مساحة عمل مشتركة تحتضن الشركات الناشئة في إثيوبيا

اقرأ بهذه اللغة

عندما نفكّر أو نقرأ عن شركات تقنية ناشئة في إفريقيا، غالباً ما  يخطر في بالنا أماكن معينة: نيروبي في  كينيا، لاغوس في نيجيريا، أكرا في غانا والقاهرة في مصر.

ونادرًا ما نفكّر في أديس أبابا في إثيوبيا وذلك لأسباب وجيهة. ففي العاصمة الاثيوبية ما من شيء يبشّر بازدهار الشركات الناشئة، بخاصة وأن نسبة استخدام الانترنت هي أقل من ١٪ ونسبة انتشار الهواتف المحمولة تبلغ ١٧٪ فقط. أما قطاع الاتصالات فيها فتهيمن عليه الحكومة والرقابة المشددة والنظام المصرفي لا يعتمد البطاقات الإئتمانية بعد. والجدير بالذكر أنه تم اطلاق خدمة تحويل الأموال عبر المحمول "أم-بير" M-Birr هذا العام ولكن خلافاً للخدمة الاستثنائية الكينية "أم-بيزا" M-Pesa، فهي تحتاج الى حساب مصرفي لاستخدامها.

 إذاً كيف تبدو بيئة الشركات التقنية الناشئة في إثيوبيا؟

 على الرغم من كل المصاعب، تفاجأتُ بنشوء مجتمع نشيط للشركات الناشئة قد سبق أن كتبتُ عنه في مقالات سابقة على ومضة. ومن بين الشركات البارزة في هذا المجتمع، هناك "آيس أديس" Iceaddis وهو مركز تقني رائد وشركة مسرعة للنمو ومساحة عمل مشتركة.

 انطلقت "آيس أديس" في أيار/ مايو ٢٠١١ وهي تقع داخل ست حاويات شحن تم تصميمها بشكل غير تقليدي (وقد صممها أساساً مهندس معماري سويسري كصالة عرض فنية) في المعهد الإثيوبي للهندسة والبناء وتنمية المدينة في أديس أبابا. وقد وصفت نفسها على أنها "منزل الشركات الناشئة" في إثيوبيا.

من بين كل المراكز التي زرتها في شرق إفريقيا، لربما "آيس أديس" هي الأكثر تميزاً والمركّزة على نطاق واسع. وتتجاوز التكنولوجيا لتتواصل مع جامعة الهندسة المحيطة بها، لينعكس ذلك على الابتكار في التصميم والبناء والسلع العادية. حتى أنها تتقاسم مختبرًا لتنفيذ تجارب على النماذج الأولية، بدعم مستقل في الحرم الجامعي، الذي يأمل بالحصول على تقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد و"فاب لاب" FabLab  قريباً. 

وخلال مقابلة حديثة مع شون روبسون من "أي تي ويب إفريقيا" ITwebAfrica، شرح ماركوس ليما، منسق في "آيس أديس": "نحن نركز على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وإنّما أيضاً على التكنولوجيا الصديقة للبيئة والمستدامة."



بدايات "آيس أديس"

على غرار معظم المراكز في إفريقيا، بدأ "آيس أديس" كتجربة لجمع الرياديين التقنيين مع بعضهم البعض.

ويقول ماركوس " في البداية، لم نكن نعرف ما الذي نعمل عليه." وكان المؤسسون الأربعة يعملون مع "جيز" GIZ (منظمة غير حكومية دولية) لدمج البرامج في الجامعات (كالتعليم الإلكتروني) عندما أدركوا غياب أماكن يقصدها ويجتمع فيها المبدعون الشباب والرياديون.

ويقول ماركوس إن الأشهر الـ٨ و١٠ الأولى كانت مكرسة لتتفاعل هذه الجماعة مع بعضها البعض. ويضيف "بدأنا بتنظيم فعاليات صغيرة كورش العمل و"باركامب" Barcamp وبالتواصل مع المدوّنين وجمعنا هؤلاء الأشخاص معاً للمرة الأولى."

وأخيراً، مع تواصل هذه الجماعة، تطورت مساحة العمل المشتركة. حصلت "آيس أديس" على المزيد من التمويل وانتقلت الى مساحة خاصة بها وتزايد عدد أعضائها من ٣٠٠ الى ١٠٠٠ شخص اليوم. لا يستخدم الجميع المساحة يومياً الا أنهم جميعاً جزء من عائلة واحدة.

وكل بضعة أشهر، تدعو "آيس أديس" الرياديين إلى وضع خطط عمل تستوفي المعياريْن التالييْن: الابتكار لإثيوبيا وتطوير منتج قابل للبيع. ثم يختار الفريق عشرات الشركات لبرنامج تدريب يمتد على ١٢ أسبوع. وحالياً، نجد ٣٥ شركة في مرحلة تسريع النمو والتدريب وشركة في المرحلة الحاضنة. في تموز/ يوليو، ستقدم باقي الشركات خطط العمل الجديدة وسيتم اختيار بعضها لتلقي فترة احتضان.     

وعلى الرغم من هذه الجهود، ما زالت الشركات التقنية الناشئة تواجه عدد من التحديات أملاً بالابتكار في إثيوبيا. وبما أن الدولة لا تملك نظاماً مصرفياً دولياً ولا بطاقات ائتمانية أو نظام تحويل الأموال عبر المحمول، يبقى من المستحيل تطوير التطبيقات أو جني الأرباح منها، إذ أن الأفراد لن يستطيعوا الدفع عبر المحمول لشرائها من متجر التطبيقات.  

ولكن، تحاول بعض الشركات التصدي لهذه المشكلة. تسعى إحدى الشركات الناشئة (التي ما زالت لا تحمل اسماً) تطوير متجر تطبيقات خاص بإثيوبيا مع خدمة الدفع عبر الرسائل القصيرة.

وتقدم شركة ناشئة أخرى، "أوتوبيا" Utopia وهي تطبيق على المحمول لنظام تشغيل أندرويد، معلومات للسياح يمكن تنزيلها قبل وصولهم الى البلاد واستخدامها من دون إنترنت.

وركّزت شركات ناشئة أخرى على الحاجات المحلية التقليدية. فتمكّن "مكينا"Mekina التي انطلقت من "آيس أديس" الإثيوبيين من شراء وبيع واستئجار السيارات على الإنترنت.

لماذا الساحة التقنية الإثيوبية ليست متطورة جداً؟

تظهر الكثير من الأفكار على ساحة الشركات الناشئة الإثيوبية. لكن لماذا لا نقرأ الكثير عنها؟ يقول لنا ماركوس إن المشكلة هي اللغة، "لا أحد يكتب عن هذه الحالة هنا. في كينيا، يكتب كل شخص عما يقوم به. هنا لا نملك هذه الثقافة." 

قد يكتب الكثير من الأشخاص باللغة الأمهرية الا أن العالم لا يتقن هذه اللغة. وفي الواقع، قد لا يكون السبب عدم توثيق الابتكارات، بل أن الكثير من الابتكارات التقنية تتواجد في الاقتصادات الناشئة مثل كينيا ونيجيريا وغانا حيث تستخدم الإنجليزية كتابة وشفهيا على نطاق واسع. عام ٢٠١٠، شرح ماركوس أن ٢٠ مدوّناً فقط في إثيوبيا يتقنون الإنجليزية. واليوم، قد تزايد عددهم الى بضعة المئات. أما في كينيا، فنجد الآلاف.

الا أن مشكلة اللغة ليست السبب الوحيد. قد يكون السبب الآخر أن الصحافة موضوع حساس في إثيوبيا. فيتواصل سَجْن أو إسكات الصحافيين والمدونيين. ويتباهى أحد المدونين أن مدونته أُقفلت ١٤ مرة. بعد ساعتين من وصولي، تأكدت من أن أحدهم يلاحقني ويصغي الى محادثاتي في المقهى. 

يحتاج الابتكار والريادة إلى ثقافة مفتوحة للتجربة. وتوفّر "آيس أديس" منصة ومساحة صغيرة للجيل الشاب الإثيوبي لكن الكرة اليوم، على ما يبدو، في ملعب الحكومة.

يعود الى صانعي السياسات أن يقرروا ما إذا كان مجدياً تشجيع الشباب على الريادية من خلال تخفيف القيود على الشركات الناشئة وفتح المزيد من خدمات المعلومات والاتصالات والسماح أكثر للقطاع الخاص بالعمل أو ما إذا أرادوا مواصلة تشجيع الشركات والاستثمارات الكبيرة كاستراتيجية لنمو إثيوبيا المستقبلي. ( وهذه ٥ خطواتيمكنللحكومةالإثيوبيةاتخاذهالتعزيزالريادية).

في الوقت الراهن، يجدر بـ"آيس أديس" وبالرياديين والمبتكرين المضي قدماً ليثبتوا مدى فعاليتهم ولبناء بيئة حاضنة تثبت فحواها لكل البلاد.

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة