كيف تستطيع البيانات الكبرى قلب المعايير العالمية

اقرأ بهذه اللغة

"أبي، قام الرئيس بإعادة تغريد قاعدة بياناتي على تويتر"

"من العظيم أن يقدّر مديرك عملك"

"لا يا أبي، أنا أتحدث عن رئيس الولايات المتحدة!"  

إينيجما Enigma، في مدينة نيويورك، هي أحد الأماكن حيث قد تسمع مثل هذه المحادثة.  

من الواضح أن الشركة الناشئة التي أسّسها قبل عامين المغربي المستقر في نيويورك هشام أودغيري، اكتسبت بعض الزخم. فهذه التغريدة من الرئيس أوباما لصفحة مخصصة لإغلاق الحكومة الأميركية، أكدت أنّ موقع "إينيجما" هو من أحد المواقع الرائدة في العالم في مجال البيانات الكبرى. ويمكنك على هذه الصفحة أن تتصوّر التطور بالوقت الحقيقي للكثير من التأثيرات الجانبية لهذا الإقفال من بينها منح إجازات لموظفين في الكثير من القطاعات.

هذا النوع من التحليل هو بالضبط ما تختص به "إينيجما"، وهو تحويل البيانات الكبرى إلى أدوات عملية لفهم العالم الذي نعيش فيه ومساعدة الصحافيين والمستشارين والمصارف والناشطين والعلماء على اتخاذ قرارات مدروسة. وهي تتعلق أيضاً بإعادة البيانات الكبرى إلى الاقتصاد.  

ما هي البيانات الكبرى وكيف يكمن الاستفادة منها؟  

وراء هذه الكلمة الجديدة المعقدة فكرة واحدة بسيطة: ثمة المزيد والمزيد من البيانات طوال الوقت ولكن نظراً إلى عدم إمكانية الوصول إليها، تبقى غير مستخدمة. ويشدد أودغيري على أنه "من المدهش ما يمكن أن تفعله البيانات وما الذي لا يعرفه الناس عن مدى توفّرها". وفي الوقت نفسه، يضيف أنه "بإمكان البيانات أن تساعد في صناعة أخبار مدروسة واتخاذ قرارات مناسبة". وحين تجمع وتنوّع مصادر البيانات من مؤسسات حكومية مختلفة (مثلاً الحدود أو البورصة أو شركات حكومية) تحصل على نتائج مثيرة للاهتمام. وخلال بضعة ثوان وبنقرات قليلة، سحب أودغيري لائحة بأكبر زبائن "بوينغ" Boeing وقارنها بزبائن "ايرباص" Airbus، وعدد الشقق التي يملكها المغرب في نيويورك وقيمتها وعدد موظفي "سبوتيفاي" Spotify الذين توظفهم من خارج الولايات المتحدة ولائحة الأشخاص الذين اجتمعوا بأوباما (ومن بقوا بعد الاجتماع للدردشة ومن لم يبقوا). وهذه قد تكون معلومات مفيدة جداً للصحافة وقطاعات أخرى. 

وهشام المتواضع عادة، لم يستطع منع نفسه من التباهي بدراسة أتاحتها "إينيجما" أثبتت العلاقة بين ملاعب اللهو والاعتداءات الجنسية على الأطفال (وخلصت إلى أن التقليل من عدد الملاعب يقلل من الاعتداءات الجنسية) من خلال المقارنة بين عدد الاعتداءات الجنسية وعدد الملاعب في كل منطقة جغرافية. 

سباق البيانات  

للوصول إلى النتائج، كان على فريق "إينيجما" أن يجمع كمية كبيرة جداً من البيانات المختارة استراتيجياً. وهذه مقاربة مختلفة بالكامل عن "بالانتير" Palantir، منصة البيانات الأمنية الكبرى التي ترعاها وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) ووكالة الأمن القومي (أن سي آي) ومكتب التحقيقات الفدرالي (أف بي آي) والتي تقدم منصة برامج بدون بيانات ليملأها المستخدمون.   

ولدى أودغيري وفريقه خطة تحرّك محكمة: يختارون سلسلة من المنظمات الاستراتيجية ذات البيانات المفتوحة ويقومون بالبحث في مواقعها للعثور على ملفات كبيرة فعلاً تتضمن بيانات ومن ثم يرسلون طلباً للوصول إلى البيانات غير المنشورة على الإنترنت. هكذا يجمعون بيانات عامة من 24 ألف موقع حكومي ـ نطاق الحكومة الأميركية، بيانات تسجيل الشركة، قاعدة بيانات الشركات الناشئة في موقع "كرانش بايز" Crunchbase والشركات العامة. ويقول إنّ الشركات تتجاوب وإن أياً من طلباته تقريباً لم يرفض حتى أن بعض الشركات ترسل البيانات يدوياً كل يوم مثل "فيد أكس" FedEx التي ترسل بيانات حاوياتها كل يوم وهو ما يسمح لـ"إينيجما" بأن تعرف كل ما يأتي إلى الولايات المتحدة من الخارج. واليوم، يضيف فريق الشركة البيانات التي يعتقد أنها مهمة أو التي يطلبها الزبائن. ونجحت "إينيجما" الفائزة في مسابقة "تك كرانش ديسرابت نيويورك" لعام 2013، The TechCrunch Disrupt NY 2013 ، في تمييز نفسها عن منافسيها بفضل ما يعتقد أودغيري أنها رؤيا شاملة ومخزون من البيانات العامة التي يرجّح أن يكون الأوسع نطاقاً في العالم والذي يناهز 80 مليار صف بيانات. 

البدايات   

بدأ أودغيري مسيرته في ريادة الأعمال عام 2011 من خلال جمعه للبيانات من الإنترنت. وبسرعة، انضم مارك داكوستا وهو صديق درس معه الفلسفة في جامعة كاليفورنيا، كمؤسس شريك. وبدأ الصديقان ثمانية أشهر مكثفة من جمع البيانات والتمويل الذاتي لبلورة فكرتهما بشكل يثير اهتمام مستثمرين محتملين. وقد أثمر صبرهما حين أقنعت نسخة تجريبية من "إينيجما" أطلقت في مطلع عام 2012، مستثمرين محتملين (بينهم الشركة المالكة لصحيفة نيويورك تايمز) باستثمار 1.45 مليون دولار بين نيسان/ أبريل 2012 وشباط/ فبراير 2013.

والشركة الناشئة ـ التي خرجت من المرحلة التجريبية في الأول من آذار/ مارس 2013، تضمّ اليوم 18 موظفاً حيث 12 منهم مهندسون يمضون 40% من وقتهم في جمع البيانات. 

نموذج مجاني معكوس من أجل عالم أفضل  

بدأت "إينيجما" بنموذج مدفوع فقط. ويتراوح المشتركون بين الصحافيين والمؤسسات المالية والسياسيين والمستشارين والمصرفيين ورواد الأعمال وغيرهم من المدنيين يستفيدون من الدخول المجاني الاختياري. وبعد أن تقوم "إينيجما" بتحديد وسائل تحقيق العائدات على غرار الشركات الكبرى، ستعتمد النموذج المجاني في الفصل الأول أو الثاني من عام 2014. 

ولا يعتقد أودغيري بأنه سيحقق أية عائدات مباشرة من هذا الانتقال إلى النموذج المجاني ولكنه يعتقد بأن البيانات الكبرى يمكن ويجب أن تكون متاحة أمام الناس وتسمح لهم بجعل العالم مكاناً أفضل.

يظهر شغف أودغيري واضحاً بالبيانات الكبرى لدى الحديث إليه عنها. ويشرح قائلاً "ثمة سبب وراء كون البيانات عامة. فإذا كنا نملك سجل زوّار البيت الأبيض فلأن الناس يستحقون أن يعرفوا". ويضيف "أنا شخص يؤمن كثيراً بالشفافية. فالمجتمعات العصرية يجب أن تبنى على الحقيقة". 

الجانب المظلم من البيانات الكبرى 

ولكن خلال عرضه، لم يستغرق أودغيري أكثر من بضعة نقرات ليجد المعلومات التي قد تكون خطيرة في حال وقعت في الأيدي الخاطئة. فتصوّروا ماذا سيحصل لو عرف أين كان عنوان روبرت دينيرو في نيويورك ـ وهي معلومة حصل عليها هشام من نقرة واحدة بسيطة ـ أو تصوروا كم ستشعرون بانتهاك خصوصيتكم إذا عرف موظفوكم أو جيرانكم معلومات تتعلق بقيمة شقتكم. ويبرر ذلك بالقول "إنها تجارة ولا يمكننا أن نفعل ذلك بشكل انتقائي". ويؤكد أودغيري أن "إينيجما" تقدم فقط بيانات لديها إجازة رسمية 100%. فإذا لم يشعر الناس بالراحة لكون بعض البيانات علنية، يمكنهم أن يطلبوا من الحكومة سن قانون لجعلها خاصة. ويعترف قائلاً "الأمر مخيف جداً ولكن كان بإمكانك أن تقول الأمر ذاته عن جوجل في بداياته"، في إشارة إلى ردة فعل الناس لدى اكتشافهم مدى سهولة تعلّم كيفية صنع قنبلة. 

البيانات الكبرى في العالم العربي 

تقدم "إينيجما" خدماتها الآن للولايات المتحدة ولكن في المستقبل ستتوسّع إلى أوروبا والبرازيل وروسيا والهند والصين، وهو ما يعتقد الفريق أنه أسهل من انتشارها في الولايات المتحدة. 

ماذا بخصوص العالم العربي؟ يعترف أودغيري بأنه ليس على لائحتهم القصيرة إلاّ أنه مقتنع جداً بأن البيانات الكبرى لديها دور مهم لتلعبه في التطور الصحافي في المنطقة. 

ويقول إن البيانات المفتوحة في الشرق الأوسط وشمال افريقيا هي أبعد مما قد يفترض المرء، مشيراً إلى أنه على عكس معظم التوقعات فإن عمان والسعودية هي من بين الدول التي تبذل المجهود الأكبر من أجل البيانات المفتوحة في المنطقة.

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة