مقهى في شرق السعودية يعزز إبداع الشباب

اقرأ بهذه اللغة

العام الماضي، تحدّث المساهم في "ومضة"، عبي الكردي، عن  دور المقاهي في تعزيز الإبداع في المنطقة العربية. جادل حينئذٍ في الموضوع قائلاً إن المقاهي في أوروبا في القرن التاسع عشر كانت بمثابة "مركزٍ للأحاديث الفنية والعلمية"، ما سمح للفنانين والعلماء والكتّاب والمفكرّين بالتواصل وتبادل الأفكار حول مشاريع في مجالات مختلفة. ومن الأمثلة التي ذكرها في هذا الإطار كان مثال صاحبة الصالون الأدبي ذات النفوذ العالي، بيرتا تزوكركاندل التي استضافت في غرفة الجلوس في منزلها في فيينا، في نهاية القرن التاسع عشر، فنانين ومفكرين لامعين أمثال ماكس راينهارت وآرثر شنيتزلر وغوستاف ماهلر وأنتون كوليغ.

غير أنّه أوضح أن ظاهرة القهوة والمقاهي لم تنبع من أوروبا، بل من الشرق الأوسط ونالت شعبيتها في نهاية القرن الخامس عشر، إذ تحدث المؤرخ العثماني پچوى إبراهىم افندى İbrahim Peçevi في كتاباته عن افتتاح أول مقهى في اسطنبول قائلاً: "لم تكن القهوة والمقاهي موجودة في الأراضي العثمانية بشكل عام وفي مدينة القسطنطينية السامية بشكل خاص قبل العام 962 (1555 م). في تلك السنة تقريباً، حضر رجل إلى المدينة من حلب يدعى حَكَم، وثانٍ من دمشق يدعى شمس وافتتحا متجرًا كبيراً في حي "تحتاكالي" Tahtakale حيث بدآ ببيع القهوة." ومع حلول مطلع القرن السابع عشر، كانت المقاهي قد انتشرت في دمشق ومصر ومكة المكرمة.

أثّر هذا التحول الهام في الشرق الأوسط إلى جانب الاستعمار والحروب والصراعات السياسية بشكل كبير في طريقة خوض الأحاديث في المنطقة العربية، فأدى في بعض المناطق إلى ازدهار ثقافات إبداعية فيما أدى في مناطق أخرى إلى غياب الساحات العامة التي تعزز هذا الإبداع. ويبرز ذلك بأوضح أشكاله في مناطق كالمملكة العربية السعودية، التي لا تنقصها الموارد البشرية الموهوبة والبارعة، غير أنها تفتقر إلى أماكن تعزز هذه الإمكانيات البشرية والحس الإبداعي لدى الشباب. لا تكمن المشكلة هنا في الافتقار إلى المقاهي، فالبلد مليء بسلاسل مقاهي عالمية مهمة وهائلة، بل تكمن في الافتقار إلى نوع المقاهي المناسب.  

وكما أوضح الكردي في مقاله عام 2012، "هذا الشعور بالحاجة إلى المعرفة والتنوّر يغيب في معظم المقاهي العربية حيث تطغى الموسيقى الصاخبة والشاشات الوهّاجة على التبادل الثقافي. وما ينطبق على المقاهي الغربية، لا ينطبق على عدد كبير من المقاهي العربية. وإن أردنا أن نشهد عصرًا متجدّدًا من الريادة في المنطقة العربية، ربما تكون المقاهي نقطة انطلاق لا بأس بها".

ولعل الخطوة الأولى تبدأ من شارع الملك عبد الله في الخبر في المملكة العربية السعودية حيث تأسس مقهى "كافيا عرب" Caféa Arab عام 2008 كجزء من مجمع تراث الصحراء الذي مضى على تأسيسه 23 عاماً، والذي يعكس أنماط حياة قديمة ويروّج لتحف الفن الإسلامي، والتحف اليدوية المحلية، والقطع الأثرية، والسجادات المحاكة يدوياً، والتحف الثقافية المستوحاة من التراث السعودي.  

أما في الطابق الثاني من المجمع بجانب معرض الفنون، فيتميز المقهى ببيئة وديّة نابضة بالألوان مزودة بكراس ووسادات عربية الطابع، مصممة ومصنوعة محلياً، كما يساهم في هذا الجوّ الودي طاقم المقهى المؤلف من شبان سعوديين. يروّج المقهى بشكل مستمر لوظائف الدوام الجزئي في أوساط الشبان السعوديين، وهو مفهوم ما زال حديثًا في المملكة.  

كما يستضيف المقهى فعاليات ثقافيّة وفكريّة من تنظيم رجال ونساء متخصصين في قطاعات عدة. ولقد تسنّت لي الفرصة في الأشهر القليلة الماضية لأحضر عرضاً لفيلم وثائقي لمخرج صاعد، وطاولة حوار مفتوح نظمها فنان قدير، وحفل لجمع التبرعات نظمته امرأة سعودية تعمل على مشروع يسعى إلى تزويد الأيتام الغانيين بالمياه النظيفة. وقد استضيفت كل هذه الأحداث في هذا المكان المتواضع نفسه.

يُذكر أنّ المؤسسة الشريكة في المقهى، رنين بوخيري، خبيرة في الثقافة والفن وتسعى دائماً إلى الحصول على أعمال جديدة تعرضها وفنانين جدد تستضيفهم وأناس جدد تقابلهم، ويقودها تعطشها إلى استكشاف الثقافة والفن في الإسلام والشرق الأوسط في هذا السعي. ويتجلى اهتمامها بالفنانين والمفكرين الخليجيين من خلال الديكورات والمفروشات والمواهب الخليجية الصاعدة التي غالباً ما نصادفها هناك.

يمكننا، إذا أردنا، أن نقارن رنين بوخيري بـ بيرتا تزوكركاندل، فمقهاها أيضاً هو بمثابة الصالون الأدبي الحديث للمواهب الصاعدة في المنطقة. فلا تتفاجأ إذا ما زرت هذا المقهى في ليلة من ليالي الأسبوع ووجدت نفسك محاطاً بطلاب ومحترفين محليين وأجانب وبعدد من الفنانين الصاعدين يناقشون أحد مشاريعهم وربما بأحد مشاهير الانترنت المحليين.

ليس "كافيا عرب" سوى مكان صغير واحد، في حين أنّ حاجة الشباب السعودي تستدعي وجود أكثر منه بكثير. غير أنّه يبقى مع ذلك بمثابة قدوة، كونه موقعاً يدعم تصورات الشباب الإبداعية وربما يلهم سائر شباب المملكة العربية السعودية والمنطقة العربية للسير على خطى هذا المقهى.

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة