السياحة فرصة ضائعة في السعودية

اقرأ بهذه اللغة

حين نفكر بالسياحة في المنطقة العربية، عادة ما نتخيّل الأهرامات المصرية والمنتجعات الفخمة في دبي ومتاحف قطر والأرز في جبال لبنان. أما مملكة الصحراء في السعودية فنادراً ما تخطر في بالنا إن لم نقل لا تخطر مطلقاً.   

فبالنسبة لمعظم الناس، تشتهر السعودية بثروتها وآبارها النفطية، وربما بتمييزها ضد النساء وليس إرثها أو مواقعها السياحية المحتملة. ولكن هذه الدولة العربية الأكبر في غرب آسيا تتمتع في الواقع بتنوع واسع من نقاط الجذب السياحية.  

فمن المياه الفيروزية للبحر الأحمر إلى المشهد الاستثنائي لمدائن صالح ومن الجبال كثيرة الرياح لمنتزه عسير الوطني إلى الجمال الآسر للربع الخالي، لدى السعودية إمكانيات حقيقية بأن تطلق قطاعاً سياحياً يحقق شهرة عالمية. ولكن الإجراءات المعقدة للتأشيرات وغياب السياسة الرسمية الداعمة، تجعل هذا القطاع بعيداً عن متناول معظم السياح الدوليين.

تعقيدات تأشيرة الدخول إلى السعودية

لا يوجد في الواقع تأشيرة سياحة إلى السعودية، على الأقل ليس وفقاً للتعريف السائد. فالتأشيرات السياحية يجب أن ترعاها شركات مرخصة وحالياً يوجد خمسة منها فقط في السعودية وتصدر تأشيرات لجنسيات معينة فقط. وعلى السياح أن يسافروا ضمن مجموعات من أربعة أشخاص ويجب أن تكون النساء فوق سن الثلاثين ويرافقهن أزواجهن أو أي قريب ذكر. 

ولدى وصول السياح يجب أن يظلوا تحت مراقبة الشركة المرخصة. كما يجب أن يقلّهم دليل سياحي ويضمن خروجهم لاحقاً من البلاد. وخلال وجودهم في السعودية، على السياح أن يبقوا ضمن خط الرحلة المحدد مسبقاً وتحت إشراف الشركة السياحية. ويجب إبلاغ السلطات فوراً في حال "فقدان" أي سائح.

وبالإجمال عليك أن تأخذ في الحسبان 16 نقطة إن كنت تفكر في زيارة السعودية. فهذا المستنقع من الشروط الهائلة والإجراءات المرتبطة بذلك، لا يمكن أن يجعل هذا البلد مقصداً يستحق العناء للسياح الدوليين.

وفي المقابل فإن معظم التأشيرات التي تصدرها السعودية هي إما تأشيرات أعمال أو تأشيرات دينية. فتأشيرة الأعمال تسمح للأفراد بالسفر إلى السعودية للقيام بالأعمال نيابة عن شركته/ها بينما التأشيرة الدينية تكون للحج أو العمرة وتتوفر في أوقات محددة في السنة.

وغالباً ما تجمع التقارير عن قطاع السياحة في السعودية العدد الهائل من السياح الدينيين بأولئك السياح غير الدينيين، مما يعطي نتائج مضللة عن الحجم الحقيقي للقطاع. وفي حين أن برامج الحج والعمرة منظمة ويخصص لها عناية خاصة وتقدم خدمة جيدة لملايين المسلمين كل عام، لا ينطبق ذلك على السياح غير الدينيين. فحتى الأفراد المهتمون بزيارة المواقع التاريخية الإسلامية في الحجاز، مهد الإسلام، يواجهون تحديات مرهقة للحصول على تأشيرة.   

ولكن غياب التأشيرات السياحية في السعودية له أسبابه: فتدفُّق السياح غير الدينيين يمكن أن يقود إلى رد فعل عنيف من النواة المحافظة في المجتمع السعودي. كما أن بعض السياح الغربيين قد يجدون من الصعب الالتزام بالقوانين المحافظة لهذا البلد خصوصاً من ناحية طريقة اللباس والتصرف في الأماكن العامة.

كما أن السلبية التي تكون مُبالغة أحياناً في تصوير البلاد في الإعلام العالمي، تزيد قلق السياح الدوليين خصوصاً النساء. غير أن نجاح بعض الفعاليات السياحية المحلية الأخيرة مثل معرض الرياض للكتاب ومهرجان الجنادرية والتصوير الموضوعي للنساء السعوديات الناجحات في الإعلام الدولي، هي مؤشرات تعطي الأمل بأن السعودية قد تكون مستعدة لفتح أبوابها للسياح الدوليين.

مؤشرات على تغيير محتمل في السياسة

على الرغم من عدم إمكانية الولوج إلى المواقع السياحية المحتملة في السعودية، إلاّ أن الإمكانيات السياحية لهذا البلد حظيت في السنوات الأخيرة باهتمام لافت. فالهيئة العامة للسياحة والآثار التي تأسست عام 2012، تهدف إلى إقامة قطاع سياحة مزدهر خلال عشرين عاماً. وبقيادة الأمير سلطان بن سلمان، نفذت الهيئة مشاريع طموحة مثل مشروع تأهيل مدينة الدرعية التاريخية، وهي عاصمة الدولة السعودية الأولى، والذي يجري على قدم وساق. وتعود المدينة إلى عام 1744 ولديها أهمية تاريخية وسياحية بالنسبة للكثير من الزوار داخل المملكة وخارجها. وعند الانتهاء من المشروع سيضم الموقع خمسة متاحف وسوقاً للأشغال اليدوية وعرضاً للصوت والإضاءة.   

وقد أنتجت اللجنة أيضاً فيديوهات رائعة للترويج لجوانب مختلفة في السياحة بالمملكة العربية السعودية تسوّق للثقافة والإرث الحضاري للمملكة. كما أقامت الهيئة شراكة مع مؤسسة "سميثسونيان" Smithsonian لإقامة معرض "الطرق العربية" Roads of Arabia الذي يجول حالياً في المتاحف الأميركية والأوروبية مقدماً نظرة عن التاريخ الثقافي المجهول للسعودية. ولم يسبق أن خرجت أي من الأعمال المعروضة السعودية قبل عام 2012، حين أجري أول معرض استضافه متحف اللوفر. وهذا المعرض يروج فقط للصورة الإيجابية للمملكة وتاريخها وإرثها الغني ويحاول أيضاً أن يثير الاهتمام لزيارة السعودية. 

الفوائد الاقتصادية للسياحة

تعد أكبر مشكلتين تواجهان الاقتصاد السعودي هما البطالة بين الشباب والحاجة إلى التنويع من اقتصاد يقوم على الموارد. فقد يستطيع قطاع سياحي مزدهر المساعدة في حل المشكلتين.

وفي العام 2008، أنفق السياح المسافرين إلى دول أجنبية 944 مليار دولار  وقد حققت تركيا لوحدها أكثر من 22 مليار دولار من نفقات السياح. وهذا المال هو تدفق نقدي مباشر إلى اقتصاد الدولة المضيفة. كما أن السياحة تجلب سيلاً مستمراً من الوظائف إلى قطاع الخدمات وهو ما يمكن أن يحقق نمواً اقتصادياً هائلاً خصوصاً بالنسبة للمناطق الفقيرة في المملكة مثل عسير ونجران.

وقد تمتدّ الفوائد الاقتصادية لفتح السوق السعودية أمام السياح الدوليين إلى شركات سياحية أخرى في المنطقة. وبإمكان شركات مثل وايلد غمبانا Wild Gambana لوليد سمارة أن تكون قادرة على إضافة جبال عسير الخضراء وجبل الطوارق الصخري في الرياض إلى لائحتها للأماكن التي يقصدها السياح في المنطقة العربية، كما سيكون بإمكان السياح المهتمين بالمواقع التاريخية أن يستخدموا السعودية كمعبر فاصل في رحلتهم عبر المواقع التاريخية في شبه الجزيرة العربية. وبرأيي حان الوقت لأن تتبع السعودية طريق الدول المجاورة في الخليج وتظهر حسن الضيافة والكرم لديها للترحيب بالسياح الدوليين. ومنظمات مثل هيئة السياحة والآثار تقوم أساساً بخطوات نحو تحقيق هذا التغيير ولكن التحديات لا تزال موجودة. أما إذا قررت السعودية فتح أبوابها أمام السياح الدوليين، فإن المكافآت ستكون قيّمة وتستحق العناء.

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة