الريادة: خطوة ضرورية وطبيعية

اقرأ بهذه اللغة

 نشرت هذه المقالة في الأساس على "مجلة هارفرد لإدارة الأعمال" Harvard Business Review في 10 نيسان/أبريل 2012 ونُقِلت بتصرّف.

قابلت الريادي السلوفيني، ساندي سيسكو عام 2007، حين كانت شركته "استوديو موديرنا" Studio Moderna التي لها عمليات تجزئة على قنوات متعددة ومقرها ليوبليانا، تحقق مبيعات بقيمة 70 مليون دولار. وكان هذا الرقم لا بأس به إلى أن التقيت به مجدداً قبل شهرين وتبيّن لي أنه بعد ست سنوات توسّع عشر مرات أكثر، وكل ذلك نتيجة نمو طبيعي. وهو يوظف حالياً أكثر من 6 آلاف شخص. إذا الوضع الآن أفضل بكثير.

التوسّع يعني النموّ والنموّ يعني المزيد من الوظائف والمال والعائدات الضريبية. وكنت قد دعوت في مقالة نشرتها مؤخراً في "مجلة هارفرد لإدارة الأعمال، إلى تسليط الضوء على حقيقة أننا نحن المروجون للريادة، نركز كثيراً على مرحلة إنشاء الشركات وأننا نحتاج إلى إعادة موازنة النقاش من أجل دعم مرحلة التوسّع أيضاً. ويشمل هذا النقاش أيضًا أصحاب المشاريع أي الرياديين أنفسهم والمستثمرين وصانعي السياسات في الحكومة.

بالنسبة للرياديين فإن التحديات في مرحلة التوسّع قبل كل شيء، هي مسؤولية الإدارات ومجالس الإدارة. لا تطلبوا المساعدة من المسؤولين الحكوميين من أجل توسيع مشروعكم أكثر بعشر مرات. أما بالنسبة لصانعي السياسة، بإمكانهم تأدية دور رئيسي في تعزيز البيئة الحاضنة الريادية التي تدعم الرياديين الذين يوسعون شركاتهم الناشئة. وإليكم بعض النصائح، صودف أن معظمها غير مكلفة مالياً، تساعد على تسهيل عملية التوسع:

 إزالة الحواجز أمام النمو يجب أن تكون على رأس أولوياتكم. ريادة الأعمال هي خطوة طبيعية، وجانب طبيعي من الحالة الإنسانية جغرافياً وثقافياً وتاريخيا. لذلك قررت الحكومة البرازيلية مؤخراً تسهيل حياة الشركات الصغيرة من خلال سن قوانين خاصة وإصدار إعفاءات ضريبية للمؤسسات الصغيرة سمّيت "Simples ". وكانت هذه فكرة عظيمة حيث ساهم النظام الضريبي Simples Nacional بالفعل في جعل الاقتصاد البرازيلي غير الرسمي رسميًّا.  

ولكن من دون حل مشكلة البيروقراطية غير الشفافة والمعقدة، تبيّن أن الحكومة البرازيلية، على الرغم من نواياها الجيدة، تؤخّر عملية توسّع الشركات الصغيرة، وتعرقل مسيرة الرياديين الراغبين في التوسع. وهو أمر لن يحفزهم على التوسّع بل على إبقاء مشاريعهم صغيرة، لأنهم حين يتوسّعون سيصطدمون بواقع إداري قاسٍ. وكما أخبرني ريادي في ريو دي جانيرو، "جمعت تسعة أشخاص، وألقيت نظرة على السلّم التنظيمي المعقد الذي عليّ تسلّقه ثم قررت العودة وافتتاح  شركات صغيرة إضافية، بدلاً من تطوير شركتي لتصبح كبيرة. فثمة أمور هائلة يجب القيام بها".

لا تميّزوا الرياديين عن غيرهم. إذا قمتم بإزالة العوائق، فلستم بحاجة عندها إلى تحفيز الرياديين على تطوير أعمالهم. وبما أنه يصعب التحديد مسبقًا من هو ريادي ومن ليس كذلك، فإن الحوافز والفوائد التي تقدم مسبقًا للرياديين، قد تعدّ تحديات للرياديين الذين لا يستفيدون من هذه الحوافز. والكثير من البرامج التمويلية قد عملت لصالح بعض المشاريع الريادية فقط لأنها "شركات صغيرة". 

فمثلاً في فرنسا، إنّ نسبة العثور على شركة تضم 49 شخصاً هي ضعف نسبة العثور على شركة من 50. لماذا؟ لأن السياسة خلقت نظاماً مشوّهاً حيث من العقلاني أن ترغب الشركة الصغيرة بالبقاء بهذا الحجم وعرقلة محرك النموّ.

فالسياسات المجزّأة، مثل الحسم الضريبي على الاستثمارات التأسيسية ضمانات على القروض، ضريبة دخل مخفّضة، الاستثمارات المباشرة والصناديق الحكومية لتمويل المشاريع إلخ.. انتشرت بسرعة البرق. ومن المستحيل قياس فعاليتها، غير أنها مقارنة مع العوائق التي تعرقل توسع الشركات الناشئة، فهي تعدّ حلولاً سريعة، تستخدم موارد حكومية ضئيلة.

لا يمانع الرياديون الحقيقيون دفع الضرائب، لذلك يجب وضع قانون ضريبي واضح، يتمتع بحجم طبيعي ويطبّق بشكل صارم. فالضرائب بحد ذاتها لا تعيق ريادة الأعمال. وقد تحدثت إلى الكثير من الرياديين وصانعي السياسة في الدانمارك، التي تضم أحد أنظمة الضرائب الأكثر ارتفاعًا في العالم. وصحيح أن لا أحد يحب دفع الضرائب، إلاّ أن الدانماركيين لا يشتكون بقدر ما تتوقعون، لأسباب من بينها أنهم يحصلون على خدمات حكومية ذات مستوى ممتاز من حيث الكمية والنوعية، مقابل الضرائب التي يدفعونها. كما وأن إدارة ضرائب الشركة هناك هي سريعة نسبياً وبسيطة ومتوقعة ومنطقية.  

كلّ شخص من المكسيك أو أوكرانيا يعلم تمامًا أن الكثير من الأنظمة الضريبية هي "معادية" للشركات بشكل عام، ولكن يبدو أن بعضها يستهدف بعدائية أكثر الرياديين، الذين سيخلقون الموجة التالية من الوظائف. والضرائب على العائدات (التي تختلف عن الضريبة على القيمة المضافة)، والضرائب على الأصول، الضرائب التي تدفع قبل احتساب الأرباح أو الفواتير، واسترجاع قيمة الضرائب الذي يأخذ أشهراً، كلها أعباء هائلة على شركة تسعى إلى التوسّع سريعاً حيث إدارة السيولة هي أساس بقائها. فإذا أردنا الوظائف التي تخلقها هذه الشركات، علينا إذًا أن نصمّم (ونطبّق بشكل صارم) نظاماً ضريبياً أفضل، بدلاً من التلاعب بالضرائب واعتبارها حوافز. فنحن لسنا بحاجة حتى إلى تحفيز الناس على التوسّع.  

تريدون حل مشكلة رأس المال؟ ابدأوا بالدفع للمزودين في الوقت المحدد. إليكم المفارقة: في بورتوريكو كلّ مزوّد يعمل مع الحكومة يعلم أنّه لن يتلقى أجره قبل سنة، على الرغم من أن القانون ينص على الدفع خلال أربعين يوماً. لذلك يتعاقد الرياديون في بورتوريكو مع مستشارين للضغط على الحكومة من أجل الدفع وفي المقابل يقومون برفع أسعارهم لتعويض التأخير في الدفع.

وثمة قانون ينص على اعتبار تأخر الحكومة في الدفع جريمة، ولكن من المعروف على نطاق واسع بأنك إذا حاولت تنفيذ القانون فأنت لن تحصل على العقد التالي قبل مضي وقت طويل.

وقدّرت مرة بأن المزودين يستخدمون مليار دولار من السيولة لتمويل المدفوعات المتأخرة لحكومة بورتوريكو، هذا عدا عن الكلفة الإضافية على عامة الناس بسبب زيادة الأسعار التي يفرضها المزودون.

وتجدر الإشارة إلى أن مشاريع النمو في بورتوريكو تتعطش لرأس المال، وبدأت الوكالات الحكومية تستثمر المال العام لتحاول إطلاق قطاع رأسمال مغامر ولكن من دون نجاح.    

تأمين استراتيجية خروج لتحسين الدخول والتوسّع. عدم وجود استراتيجية خروج موثوقة للشركات يخلق ازدحاماً عند الانطلاق. فعلى سبيل المثال، من شبه المستحيل أن تعتمد المشاريع في طور التوسّع في الكثير من الدول، بينها البرازيل والدنمارك، على اكتتاب عام من أجل خروج ناجح.

وهذا الازدحام يبطئ عملية تدفق المشاريع والرأسمال المغامر في ظل غياب رأسمال مغامر ومشاريع قابلة للتوسّع، وكل منهما يعرقل عملية تقدّم الآخر.

عرقلة تدفق الرساميل تنتج آثار بدورها: فلماذا يريد أي شخص عقلاني أن يترك وظيفة آمنة ومريحة ورفيعة المستوى في شركة "بتروبراز" Petrobras  أو "فالي" Vale الحكوميتين، إن لم يكن هناك احتمال كبير بأن يجني ثروة؟ فإصدار سياسات للشركات الناشئة من دون تأمين طريقة للنفاذ إلى أسواق الاكتتاب العام، يشبه الانحدار سريعاً على طريق موحلة ووعرة.

يجب أن يملك أصحاب الأسهم والحكومات حوافز مختلفة. بإمكان الحكومة الاستثمار أحيانًا في شركات ناشئة لكن هذا فقط بهدف الإظهار للمستثمرين أنه ثمة فرص تستحق الاستثمار.

اجتمع، احتفل، حفّز. أطلق العمدة توماس مينينو مبادرة "حي الابتكار في بوسطن" Boston’s Innovation District عام 2010، حيث وضع مع فريق عمله، رؤيا بسيطة وجذابة تقوم على مبدأ "العمل واللهو والعيش"، بالإضافة إلى مجموعة من المبادئ التشغيلية ومجتمع إلكتروني، ومن ثم عمل على جمع مختلف اللاعبين معاً: مطورو عقارات ومنظمو منافسة بين الشركات الناشئة ورياديون ووكالات إعلانات ومستثمرون وشركات تكنولوجيا متطورة كبرى وشركات حاضنة للأعمال خاصة، وجامعة بابسون Babson، ومنظمات أهلية ونقابات للفنانين.   

وبعد خلق 4 آلاف وظيفة، لم ينفق العمدة أي مبلغ مالي يُذكر وعمل فقط مع فريق عمل افتراضي، ولم يقدم أي حوافز مالية، باستثناء حالة واحدة، وهي الاستقرار هناك. فقد دفع القطاع الخاص فاتورة الإقامة بالكامل لحوالي مائتي شركة تسعى للتوسّع خصوصاً لأنه رأى في ذلك استثماراً جيداً.

نهاية، إن أول وأفضل ما يمكن أن يفعله صانعو السياسة هو إزالة الحواجز أمام الرياديين كي يوسّعوا شركاتهم.

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة