هل يشكّل الإنترنت خطرًا على الخصوصية ؟ [مناقشات ومضة]

اقرأ بهذه اللغة

هذا المقال هو الثاني من سلسلة جديدة عنوانها "مناقشات ومضة". يستعرض فريق "ومضة" بين الحين والآخر موضوعًا أو تحدٍّ قائم في المنطقة العربية ويناقشه، بغية تحديد آخر التوجّهات والحلول الممكنة والثغرات المتبقّية، ومن ثمّ يقترح سبل المعالجة الأنجح.

قبل ظهور الشبكات الاجتماعية، كان الإنترنت محافظاً على خصوصيته بشكل مقبول، حيث كان الناس يستخدمون أسماء مستعارة وعناوين إلكترونية مضحكة ويعيشون حياة افتراضية منفصلة. ولكن هذا الفصل تلاشى مع ظهور "ماي سبايس" MySpace و"فايسبوك" بشكل خاص، وهو ما أجبر المستخدمين على استخدام أسماء حقيقية وتأكيد هوياتهم الحقيقية ودمج حياتهم الافتراضية بالمادية.  

وأولئك الذين يريدون الخصوصية ما زالوا قادرين على العثور عليها وبدرجة كبيرة، حيث بإمكان الناشطين وغيرهم تشفير أنشطتهم وإخفاء حياتهم على الإنترنت.

ولكن بالنسبة لغالبية مستخدمي الإنترنت، ما زال هذا الأمر فكرة ثانوية إذ تتم مشاركة حياتنا بشكل متزايد على وسائل الشبكات الاجتماعية. ومع توجه شبكات اجتماعية مثل "فايسبوك" إلى تشجيعنا على أن نكون منفتحين أكثر (لسبب رئيسي هو أن هذا يحسّن جمع البيانات)، نجد أنفسنا حساسين ومتوترين لخضوعنا لتغييرات مستمرة في الخصوصية.

بدأ فريقنا مناقشة المسألة من خلال طرح سؤال هو: هل الشبكات الاجتماعية تشرح للمستخدم بما يكفي عن سياسة الخصوصية؟

وبعد أن ناقشنا فوائد البيانات الكبيرة مقابل الحاجة إلى الخصوصية، بدأنا أيضاً بالنظر إلى الطرفين الأقصيين لسياسة الإنترنت:

1 ـ سياسة منفتحة بالكامل

ماذا إن كانت جميع البيانات التي تبحث فيها وتشاركها وتقرأها وتكتبها مرتبطة بك شخصياً؟ ماذا إذا تم جمع هذه البيانات وأتيح لأي كان أن ينظر إلى تاريخك في أي وقت كان؟ هل ستكون مرتاحاً لذلك؟

حتى الآن، ليست هذه هي الحال فمعظم بياناتك لديها خصوصية بالقدر الذي تحدده خاصيات الخصوصية التي تختارها، وبإمكان معظم الشبكات الاجتماعية أن تشتري أو تحلل بيانات عامة فقط، إلاّ إذا كان هناك مذكرة قضائية (نعم قد يقوم "جوجل" بمشاركة بياناتك الخاصة إذا اعتبرت دليلاً مقبولاً ـ وبإمكانك قراءة سياستهم هنا).

وإن كان بإمكان الجميع أن يبحث في بياناتك، فعندها تكون خصوصيتك باطلة. ومعظم أعضاء فريقنا لم يكونوا مرتاحين مع هذا السيناريو. 

واليوم إنّ أقرب مرحلة ممكنة من هذه السيناريو هي رؤية إعلانات مرتبطة بالنشاطات التي تبحث عنها على "جوجل" و"فايسبوك" وفي أنحاء الويب، وملاحظة وجود معلومات ظننت أنها مخبّأة أو ملغاة. فقد وجدت المديرة الاجتماعية في ومضة، ستيفاني نور برينس أمراً مثيراً للقلق بشكل خاص وهو أنه بعد أن تعهد "تويتر" بألاّ يدرج تغريداتك الماضية على المنصة في فئة الأرشيف، ها هو يقدم للمستخدمين إمكانية الدخول إلى تاريخهم الكامل من التغريدات والتي هي أيضاً متوفرة للاستهلاك العام.  

2 ـ سياسة مغلقة بالكامل

من جهة أخرى، ماذا يمكن أن يعني إنترنت خاص ومغلق بالكامل بالنسبة للمستخدمين؟

ألمانيا هي مثال توقفنا عنده حيث أنها تتميّز بإحدى أكثر قواعد الخصوصية تشدداً على الإنترنت، إذ تجبر "فايسبوك" و"جوجل" على تخفيف انفتاح بعض خاصياتهما من بينها التحديد التلقائي للمواقع الجغرافية وتطبيق خاصية "رؤية الطريق" (Street View) على خرائط "جوجل".  

ولكننا نعترف بأننا على الرغم من عدم ارتياحنا بالكامل إلى الإنترنت المفتوح، إلاّ أن الإنترنت المغلق لا قيمة له كثيرًا والجميل في المشاركة هو أنك تكتشف أمورًا جديدة. ومشاركة البيانات والتفاعل يسمحان لنا بخوض تجربة أكثر شخصية ومساعدتنا على اكتشاف الآخرين وتوسيع اهتماماتنا.     

ومن شأن الانغلاق الكامل للإنترنت أن يسبب فقدان قدرتنا على فهم الآخرين على الإنترنت من أجل التواصل معهم والتحضير بشكل أفضل لمرحلة بلوغ التواصل في العالم الحقيقي. وبإمكان هذا أن يدمّر بعضاً من ما نقدّره على الإنترنت.  

إضافة طابع شخصي

تقودنا مناقشة السبل التي نقيّم من خلالها مدى الانفتاح على الإنترنت، إلى موضوع جديد:

هل يجب أن يعمل الإنترنت على اقتراح مواضيع جديدة ومعلومات عليك؟ أم يجب أن يكون مصمماً على قياس حاجاتك؟ أو بعبارة أخرى، هل يجب أن يعمل الإنترنت على تشجيع الاستكشاف؟ 

يخشى البعض من أنه كلما كان الويب ذي طابع شخصي أكثر، كلما حصرنا بدوائرنا الضيقة وقدّم لنا الأخبار والآراء التي نوافق عليها.

قد لا تكون مسؤولية الإنترنت تنوير المستخدمين حول الآراء المتعارضة ولكن حريّ بنا أن ننظر إلى القوة التي تعطيها إضافة طابع شخصي على أي نظام خاص بمتصفّح ما. فكيف تحدد هذه المنصات وتكشف ما الذي نريد أن نعرفه؟

وكانت عدم رغبتي بأن أكون محصوراً باهتماماتي الخاصة أحد الأسباب التي دفعتني إلى إلغاء تفعيل خدمة اكتشاف الكلمات على حسابي في "جوجل". وغالباً ما ناقش الخبير التكنولوجي إيثان زوكرمان مفهوم "الفقاعة المصفّاة" خصوصاً على "تويتر" حيث يمكن أن يعلق المستخدمون في محادثاتهم من دون أن يعرفوا أبداً عن القضايا الكبرى في فقاعة أخرى.  

وفي المقابل، يقدّر كثيرون الراحة التي ينضوي عليها البحث في المقالات والأمور المنشورة التي تنسجم مع اهتماماتهم، والإعلانات ذات الصلة، والتوصيات بملاحقة أصدقاء معينين أو منظمات أو قضايا معينة. ووجدت الكثير من أصدقائي القدماء ووسّعت اهتماماتي فقط عبر الضغط على خاصية "من تلاحق" Who To Follow على "تويتر".

اقتراحات لخصوصية متوازنة

في نهاية المطاف، دفعنا العثور على نقطة وسط "سعيدة" بين الانغلاق التام والانفتاح الكامل، إلى الخروج ببعض الأفكار حول شكل الإنترنت المثالي:

ـ يجب أن تطلب منك المنصات أن تحدد إعدادات الخصوصية قبل أن تفعّل حسابك (يجب أن تكون إعدادات الخصوصية أمامك).

ـ حين تسجّل في حسابك، يجب أن تعرض عليك المنصة بشكل تلقائي وعشوائي خيار النظر إلى حسابك من حسابات آخرين لترى كيف يبدو بالنسبة إليهم.

ـ كل ثلاثين يوماً يجب على المستخدمين أن يصدّقوا على أية تغييرات في إعدادات الخصوصية أو تصميم الملف الشخصي على المنصة. 

ـ عند البحث على الإنترنت، يجب أن تكون نسبة 20% من البيانات التي يقدمها أي محرك بحث، عشوائية من أجل تقديم إمكانية أكبر للاكتشاف وتفادي الوقوع في ما يعرف بـ"غرفة الصدى" أي الوقوع في دائرة مغلقة.

ـ يجب أن تكون البيانات في نهاية المطاف بياناتك وأن يكون بإمكانك بسهولة نقلها بين منصات الشبكات الاجتماعية.

ـ يجب أن يُستبدل احتكار "فايسبوك" للتحاور الاجتماعي بالكثير من المنصات الصغيرة التي تتنافس في ما بينها من أجل خدمة أفضل للمستهلك وإعدادات أفضل للخصوصية وسهولة في الاستخدام.

والفرصة الأخيرة التي توقفنا عندها هي الحاجة إلى منصة بإمكانها أن تحمل بياناتك من شبكة اجتماعية إلى أخرى بدلاً من إجبارك على إعادة خلق شبكاتك وتحديد هويتك كل مرة (مثل الهوية المفتوحة).

وبالطبع تفضل الشبكات الاجتماعية في الوقت الراهن أن تملك هي هذه البيانات لأسباب معروفة. ولكن في النهاية، اتفقنا على أنّه لدى المستخدمين قوة تقرير أعدادت خصوصية حسابهم على كلّ منصة لذلك فإن عملية احتجاج كبيرة من شأنها كف يد الشبكة الاجتماعية عن البيانات (أسرع على الأرجح من أي حكومة). ولكن حتى الآن لم يكن هناك ضغط كبير لتغيير الوضع الراهن إلاّ أنه في السعي إلى نقطة وسط بين الانفتاح والملكية، يجب علينا أن نبقى متيقظين.  

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة