هل يشكّل الإعلام الرقمي تهديدًا لوسائل الإعلام التقليدية؟

اقرأ بهذه اللغة

لا يشبه الإعلام اليوم بشيء ما كان عليه منذ عشرة أعوام، والجميع بات يعرف أن اشتراكات الصحف والمجلات لا تنفك تنخفض في حين أن نجاح "فايسبوك" و"تويتر" في ارتفاع مستمر، وما كانت تُعتبر في السابق مواقع إخبارية ضخمة أصبحت تُشترى اليوم من شركات ناشئة تقنية (مثل حيازة جيف بيزوس من "أمازون" Amazon على "ذي واشنطن بوست" The Washington Post مؤخراً وشراء كريس هيوج من "فايسبوك" لـ "ذو نيو ريبابليك" The New Republic). في ظل هذه السرعة العالية التي تتغير فيها الأمور، من بإمكانه التنبؤ بما ستؤول إليه الأمور بعد عشر سنوات؟    

ففي حين أنّ عدداً قليلاً جداً من الحالمين تنبؤوا بمستقبل الإعلام اليوم، كثير من رواد الأعمال يتحركون الآن بسرعة ليكونوا هم في طليعة النقلة النوعية التالية التي ستطرأ على هذا القطاع. كثير من هذه المشاريع الإعلامية الجديدة تتركز حول تشخيص القصص التي يتم نشرها، للبعض منهم يعني ذلك تضخيم شخصيات كتّابهم بطريقة لم تكن ممكنة قبل بروز عصر وسائل الإعلام الاجتماعية، كما والتشديد أكثر على الدور الذي يمكن للمواطنين المراسلين تأديته بهواتفهم الذكية في الإبلاغ عن قصص فور حدوثها.

وربما تُعد "ترانستيرا ميديا" Transterra Media التي أسسها جوناثان جيزن وإيلاي أندروز في العام 2009 في القاهرة والتي خضعت للاحتضان في بيروت، الأولى من هذه الأسواق الإلكترونية، غير أنّ نموذجها فسح المجال أمام أسواق عدة أخرى ومنها شركات ناشئة مستقلة مثل "نيوزمودو" Newsmodo وشركة "نيوزفكسد" NewFixed التي لم تُطلق بعد، ومشاريع تابعة لعمالقة في المجال الإعلامي مثل "ذو ستريم" The Stream" و "جارديان ويتنس" Guardian Witness التابعتين للـ "الجزيرة" Al Jazeera واللتين تسمحان للمواطنين المراسلين بأن يحمّلوا الصور ومقاطع الفيديو لفرصة نشرها. وقد أخبرني جيزل فيما كنا نحتسي القهوة في بيروت إنه حتى "إي أو أل" AOL و "إي باي" eBay ومجموعة اختراق البرامج "أنونيموس" Anonymous بدأت كلها تنخرط في أسواق المحتوى على الإنترنت.

وإليك كيف تعمل هذه الأسواق: يعرض الصحفيون قصصهم على منظمات مثل "ترانستيرا" التي تعمل بدورها على تدقيقها وتجهزها كي تُعرض للبيع. كما يمكن للمحررين في الكيانات الجديدة أن يوكلوا كتابة قصص محددة جداً – من باقات مخصصة للتلفزيون، أو مقاطع فيديو للانترنت، أو مقالات للصحف – عبر الاختيار من باقة واسعة من الصحفيين. وقد أصبح هذا النموذج شائعاً بما يكفي لدرجة أن المنظمات التي سبق أن اعتمدته قد بدأت بتنويع عملها. ففي "ترانستيرا" مثلاً، لدى المحررين مجموعة واسعة من الصحفيين يمكنها الاختيار من بينهم – من أصحاب المدونات الذين يعملون من هواتفهم الذكية إلى المحترفين الحائزين على جوائز – يختارون من بينهم بحسب الميزانية المتوفرة والمتطلبات الفنية والإطار الزمني المتاح.

غير أنّ مؤسس "نيوزمودو"، رخال إبلي، لا يعير كثيراً من الأهمية إلى شقّ المواطنيين المراسلين،  فقد صرّح في مقابلة له في أبريل/ نيسان مع مجلة "وايرد" Wired أنّه "إذا أردنا صحافة عالية الجودة، لا يمكننا أخذ هذا الخيار على محمل الجد". كما أنّ "نيوزفيكسد" NewsFixed الحديثة لا تعمل هي أيضاً سوى مع الصحفيين المتخصصين في الأخبار العاجلة بحسب ما أخبرنا "جيريمي والكر في حديث معه عبر "سكايب". كما وأنّ من خصائص "نيوزفيكسد" الأخرى التي تميزها عن منافسيها بحسب والكر هي أنّ المنظمة تبيع المحتوى إلى دور الفكر مثل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) والجمعيات الخيرية مثل "أوكسفام" OxFam، "لتستخدمها لزيادة  الوعي، وحتى أيضاً لإجراء تحاليل غير متحيزة حول فعالية حملاتها وقدرتها على تقديم مقاطع فيديو وصور وأعمال متعددة الوسائط أقوى فعالية في مقترحات منحها".

تُصمم أنواع المشاريع هذه بأغلبها لمعالجة الانكماش الذي تعاني منه معظم الشركات الإعلامية الكبيرة نتيجةً لتراجع مبيعاتها. فإنّ مزودي الأخبار الذين لم يعودوا قادرين على تحمل تكاليف إنشاء مكاتب لهم في كل منطقة أو توظيف مراسلين لهم في كل مدينة (أو حتى في بعض الحالات مراسلين في كل منطقة)، باتوا يعتمدون أكثر فأكثر على صحفيين مستقلين أقل تكلفة متمركزين في كل أنحاء العالم. ويقول جيزن من "ترانستيرا" إنّ هذه الأزمة كانت عنصراً أساسياً في إنشاء الشركة فهي قد "خلقت فسحةً لنماذج من هذا القبيل". ويؤيده إبلي من "نيوزمودو" مخبراً "وايرد" أنّ واحداً من الأمور التي ألهمته لإنشاء هذه الشركة الناشئة هو أنّ "مراكز الأنباء كانت تتقلص إلى حد كبير من حيث الحجم... [وكان عليها] أن تجد طرقاً جديدة للحصول على المحتوى ونشر المقالات.

وعلى الرغم من ثقة جيزن، بالكاد تقف "ترانستيرا" الآن على أقدامها من جديد بعد فترة عصيبة لها. فقد أطلق الشريكان المؤسسان شركتهما الناشئة في القاهرة في 23 يناير/ كانون الثاني 2011 – وذلك قبل يومين من بدء احتجاجات 25 يناير/ كانون الثاني في ساحة التحرير التي خضّت المنطقة والعالم على حد سواء. وكونها وكالة أخبار ناشئة جديدة تعمل من القاهرة في هذه الفترة بالذات هو من أفضل الأمور التي كان يمكن أن تحصل لها لتلفت الأنظار. فقبل أن يدرك جيزن الأمر، كان قد أصبح على متن طائرة متوجهة إلى الدوحة ليلتقي كبار المنتجين في "الجزيرة" لمناقشة اهتمام عملاقة الأنباء القطرية بشراء شركته.

ولكن، بعد أشهر طويلة من المداولات، قرر جيزن وشريكه المؤسس والمستثمرون في الشركة العدول عن الأمر، وجزء من السبب يعود إلى أنّ موقع الشركة الأولي لم يكن قادراً على تحمل عدد الزائرين الهائل هذا – من معدّي محتوى وشارين على حد سواء. وقد قاد ذلك بدوره الشركة إلى التوقف عن العمل لتسعة أشهر والبحث عن مستثمرين، على أنّ الشريكين وظفا في هذه الفترة مطوّر ويب يعمل في الولايات المتحدة لإعادة بناء الموقع، وها إنّ الشركة قد أعادت للتوّ إطلاق موقعها في أيلول/ سبتمبر من العام الماضي.   

وعلى مدى العام المقبل، يقول جيزن إنه يأمل أن تتمكن "ترانستيرا" من إزالة هذا المتراس الأخير الذي تتحصن به صحافة القرن العشرين وهو وكالات الأنباء. فوفقاً له، حتى الآن، كانت تعتمد خدمات الأخبار الإلكترونية والصحف على ما تبعثه لها وكالات الأنباء الكبيرة مثل "رويترز" Reuters و"وكالة فرانس برس" Agence France-Presse و"أسوشيتد برس" Associated Press. أما "ترانستيرا" والمواقع الإخبارية الأخرى التي نقلت نموذجها، فتزود بدلاً من ذلك مزودي الأخبار بفرصة طلب قصص محددة – سواء الأخبار الجادة hard news أو القصص البارزة features أو المواد الثقافية – تكون مصممةً خصيصاً لتناسب أذواق جمهورهم المعني. وهي تخلق بذلك إمكانية تقديم المقالات الإخبارية عند الطلب وذلك أمر لا توفره خدمات الأنباء التقليدية.

مع أكثر من ألفي صحفي من 123 بلداً مختلفاً، لا شك في أن "ترانستيرا" قد أقلعت جيداً في مجال الصحفيين المستقلين. أما الناشرون المشاركون، فهم يتألفون بشكل أساسي من شركات إلكترونية قد اكتسبت قاعدة متابعين لها في الأعوام العشرة الماضية، بما فيها "الجزيرة" و "فايس" VICE و"ذو هافنجتن بوست" The Huffington Post على سبيل الذكر. وإذا نجح جيزن وفريقه في الحد من اعتماد قطاع الأخبار على وكالات الأنباء الكبيرة، سرعان ما ستشمل هذه القائمة أيضاً عمالقة في هذا القطاع.

أما شعار "ترانستيرا"، فهو "unbreaking news" (أي ما يمكن تفسيره بـ "الأخبار غير العاجلة") – وإذا نجح ما يخطط له جيزن ومستثمروه، قد يتمكنون (هم وغيرهم) من تنفيذ هذا الشعار عن حق وحقيقة.

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة