تجربة فشل تقود إلى قصة نجاح

اقرأ بهذه اللغة

في آخر لقاء لنا مع ابراهيم منّا، كان يغلق شركته الناشئة لخدمات التوصيل "ويلز إكسبرس"، وهي إحدى أوائل الشركات الناشئة الأردنية الناجحة. وقد بدا هذا الإقفال في ذلك الوقت إنذارًا لمن يوشك على الغوص في المياه الغادرة للاستثمار المخاطر. وكان منّا قد وسّع "ويلز" لتصبح شركة تقدم خدمة التوصيل المحلية وتتمتع بقاعدة مخلصة من الزبائن الذين يطلبون بسعادة توصيل البقالة إلى منزلهم وإرسال الثياب إلى المصبغة. 

في مطلع عام 2012، وبعد إدارة الشركة لحوالي ثلاث سنوات، شعر منّا أن عليه الإثبات للمستثمرين بأنه قادر على الوصول إلى أسواق جديدة. ومعظم الشركات الناشئة تتوسّع بشكل واسع للغاية ما إن تتلقى جولة تمويل، ولكن "ويلز" لم يكن لديها خيارات كثيرة. ويقول منّا إن "جميع المستثمرين الذين التقيتهم أرداوا أن نعمل إما في السعودية أم في الإمارات".

ما إن وظّف فريق عمل وافتتح مكاتب للتوسّع،  حتى ضاقت الهوامش المتاحة وقرر مستثمروه، عماد ملحس من "آيريس جارد" Irisguard وكريم كوّار، السفير الأردني السابق في الولايات المتحدة، فضلاً عن "أويسيس500"، عدم الدخول في جولة تمويل ثانية. وفرغت "ويلز" بسرعة من السيولة نظراً إلى كلفة التوسع ولم تبلغ أبداً السوق السعودية.

وكان تجاوز الفشل في ذلك الوقت صعباً كما يقول منّا، غير أن ملحس شجّعه على الوقوف على قدميه من جديد والانكباب على المشروع التالي. وهذا المشروع هو الآن محاولة طموحة لإدارة الشؤون اللوجستية في أكثر أسواق المنطقة تعقيداً، السعودية.

بداية جديدة

أطلق منّا في أيار/ مايو الماضي "شيب أند كولّكت" Ship & Collect (أي اشحن واستلم)، خدمة ستركز على توصيل المنتجات مباشرة إلى الزبون، واعدة شركات التجارة الإلكترونية بمعدلات إرجاع بضائع أقل من منافسيها الكبار، "أرامكس"، "فيد أكس" و"دي آيتش أل". ولتحقيق ذلك، قال منّا إنّ "شيب أند كولّكت" ستركز على مراقبة النوعية. وهو يعي تماماً التضحيات المطلوبة بغية الوصول إلى المثالية. وتابع، "سنركز على النوعية أكثر من الكمية. وستكون أسعارنا الخاصة بالشحن أعلى من أرامكس على سبيل المثال، ولكن معدلات المنتجات المرتجعة لدينا ستكون أدنى".

ولكن أسعار "شيب أند كولّكت" للتخزين وإنجاز المعاملات ستكون أدنى. وفي الوقت الراهن، تركز الشركة الناشئة بشكل حصري على تقديم حلول لشركات التجارة الإلكترونية بعد الفورة التي تشهدها المنطقة في هذا القطاع. ويقول منّا إنّ "شركات التجارة الإلكترونية تنمو بشكل أسرع من أي شركة أخرى هنا. وثمة ثورة تحصل يمكننا أن نشعر بها".

هذا قطاع صعب بخاصّة أنّ معظم شركات التجارة الإلكترونية بدأت تدير خدمة التوصيل المباشر إلى الزبون بنفسها من أجل تخفيض مدّة الشحن أكثر مما تقدمه شركات التوصيل. ففي السعودية بشكل خاص، سرت شائعات غير صحيحة عن صفقات تخزين دون المستوى وشركاء محليين غير موثوق بهم. ولكن إن وجدت شيب أند كولّكت الشركاء المناسبين وابتكرت حلاًّ يمكن الاعتماد عليه في المملكة، فستنجح هناك من دون شكّ.

ويقول منّا "سنحرص على أن يحصل الزبون على ثلاث محاولات لتحديد وقت للتوصيل عبر الهاتف ومحاولتين لتوصيل المنتج بالفعل". وإن كان إنجاز المعاملات والشحن جيدين فالأمر يستحق أسعاراً أعلى بالنسبة لشركات التجارة الإلكترونية، خصوصاً تلك التي لا تملك مستودع تخزين في السعودية وتريد تفادي دفع رسوم استيراد على المنتجات المرتجعة.    

وعبر إنشاء قاعدة بيانات تندمج مع مجموعة منوعة من مواقع التجارة الإلكترونية، يأمل منّا في جعل الطلب أسهل بالنسبة للزبائن، كي لا يكون عليهم أن يعيدوا ذكر عناوينهم بالتفصيل عند الطلب من تجار مختلفين.  

"شيب أند كولّكت" هو مفهوم أكبر بكثير وأوسع من مفهوم "ويلز إكسبرس"، وذلك بفضل قدرته الأكبر على فتح السوق السعودية على المنطقة. ومن أجل إنجاح هذا المشروع هذه المرة، يتشبث منّا بمقاربة تقشفية ويقول "أحاول أن أبدأ على نطاق صغير وأطبق الدروس التي تعلمتها وأن أتفق أكثر أنا وشركائي على ما يجب توقّعه".  

ويأمل أن يعمل مع فريق جديد يضم خمسة أشخاص فقط، وبشكل وثيق مع مستثمريه عمر تهبوب، نائب مدير المنتجات في موقع "بيت كوم"، وعمر الشامي صاحب مركز الشامي للعيون، كي لا "يتهوّر في إنفاق المال". ويقول منّا "نحاول أن نحافظ على رأسمالنا". وحين سئل كيف يرى المستثمرون نضالاته السابقة، قال إنهم يرونها أمراً إيجابياً. وأوضح أنه "منذ إغلاق ويلز إكسبرس، حملت هذا الفشل كنيشان على صدري، وتصرفت بناء عليه لأني كسبت الكثير من التجربة ومن الإغلاق".

وأضاف "يرون ذلك على أنه قيمة مضافة وأن يكون لديك مستثمر صاحب خبرة أفضل من أن يكون لديك مستثمر جديد". إذاً فإن منّا ليس الوحيد الذي يأمل بأن يتمكن الريادي "الفاشل" من تحقيق نجاح باهر.

العثور على ما يناسبك في السوق  

قبل إطلاق "شيب أند كولّكت"، عمل منّا لستة أشهر مع "جيران"، وهي إحدى أقدم الشركات الناشئة في الأردن التي تأسست منذ أكثر من 13 عاماً، ويتولى إدارتها  اليوم عمر قدسي بعد أن غادرها المؤسس الشريك ليث زريقات في مطلع عام 2012.  

وعام 2010، تحولت الشركة الناشئة من بوابة محتوى تعتمد على مساهمات المستخدمين إلى منصة توصيات بالأماكن المحلية وقوائم بأسمائها. وفي أيلول/ سبتمبر الماضي، ضمت الشركة منّا إليها لبناء منصة جديدة لطلب الطعام، على أمل جني المال من خدمتها الشهيرة للبحث عن مطاعم.  

إلاّ أن قدسي يقول إنه بعد إطلاق فريق جيران رسمياً للمنصة الجديدة في شباط/ فبراير الماضي، أدركوا أنها قد تستحوذ على جزء كبير من تركيزهم. ويضيف أنه لم يكن هناك أي خلل في رؤيا منّا فقد "كان لدينا استجابة جيدة ولكن أدركنا كم علينا أن نبذل جهوداً لكي ننجح وارتأينا أن (المنصة الجديدة) ستأتي على حساب بناء جوهر شركتنا".

تأمل "جيران" الآن بمواصلة التركيز على محتواها وإبرام شراكة في النهاية مع عمالقة موجودين في قطاع طلب الطعام مثل "فود أون كليك" Food On Click التابع لـ "يميكسيبيتي" Yemeksepeti أو "هيللو فود" Hello Food التابع لـ "روكت إنترنت".

أما بالنسبة لمستقبل منّا مع "شيب أند كولّكت"، فيقول قدسي "أعتقد أنه يملك فرصة بالتأكيد. فهو يخوص تحدياً كبيراً: الجميع يشتكي من التوصيل المباشر إلى الزبائن. وأعتقد أنه إن ركّز كفاية وتحلّى بالصبر فسينجح. فالأمر جنوني بما فيه الكفاية". 

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة