أيضًا مع شركة علاقات عامّة. أحاول ألاّ أنسى ذلك أبدًا... لكن آمل ألا تستغرق العملية 40 عامًا!" 

بالفعل، في مطلع هذه السنة، حضرت العليمي منتدى سكول Skoll العالمي للريادة الإجتماعية" في جامعة أكسفورد Oxford، حيث كانت 3BL أوّل منظمة بحرينية مدعوّة للمشاركة، وتتذكّر أن "قال أحدهم أنّه لكي تكون رياديًّا اجتماعيًّا، يجب أن يسيء فهمك الناس لمدة 10 سنوات."

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة