ما هي أوجه الإختلاف بين البيئة الحاضنة في الأردن وفي كينيا؟

اقرأ بهذه اللغة

في مقالتي السابقة، شرعت إلى تحديد نقاط التشابه بين البيئتين الحاضنتين التابعتين لـ"سافانا السيليكون" الصاعدة و"وادي السيليكون"، في نايروبي، وكينيا وعمّان، والأردن على التوالي.   

لاحظت في البلدين (كينيا والأردن) بروز محفّزات أساسيّة أوليّة أدّت إلى الفورة التكنولوجية، ووجدت أيضًا أفكارًا متشابهة وتحدّيات مماثلة، كالثغرات بين المطوّر والريادي، والنقص في عدد المستثمرين، ومستويات الفشل غير المعلن عنها والشركات التي توشك على الإقفال.    

حان الوقت إذًا لننظر إلى الاختلافات التي مكّنت كلّ هاذين البلدين من البقاء والاستمرار.  

تحدّثت في الأسبوع المنصرم إلى هيث أرنسين، ريادي ولد في كينيا ويعمل في الأردن، يدير "تناسق تكنولوجيز" Tanasuk Technologies، وهي شركة تطوير برامج ناجحة متكاملة الخدمات، بدأت نشاطها في الأردن منذ أربع سنوات وافتتحت مؤخرًا مكتبًا لها في كينيا.

من خلال حديثي مع هيث ومع آخرين من البلدين حول سياسات الأعمال والشركات الناشئة، إليكم ما استقيت:

القطاع العام مقابل القطاع الخاصّ

تطورت الساحة التكنولوجية في نايروبي على الرغم من عدم تدخل الحكومة الكينية إن صحّ القول، نظرًا إلى أنّ القطاع الخاصّ هو الذي دفع إلى الفورة التكنولوجية، ولم تؤدي الحكومة إلاّ دور المشاهد غير الفاعل، فاسحة المجال أمام الشركات الخاصّة والمنظّمات والأفراد للقيام بالأعمال.

سبق وشكّلت الدولة الكينية مجلس تكنولوجيا الإتصالات والمعلومات، إلاّ أنّه يُعنى بالتخطيط على المستوى العالي وبإرساء العلاقات مع الشركات المتعدّدة الجنسيّات وبتعزيز الريادة والتكنولوجيا في كينيا بشكل عامّ، في حين تتصدّر الشركات الخاصّة الطليعة. 

أمّا في الأردن، فنشأ قرار تحويل البلاد إلى محور إقليمي لتكنولوجيا الإتصالات والمعلومات بتحفيز وتوجيه مباشر من الحكومة، مع اضطلاع القطاع الخاصّ بدوره الفعّال أيضًا، حتى أنّ الملك عبدالله الثاني بنفسه كان قد أدى دورًا جزئيًّا في إطلاق مؤسسة تسريع النموّ الأولى في الأردن "أويسيس 500" Oasis 500.

بهذه الطريقة تكون الأردن أقرب إلى صناعة رواندا التكنولوجية النامية والمبنيّة على التخطيط المركزي، إذ أنّ كلي البلدين صغيران، يعانيان من نقص حادّ في الموارد الطبيعية، ويحيطهما ببيئة قاسية (رواندا في مواجهة مستمرّة في شرق الكونجو منذ عقدين، والأردن تطوّقها النزاعات).

ابتكار التطبيقات مقابل ابتكار المحتوى

إلى الآن، 75% من المنصّات التي تأسّست في الأردن تتضمن محتوى عربي، ويبدو أنّ هذا الواقع لن يتغيّر، مع الأخذ بعدد القرّاء المتنامي للغة العربية وبتكاثر الشركات الناشئة الأردنية التي تركّز على خلق المحتوى.

لا تنتج الشركات الناشئة الكينية من جهتها محتوى بهذا الحجم، بل تبتكر التطبيقات، وبخاصّة تطبيقات للمحمول، سعيًا منها إلى الإستثمار في الإقتصاد والمجتمع الكينييْن المتركّزين حول صناعة المحمول.

متفائلون مبتكرون مقابل مدراء مستقرّين

هذا هو الفرق الملومس بين أنواع المواهب المختلفة في كينيا والأردن. التعليم في الأردن أفضل بشكل عام، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنّ كينيا تنتج مطوّرين أو رياديين أسوأ في مضمار التكنولوجيا. بل على العكس، يزخر البلد بالمواهب الخلاّقة التي غالبًا ما تعوّض عن النقص في الخبرة أو التعليم، بفضل الثقة بالنفس.

بالفعل، يحمل معظم الرياديون الكينيّون بطاقة عمل أو يملكون صفحة على موقع "لينكد إن" LinkedIn حيث يعرّفون عن أنفسهم كرؤساء تنفيذيين أو مدراء عامّين لشركة ما، حتى وإن لم يقتصر المشروع إلاّ على فكرة. وأنا لم أسمع قطّ رياديًّا كينيًّا يتفوّه بـ"لا" أو يقول "نعجز عن فعل ذلك". هذا نوع من التفاؤل المرح الممزوج ببسمة كينيّة مميّزة. 

في الأردن، تشحّ البسمات. هي ليست أرض المتشائمين، لا، بل مكانًا تجد فيه نبرةً أكثر جديّةً وواقعيّة على مستوى المجتمع الريادي. لعلّهم أقلّ ابتكارًا وتفاؤلاً، لكنّهم يبرعون كثيرًا في الابتكار والعمل ضمن أنظمة وشركات هيكليّة، تلك التي هي من النوع الإداري. باختصار، كينيا مليئة بالرياديين الذين يحبّون الابتكار، والأردن تزخر بالرياديين الذين يبنون الشركات.

ما هي القدرات؟

تحظى الأردن بالأفضليّة على صعيد استيعاب المعايير الدولية، لا سيما أنّها محاطة بتل أبيب، دبي ودول الخليج، ما يعني أنّ الشركات والرياديين الأردنيين يدركون حجم الفرص والإمكانيات في مجال العمل على المستوى العالمي.

من ناحية أخرى، تجد كينيا نفسها منعزلة بعض الشيء. هي القدوة الإقليمية في مجالي الأعمال والتكنولوجيا، بالمقارنة مع دول الجوار من صوماليا وأوغندا وتانزانيا والسودان، لكنّها من دون شكّ ساحة محدودة بالمقارنة مع الأردن، على الرغم من انفتاحها على الأسواق الدولية. إنّما الكينيون الذين يغادرون يتأقلمون حتمًا مع المنظور العالمي.

السوق

نهايةً، سبق وأشرت في مقالتي الأخيرة إلى وجود فارق أساسي بين البيئتين: كما أعيد تذكيري به مرارًا وتكرارًا، أنّ الأردن ليست سوقًا، فهي ضيّقة للغاية و90% من الشركات الناشئة فيها تستهدف أسواقًا خارجيّة، في حين أنّ سوق كينيا عملاقة بحجم سكّاني هائل يبلغ 41 مليون نسمة، أضف إليها طبقة وسطى وقوّة شرائيّة متزايدة.

لعلّ هذا الواقع هو الذي يدفع بالرياديين الكينيين إلى تركيز عملهم على السوق المحليّة، عبر مقارباتهم وأفكارهم وتجاربهم.

لم يبدأ الكينيّون بعد بالمنافسة عالميًّا لأنّهم يسعون حاليًّا إلى بلوغ أقصى الإمكانيّات داخليًّا، والمنافسة العالمية تبدأ ما إن يبدأون في التطلع إلى الأسواق الخارحية للتمويل أو إلى الأسواق الجديدة، ما بدأ يحدث للتّو، ولذلك يشعرون ربما بالإحباط في بحثهم عن رأس مال أجنبي.

اليوم، إنّ هاتين البيئتين الحاضنتين، بالإضافة إلى منطقتي الشرق الأوسط وشرق أفريقيا، هما في صدد التعلّم من بعضها البعض، والهوة في طريقها إلى أن تُردم.  

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة