كيف تعلّم الفنون: انضباط التفكير الحرّ

اقرأ بهذه اللغة

في الجزء الأول من هذه السلسلة، كسرنا القوالب النمطية السائدة حول الفنان المناضل الذي يعيش حياة متقلبة، ثمّ قدمنا نظرة بديلة عن الفنان المنضبط. وفي هذا المقال ننظر إلى كيفية تعلُّم هذا الانضباط.  

ممارسة العمل الصعب 

حتى الآن، تناولنا الفنون الراقية والأدب والفنون المسرحية. ولكن إذا ألقينا نظرة أعمق، فإن العنوان يتحدث عن الفنون بشكل عام. وهذا يعني أن هناك أنواعاً أخرى من الفنون التي يجب علينا أن نأخذها في عين الاعتبار والمرتبطة بنقاشنا. وعند البحث عن الفنون الحرة احرص على الاطلاع على الكلمات المضيئة لمورتيمرألدير:  

فنون القراءة والكتابة والإصغاء والحديث هي فنون تسمح لنا بأن نفكر بحرية لأنها تضبط ذهننا. فهي الفنون التحريرية. فالانضباط الذي تحققه هذه الفنون يحررنا من تقلبات لا أساس لها في الرأي وقيود التحيّز المحلي. وهي تحرر ذهننا من كل هيمنة إلاّ هيمنة المنطق نفسه. فالإنسان الحرّ لا يعترف بأي سلطة أخرى. ومن يطلبون أن يكونوا أحراراً من أي سلطة ومن المنطق نفسه، هم ليبراليون مزيفون. هذا الأمر محفّز للعقل. فلاحظ كيف أن الانضباط يبدو خاصية محدَّدة في الفنون الليبرالية كما في الفنون الراقية والأدب والفنون الأدائية غير أنه يطبّق بشكل مختلف على كلّ حالة.   

من الضروري أن نشير إلى أن القراءة التي يتحدث عنها ألدير ليست نفسها القراءة التي نقوم بها حين نمسك صحيفة أو نطالع مقالاً مثل هذا. بل ألدير يعني بـ"القراءة" "العملية التي يقوم خلالها الذهن بالارتفاع بقوة عملياته الذاتية. ينتقل الذهن من الفهم بشكل أقل إلى الفهم بشكل أكثر". ويقول إنه من أجل تحقيق هذا الارتفاع علينا قراءة كتب تتحدّى فهمنا وتتطلب جهداً أكبر مما نبذله عند قراءة معلومات.   

أظهرت دراسة أن ما يميّز عازفي الكمان الماهرين عن العازفين العاديين ليس عدد الساعات التي يخصصها كل من الفريقين للتدريب، فهما يخصصان الوقت نفسه. بل الفرق هو أن العازفين الماهرين يخصصون وقتاً أكبر لتمارين مدروسة "غير مريحة تجعلهم يستخرجون أفضل ما عندهم من قدرات".    

هذه المقولة واضحة، إذ أنه فقط من خلال نضال متواصل ومنهجي، يمكننا أن نضبط عقولنا ونصقل حرفتنا، ونحن لا نناضل بحق إلا عندما نستخدم كافة المهارات التي نملكها لإتقان أمر صعب. وبالنسبة للمبدأ الثاني، لننظر إلى فئة أخرى من الفنون.    

معيار المراوغة   

الأفلام الرائجة والتي تعتمد أسلوب هوليوود ليست الطريقة الأفضل لتعليم الفنون. ولكن بعض الأفلام يمكن أن تكون تثقيفية حقاً. "طفل الكاراتيه" (1984) (The Karate Kid ) هو مثال على ذلك. فالقصة، باختصار، هي أن طفلاً لا يتمتع بالأمان اسمه دانييل، انقلبت حياته رأساً على عقب حين تعلّم الكاراتيه مع السيد مياغي الحكيم. يبدو هذا مثل أفلام المراهقين لثمانينات القرن الماضي، إلاّ أنه كما لاحظ كريستوفر ريتشاردسون في إحدى الصحف والتي خصصها بالكامل لتحليل فلسفة مياغي التعليمية، فإن "هناك اتجاهات أعمق من هذه الواجهة المبتذلة".  

أحد معايير مياغي في التعليم هو المراوغة، ومن المهم متابعة تحليل ريتشاردسون الذي يقول فيه إن "مياغي لا يعلّم بطريقة مباشرة. وهو لا يقول لدانييل: "حسناً، حان الوقت الآن لتعلّم الدفاع. ما هو الدفاع؟ حسنا الدفاع يتمثل في عدة..". وهو لا يقول لدانييل حتى أن يبدأ بدأ بالدفاع عن نفسه بل يطلب منه أن يغسل السيارة ويبلّط الأرض ويدهن السياج ويدهن البيت. وما يفعله هو إعطاء تعليمات واضحة لدانييل لكيفية القيام بهذه الأعمال اليدوية ولكن دانييل لا يعرف لماذا عليه أن يقوم بالأمور بهذه الطريقة". 

إذاً المراوغة ـ إن طُبِّقت بحكمة، لديها الكثير من الفوائد التعليمية، فالتوتر الذي يتراكم من الغموض أمر فعال جداً في عملية التعلّم. فهذا لا يعلّم التلميذ الانضباط فحسب، بل حين يحين الوقت ويفهم التلميذ هدف الأعمال اليدوية، سيتغذى فضول التلميذ ويزيد. وهذا يرفع ذهن التلميذ إلى مستوى أعلى من الفهم.  

ثمة أفكار أخرى يمكن أن نستقيها من القصتين المعروفتين للنبي موسى والخضر. وفي القصتين، يوافق الحكماء على تعليم تلاميذهم طالما أنهم لا يطرحون أية أسئلة. فيفقد التلامذة صبرهم وفي القصتين أيضاً يصل التلامذة إلى مستوى جديد من الوعي حين يكشف المعلّمون هدف "التمارين". 

فإذا كنا نتحدث عن الفنون القتالية أو الفنون التحريرية أو الفنون "الأكثر فناً"، فإن هذا الفهم العميق ـ هذا التحقيق العميق للهدف ـ هو الأهم. فالفنان ينجح فقط حين يعامل نفسه باستمرار كأداة للانضباط وتحسين المهارات وحين يتحول شخصياً إلى عمل فني في طور النموّ والتحسّن. وهذا ينسجم مع القول الحكيم لبروس لي "أنا لا أضرب، بل الضربة تأتي لوحدها".   

في الخلاصة، إن النقاش يستحق المزيد من الوقت والانتباه. وهدفي من كتابة هذا المقال هو ببساطة جذب الاهتمام إلى تقليد منسي يجب في الواقع أن يكون موضوعاً جدياً للنقاش والبحث من جانب المدرسين وصانعي السياسات. 

نحن نعاني في وقتنا الراهن مما يسمّيه ألدير بـ "المناطقية الثقافية". فنحن على اطلاع فقط على الأفكار الحالية ونقرأ الكتب الحالية. وبالنتيجة، نفشل في الإدراك بأن المشاكل الإنسانية الأساسية تبقى هي ذاتها في كل العصور. غير أننا إن درسنا تاريخ التعليم أيضاً، فسندرك بأن ما نعتقد أنها "أفكار قديمة" هي في الواقع "أقوى الأفكار تحضراً في عالم اليوم".

 الصورة من hannes.a.schwetz 

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة