كيف تعلّم الفنون: إزالة الغموض عن أسطورة الإبداع

اقرأ بهذه اللغة

 الجزء الأول.

في خيالنا المشترك، نرى الفنان "الحقيقي"، شخصاً مشرداً مهووساً ومكتئباً لديه عادات سيئة. وهو شخص تعتمد حياته على نفحات إبداعية مفاجئة غير ثابتة ـ بعضها ناجحة وبعضها الآخر يتم اكتشافها وتقديرها بعد سنوات من موته ـ تقود في النهاية إلى استهلاكه/ها وتتركه يسلك وجهة تأخذه إلى نهاية قاتمة ومأساوية تستحق منحه قسماً في ويكيبيديا. هذه الصورة قادتنا لنعتقد بأن هذه هي "الوجهة الطبيعية" للفنان. وكوني فنان هاو وطالباً غير رسمي لتاريخ الفن وفلسفته، أعتقد أن هناك بديلاً عن هذه النظرة المدمرة وحتى الخيالية.   

إزالة الغموض عن أسطورة الإبداع

استنادًا إلى رأي كيربي فيرغوسن، كلّ شيء تقريباً هو نسخ يُعاد استخدامها بتصرّف، وفي الواقع إن "إبداعنا يأتي من الخارج وليس من الداخل". وهذه الفكرة أثارتها قبل بضع سنوات إليزابيث جيلبرت التي اقترحت فكرة أنه بدلاً من أن يكون الشخص العبقري نادراً، فإن كل واحد منا لديه عبقري في داخله استعرناه من "مصدر لا يمكن تصوّره". وتعطي جيلبرت خلال حديثها أمثلة على شعراء وموسيقيين يتحدثون عن فنّهم كشيء جاء إليهم وليس كشيء خرج منهم.

بالنسبة للأشخاص الذين لديهم ميل علمي، من جهة، أظهر علم النفس بشكل متكرر مدى مرونتنا ومدى سهولة تأثرنا بحوافز لا إرادية وخارجية تؤثر في عملية اتخاذنا للقرارات، وفي سلوكنا (اقرأ التفكير السريع والبطيء Thinking, Fast and Slow). ومن جهة أخرى، يكتب جوناه ليهرير في كتابه "تخيّل: كيف يحصل الإبداع" Imagine: How Creativity Works، إن "عمق الإبداع وغموضه، أحبط العلماء (...). فمعظم المهارات المعرفية لديها تاريخ بيولوجي مفصّل لذلك يمكن تتبعها مع الوقت. ولكن ليس الإبداع، إذ ان الخيال البشري ليس لديه ممهد واضح". ويضيف لاحقاً بأن "ولادة الإبداع، بعبارة أخرى، أتت مثل أي رؤيا: من اللامكان".

إذاً، الفنان ليس مصدراً بل قناة للأفكار، قناة يجد الجمال عبرها الشكل المادي في هذا العالم. ولكن إلى مدى يعتبر المثال مفيداً عند الحديث عن تعليم الفنون؟

الانضباط في الفن

يستيقظ الكاتب الياباني هاروكي موراكامي عند الرابعة صباحاً ويعمل لمدة خمس إلى ست ساعات. ويقول إنه "بعد الظهر أركض لمسافة 10 كيلومترات أو أسبح مسافة 1500 متر (أو الإثنين معاً) ومن ثم أقرأ قليلاً وأستمع إلى بعض الموسيقى". وعند الساعة التاسعة مساء يكون في فراشه جاهزًا للنوم. ويعلق قائلاً "أواصل هذا الروتين كل يوم من دون تغيير. فالتكرار بحد ذاته يصبح أمراً مهماً وهو شكل من أشكال التنويم المغناطيسي حيث أقوم بتنويم نفسي مغناطيسياً لأصل إلى حالة ذهنية أعمق".

هذا أمر مثير للاهتمام، ففي وعينا الجماعي، نفهم كلمتي الفن والانضباط على أنهما أضداد. ولكن انضباط موراكامي يضحض فكرة أنّ الفنانين يجب أن يعيشوا حياة عضوية وغير منظمة تتسم بـ"صحوات" عرضية والنشاطات البوهيمية النمطية التي نعرفها جميعا.

في مقالة نشرت على موقع "99u" بعنوان "كيف يولّد الروتين الدنيوي سحراً مبدعاً" (How Mundane Routines Produce Creative Magic)، يكتب مارك ماكجينيس إن "موراكامي قد ذكر التنويم المغنطيسي على سبيل الممازحة.  ولكن كوني متدرّب على التنويم المغنطيسي، يمكنني أن أقول إنه قد أحسن التعبير، فمن خلال تكرار الروتين نفسه يومياً، إن جميع المبدعين يقومون فعلياً بتنويم أنفسهم مغنطيسياً وتغيير حالة وعيهم للوصول إلى "حالة ذهنية أعمق" تسمح لهم بالإبداع".

بعبارة أخرى، الفنان مسؤول عن خلق الظروف ـ أو "التمهيد" ـ للإبداع بالتدفق. وهذا يتفق مع ما قالته إليزابيث جيلبرت. لذلك فإن كنت فناناً، فأنت مسؤول عن عملية الإبداع (كيف) وليس النتيجة (ماذا).

اكتشاف المعنى من خلال الفنّ الإسلامي

كل ما قيل حتى الآن في هذا المقال ليس جديداً البتة. ففي نقاشنا السابق حول "لمَ نحتاج إلى تعليم أفضل للفنون في المنطقة العربية؟"، ذكرنا كيف يمكن لدراسة معمّقة للفلسفة والمعنى الجوهري للفن الإسلامي أن يقدّمان نظرة ممتازة ونقطة انطلاق لفهم أعمق للفن والمشروع الإنساني الإبداعي بشكل عام. 

اقرأوا هذا المقطع من كتاب السيد حسين نصر في كتابه  "الفن الإسلامي والروحانية" Islamic Arts and Spirituality:

"من خلال الاستسلام بالكامل للإرادة السماوية، يصبح (الفنان الحقيقي) نفسه القلم في يد الفنان السماوي، مطبقاُ قوله تعالى (يد الله فوق أيدهم) (48:10). فهو مثل القلم الذي يكتب به (الله) صفحات حياته كتحفة فنية من حيث الشكل والمضمون، إذ ان الفنان الحقيقي هو من عمل الفن المقدس. بالإضافة إلى ذلك، حين ينتج الفنان خطاً جميلاً في هذه الحالة، يصبح القلم في يده هو شخصياً كأداة في يد الله. ولكن الفن المقدس للخط في الإسلام ابتدعه الذين أصبحوا هم أنفسهم قلماً في يد الفنان السماوي. وهؤلاء الذين أسسوا المعايير التقليدية التي حاكاها الآخرون".

كان هذا اقتباس طويل من الكتاب، وكان عليّ قراءته لأكثر من مرة لأفهمه بالكامل. ولكنه يلخّص بشكل ممتاز الرأي الواقعي الذي قاد إلى المكوّنات الفريدة للفن والهندسة المعمارية الإسلامية، التي كان أفضلها من عمل معلمين روحانيين وصلوا إلى "حالة ذهنية أعمق" بحسب عبارة موراكامي.   

تخيّل لو أن طلاب الفنون والمبتكرين الخلاقين تعرفوا على هذا الرأي على يد مدرسين ومرشدين جديين يؤمنون به ويمارسونه وليس فقط يقدمونه على شكل ملاحظات لا معنى لها. وتخيّل المنهج الدراسي للفن يركز على الانضباط وتهذيب الذات بدلاً من تعذيب الذات والتركيز على النفس.

في الجزء الثاني، سنناقش أكثر "كيف" نعلّم الفنون ونشارك بعضاً من المبادئ التنظيمية (وغير التقليدية) التي تنطبق ليس فقط في الحصة الدراسية بل أيضاً في حياتنا.

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة