لماذا على رياديي الأسواق الناشئة التطلع بعيدًا عن وادي السيليكون

اقرأ بهذه اللغة

ما إن تأتي على ذكر "وادي السيليكون" داخل مراكز الأعمال الريادية وفي أوساط الرياديين في أسواق الإقتصادات الصاعدة، حتى يحمل الإسم وقعًا قويًّا، يبعث على مشاعر الحماس والمفاهيم المثاليّة، ورؤيا لأفكار كبيرة أطلقها رياديون جريئون من على كنباتهم المريحة. "وادي السيليكون" هو مكان تتساقط فيه الإستثمارات مثل شتاء الربيع، ويتحوّل فيه شباب الـ 24 سنة إلى شخصيات ناجحة وبارزة.  

في بيئة الإقتصادات الصاعدة، يبرز "وادي السيليكون" كموضع دراسة وإجلال واحترام وإعجاب، فما إن تقول "إنّ مستثمرًا أو رياديًّا من "وادي السيليكون" قادم في زيارة" أو أن تلفظ كلمة "وادي السيليكون" حتى تسرق انتباه الجميع. 

صديقي الرياديّ السابق من "وادي السيليكون"، مبوانا آلّي، يتولّى حاليًّا إدارة شركة "سافانا فند" Savannah Fund الإستثمارية المتخصّصة في التكنولوجيا العالية النمو. لقد أكّد لي مرارًا وتكرارًا أنّ "وادي السيليكون" ليس مكانًا أو شيئًا ملموسًا أو نموذجًا محدّدًا، بل "هو مفهوم، فكرة، ومجموعة من المبادئ". 

تقضي مقاربة "وادي السيليكون" بمكافأة وتشجيع المخاطرة القصوى وتسريع نموّ الشركات ذات العائدات الصافية المرتفعة، من خلال الاستثمار بأموال طائلة على أفكار متعدّدة على أمل أن تنجح فكرة واحدة من بين المئات. غير أنّ "وادي السيليكون" بعيد في سياقه وفي موقعه الجغرافي عن مراكز الريادة الجديدة في العالم، نظرًا إلى أنّه يطرح شروطًا وقيودًا إجتماعية وثقافية وإقتصادية وحتى قانونية، تختلف كلّ الإختلاف عن الأسواق الناشئة حول العالم حاليًّا.

في الجزء الثالث والأخير هذا من ثلاثية المقارنة بين البيئتين الرياديتين الناشطتين في من عمّان ونايروبي، عاصمتي الأردن وكينيا، لا بدّ من القول إنّ النصيحة الأساس من سلسلة المقالات هذه هي التالي: علينا أن ننسى أمر "وادي السيليكون" وأن نتطلّع إلى أماكن أخرى. أعني بذلك أنّ الوقت قد حان لكي يبدأ الرياديون والشركات الناشئة التكنولوجية بالتطلّع خارجًا وإلى بعضهم البعض كمصدر إلهام وأفكار وإرشاد. 

التوجّه شرقًا

كنّا قد لحظنا كيف أنّ الأردن تشبه كينيا أكثر من ما تشبه "وادي السيليكون"، وكيف أنّ البيئتين تملكان نقاطًا مشتركة كثيرة، رغم بعض أوجه الإختلاف على صعيد البيئتين الرياديتين والثقافتين. وليس من المفاجئ أن تتشابه البيئتان، إذ أنّ الإقتصادات الصاعدة من حول العالم، لا سيما إفريقيا وآسيا، تتحوّل يومًا بعد يوم إلى محرّك أساسيّ للنمو الإقتصادي العالمي، فتبدّل توازن القوى الدولي جرّاء الطبقات الوسطى الصاعدة وقوى العمل التوّاقة التي ينشأ عنها مستهلكون جدد وموظّفون محتملون بالميليارات.

إلاّ أنّ عوائق الريادة هي شاملة وعالميّة: البطالة، صعوبة في استقطاب المواهب، أنظمة تعليميّة ضعيفة، غياب الرساميل أو الرساميل المخاطرة، الفساد، أعمال غامضة، الإفلاس وقوانين الإستثمار، واللائحة تطول.

نظرًا إلى كلّ تلك التحديات (غير الموجودة في "وادي السيليكون") التي تعاني منها كينيا في إفريقيا والأردن في الشرق الأوسط، فمن الطبيعي أنّ تتطلع هاتان البيئتان إلى بعضها البعض، أو إلى الهند والصين وشرق آسيا، من أجل معرفة السبل الفضلى لبناء بيئات ريادية سليمة وناجحة.  

لعلّ نموذج الهند في الاستعانة بمصادر خارجية لا يتوافق مع قطاع التكنولوجيا والمعلومات في كينيا، وقد لا تطمح الأردن مباشرةً لاعتماد استراتيجية الصين في إنتاج نسخ مكرّرة سريعة وأقلّ كلفة لمنتجات عالمية جديدة. غير أنّ طرق البيئتين في بناء الشركات وتطويرها من خلال تدريب المواهب وتغذيتها، قد تكون مفيدة ومصدر تعلّم. ومن الواضح أنّ الشركات المزدهرة في الإقتصادات الصاعدة حاليًّا قد نجحت لأنّها، إمّا ابتكرت نماذجها الخاصّة، وإمّا أقلمت مفاهيم من "وادي السيليكون" لتلائم أوضاعهم الخاصّة.

جعل العالميّ محليّ

المبدأ بسيط، ألا وهو أنّ "وادي السيليكون" يملك من دون شكّ دروسًا قيّمة تستحقّ التعلّم والتشارك، فضلاً عن مبادئ ونظريات واستراتيجيات سليمة قابلة للإختبار عالميًّا. لكن، وبالتزامن، ستنشأ نماذج ريادية جديدة من خلال تعديل البرامج والمحتوى ليصبحا محليين، في الوقت الذي يبحث العالم النامي عن وسائل للخروج من المشاكل التي يتخبّط فيها ولتلبية متطلّباته الخاصّة.

وتبقى الأسئلة تطرح نفسها: ما هي الدروس التي يمكن لشركات ناشئة كينية أن تستخلصها من تجارب "ماركة في آي بي" MarkaVIP الأردنية و"سوق.كوم" Souq دبي؟ وما الأمور التي يمكن أن تتعلمها المؤسسات الأردنية المتخصّصة في برمجيات المحمول إن أخذت بنجاحات شركات مثل "أم بيزا" M-Pesa الكينية أم تلك التي تشغر الشركة الحاضنة "أم لاب" M;Lab في نايروبي؟ كيف يمكن لمنصّة المشاركة الجماعية "يوشاهدي" Ushahidi أن تتبادل المعرفة مع منصّات مراقبة الحوادث مثل "حارات" 7arat.com في الأردن و"حرس ماب" Harass Map في مصر؟ كيف يستطيع ريادي زراعيّ نيجيري أن يتعلّم من شركة توزيع بذور ناجحة في كينيا؟ كيف وكيف... واللائحة تطول هنا أيضًا.

كم كانت لتسرّني رؤية المزيد من الكينيين في الأردن ومن الأردنيين في كينيا، روانديون يتعلّمون من نيجيريين ومصريون من باكستانيين، رؤية الحماسة نفسها  التي نبديها لزائر من "وادي السيليكون" أمام ريادي هندي أو صينيّ ناجح.

كم أودّ رؤية رياديين يدرسون حالات نجاح وفشل شركات من مدينة أكرا وكراجي، ومن مدينة فريتاون وكيغالي، ومن عمّان ونايروبي، شركات قد تعطي دروسًا لرياديي الإقتصاد الصاعد أثمن من دروس "فايسبوك" و"جوجل". 

إذًا، لننسَ أساطير "الثراء السريع" التي تتداول على الساحة الريادية، لأنّ التوسّع في سوق ناشئة يستدعي مقاربة أبطأ تتطلّب بدورها بناء بيئة كاملة وليس شركة منفردة، بيئة تتعلّم وتتكيّف باستمرار مع السوق العالمية.

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة