كريستوفر شرودر: مشاهدات "ثورة ريادة الأعمال" في الشرق الأوسط

اقرأ بهذه اللغة

عندما استحوذت "ياهو" Yahoo على البوابة الإلكترونية العربية "مكتوب" Maktoob.com عام 2009، مقابل 165 مليون دولار أمريكي، كثرت التوقعات في أوساط رواد الأعمال في مجال التكنولوجيا في العالم العربي بأنّ العروض النقدية العالية ستغمرهم. ولكن، عوضاً عن ذلك، جفّت الأسواق في خضم الانتفاضات العربية.

لكن في شهر مارس/آذار الماضي، تلقى موقع "سوق.كوم" Souq.com - الذي يتمّ الترويج له باعتباره "أمازون العرب" Amazon.com – تمويلاً بقيمة 75 مليون دولار أمريكي من شركة "ناسبرز" Naspers الإعلامية الجنوب أفريقية، ما رفع قيمة موقع البيع الإلكتروني الشرق أوسطي إلى نصف مليار دولار. هذا الاستثمار هو الأحدث في سلسلة من صفقات رؤوس الأموال الاستثمارية تجد طريقها نحو دعم تطوير سوق التجارة الإلكترونية في العالم العربي. وتضم مواقع البيع الإلكترونية العربية الأخرى التي حصلت أيضاً على التمويل موقع بيع الأزياء "نمشي.كوم" Namshi.com، وموقع بيع الحسومات "ماركة في أي بي.كوم" MarkaVIP.com، وموقع السفر "تريبرنا.كوم" Triperna.com وموقع بيع قسائم الحسومات "كوبوني.كوم" Cobone.com. في العام 2013، كانت شركة "ام آي اتش" MIH التابعة لشركة "ناسبرز" قد استحوذت على أغلبية حصص "دوبيزل.كوم" Dubizzle.com الذي يُعتبر أكبر موقع إعلانات مبوبة في الإمارات العربية المتحدة.

يصف كريستوفر شرودر، رائد الأعمال والمستثمر المخاطر الأمريكي، هذا النشاط كأمرٍ لا مفرّ منه، إذ إنّ المستثمرين قد بدأوا أخيراً يرون قيمة سوق التكنولوجيا في الشرق الأوسط - وعوائدها. ويُذكر أنّ شرودر هو مؤلف كتاب "نهضة الشركات الناشئة: الثورة الريادية تعيد صياغة الشرق الأوسط"، وهو كتاب عن حركة ريادة الأعمال في المنطقة نُشر العام الماضي.

عاد شرودر مؤخراً من رحلة له إلى إيران، حيث شاهد "مجتمع شركات ناشئة فضولي ووليد،" وقال إنه راح يستكشف مواطن القوة وأوجه القصور في البيئات الحاضنة للريادة في المنطقة. كما أنه راقب عن كثب البعض من آلاف رواد الأعمال الشباب. وأضاف: "ليست كلّ الشركات الناشئة مبتكرة فحسب، بل هي أيضاً تحاول أن تجد حلاً لبعض التحديات الاجتماعية والخاصة بالبنية التحتية، والتي تمّ تجاهلها لوقت طويل."

شرودر هو المدير التنفيذي السابق لـ "واشنطن بوست" Washington Post و"نيوز ويك إنترآكتيف" Newsweek Interactive والبائع الناجح لبوابتيْن إلكترونيتين هما "LegiSlate.com" و"HealthCentral.com". يستند كتابه إلى مقالات كتبها عام 2011، وستصدر نسخة عربية منه قريباً كما وغيرها من الترجمات وطبعة صوتية.

يصرّح شرودر، المستثمر التأسيسي المخضرم ومستشار رؤوس الأموال المخاطرة الأمريكية والعديد من شركات وسائل التواصل الاجتماعي الناشئة: "أردت أن أفهم بشكل أفضل كيف أنّ زيادة وانتشار الوصول إلى التكنولوجيا تغيّر المجتمعات في الشرق الأوسط وأماكن أخرى. أردت أيضاً أن أفهم قوة النساء المذهلة في الشركات الناشئة هنا ودور الدين في أوساط رواد الأعمال. كما وأردت أن أعرف المزيد عما يدفع عمالقة التكنولوجيا العالمية إلى المنطقة في خلال هذه الفترة المضطربة." 

إمكانات استثمارية غير مستغلة

قدّمت بحوث شرودر أيضاً نظرة داخلية على إمكانات الاستثمار غير المستغلة في السوق الإلكترونية النامية في الشرق الأوسط. ويقول شرودر: "في الوقت الراهن، تتراوح سوق التجارة الإلكترونية في الشرق الأوسط – إذا اكتفينا بالتعريف عنها بشكلٍ عام - بين مليار ومليار ونصف دولار أمريكي. بدون احتساب السلع أو النفط، تبلغ حركة السلع والمنتجات 450 مليار دولار. كم سيكون من الصعب الانتقال من مليار واحد إلى 10 مليارات دولار في ثلاث سنوات؟ بالنظر إلى أنواع العوامل هذه، مع الأخذ بالاعتبار أنّ سيناريوهات أسوأ الحالات ممكنة أيضاً، ومقارنة مع الأسواق الناشئة الأخرى، ثمة الكثير من الإمكانات."

وبالنظر إلى نشاط السوق في الآونة الأخيرة، يشير شرودر أنّ الاستحواذ الذي قامت به "ياهو" أطلق إمكانات رواد أعمال التكنولوجيا المستقبليين في المنطقة، وأضاف: "أظنّ أنّ "مكتوب" أظهر لجيل جديد أنّ هذا ممكن هنا، وعلينا أن نفكّر في الموضوع بطرق مختلفة. كانت لحظة التنوير عند إدراك أنّ ما كان يحدث مع الشركات الناشئة والتكنولوجيا وريادة الأعمال يحدث في كل مكان. فإذا كان ذلك يحدث في أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية وجنوب شرق آسيا، وأفريقيا، لِمَ لا في الشرق الأوسط؟"

ثمة جهود محلية حالية تترسخ لتحفيز الابتكار في مجال التكنولوجيا. فقد أطلق فادي غندور، هذا العام، وهو مؤسس خدمة البريد السريع الإقليمية "أرامكس" Aramex وأحد أبرز رجال الأعمال والمستثمرين المخاطرين في المنطقة، صندوق رأس مال مخاطر جديد للشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا في الشرق الأوسط مع مؤسسة التمويل الدولية International Finance Corporation. وهناك نظير للصندوق الذي انطلق بـ 75 مليون دولار، وهو صندوق "إيميرج فنتشرز" Emerge Ventures ومقره دبي، للاستثمار في إعلانات التكنولوجيا والمحمول والمدفوعات والخدمات اللوجستية. كما أنّ شركة "ميدل إيست فينتشر بارتنرز" MEVP نظيرٌ آخر وهي شركة رؤوس أموال مخاطرة تركّز على الشرق الأوسط وتستثمر في المراحل المبكرة لنمو الشركات. وفقاً لمدير شركة "ميدل إيست فينتشر بارتنرز" التنفيذي وليد منصور، تمّ الاستثمار في شركة مسرّعة للنموّ ويتمّ حالياً بناء شركة أخرى مسرّعة للنمو، كما تم تمويل 21 شركةً في مجال التكنولوجيا. وقد أضاف أنّ شركته متفائلة جداً بالأشهر الاثني عشر القادمة وقد تستثمر في ما يصل إلى ثماني شركات إضافية.

تتضمّن مبادرات تمويل الشركات المسرعة للنمو الأخرى في مجال التكنولوجيا "أفكار" Afkar في دبي و"جوس لابز" JuiceLabs في القاهرة. كما أنّ أكبر مدن مصر هي أيضاً موطن أحدث الجهود لدفع ريادة الأعمال في مجال التكنولوجيا – فقد قام أحمد الألفي، رئيس شركة "سواري فينتشرز" Sawari Ventures، باستئجار حرم الجامعة الأمريكية القديم القريب من ميدان التحرير في القاهرة وتحويله إلى "جريك فنتشرز" GrEEK Campus، أول متنزه تكنولوجي في البلاد وأكبر مساحة عمل مشتركة في المنطقة.

أشار شرودر إلى أنّ الانتفاضات العربية التي غذتها التكنولوجيا حفّزت القوى العاملة في موازاتها. انتشرت الاضطرابات عبر المنطقة وجرفت الأنظمة القائمة في تونس ومصر وليبيا واليمن منذ فترة طويلة. وتابع: "كانت الرغبات الدافعة للحصول على صوت سياسي وصوت مجتمعي وصوت ثقافي مماثلة لتلك الدافعة للحصول على صوت اقتصادي."

قلة هم من ما زالوا يتحدثون عن الانتفاضات اليوم بحسّ إمكانيات مماثل؛ فقد تحوّلت الحماسة الثورية في مصر إلى دعم شعبي لحاكم عسكري؛ وما زال ينبغي على ليبيا التعافي من إبعادها العنيف لنظام القذافي؛ وسوريا بعد غارقة في حرب أهلية دامية. يردّ شرودر بعض المشاعر السائدة في المنطقة إلى أنّه لم تتمّ تلبية التوقعات العالية من الانتفاضات العربية. لكنّه يتابع أنّه ثمة تطوّر ملموس نتيجة لذلك ويمكن قياسه بدرجة الوصول إلى التكنولوجيا الرقمية؛ فثمة الآن ما يقارب 90 مليون مستخدم للإنترنت في الشرق الأوسط، أي نحو 40٪ من سكان المنطقة، وفقاً لـ"إنترنت وورلد ستاتس" Internet World Stats. 

عالم مختلف

تابع شرودر بالقول: "بات يدرك الشعب فجأة أنّ العالم يستطيع أن يكون مختلفاً. يمكنك أن تدافع عن سهولة تحقيق ذلك أو عن صعوبته، ولكن، فجأة، تمّ رفع عبء ثقيل جداً عن جيل كامل من حيث طريقة التفكير في ما يمكن القيام به. وذلك يجعلني متفائلاً جداً."

يقول شرودر إنه في بعض النواحي، لوّنت الانتفاضات تصورات الناس للمنطقة لكنّ أسواقاً ناشئة أخرى تنطوي على مخاطرها وتحدياتها الخاصة والفريدة: "يجب النظر إلى النجاح في الشرق الأوسط بطريقة كلية. فلا يناسب التفكير في الأسواق الناشئة ذوي القلوب الضعيفة. ففي الصين رؤوس أموال ضخمة ومواهب مدهشة. ولكن، حاول أن تجد شركات رأسمال مخاطر متحمسة لها في "سيليكون فالي". ليست كثيرة. لو تحدّثنا عن شركتيْ "تينسنت" Tencent أو "علي بابا" Alibaba، لوجدنا أنهما جيدتيْن، لكنّهما الاستثناء للقاعدة."

وأضاف: "إذا لجأت إلى المستثمرين المتشددين، لقالوا لك إنّ سيادة القانون أمر فظيع. فما من شفافية. أظنّ أنّ حظوظي في القاهرة أعلى من حظوظي في الصين إذا كان عليّ أن أطلب تعويضاً في محكمة. ولا ننسى التعقيد الذي لا ينتهي في الهند. أعرف رواد أعمال ناجحين بشكلٍ لا يصدق في ساو باولو لا يصطحبون عائلتهم إلى السينما بدون حراس مسلحين. نحن نعيش في عالم تتعايش فيه الإمكانات المذهلة مع السيناريوهات الصعبة - وحتى الرهيبة منها. في خضمّ هذا الواقع، أنا أنظر إلى الشرق الأوسط من منظار جديد."

ويتابع شرودر بالقول إنّ حتى أكثر النظم الهرمية تشدداً في المنطقة تتساءل عن كيفية الانخراط في ريادة الأعمال، مع أنّ مشاكل البنية التحتية والتعليم وسيادة القانون صعبة جداً. ويشير إلى أنّ ما هو مذهل هو أنه على الرغم من هذه الظروف، يتمكن الشباب من تأسيس شركات.

"هل كنتم لتصدّقونني لو قلت لكم قبل عامين إنّ آخر فعالية "ستارتب ويك أند" Startup Weekend التي جمعت ما بين 250 و 300 رائد أعمال كانت في غزة؟ مستحيل. ما فعلوه هو أنّهم أحضروا شركة "أويسس500" Oasis 500 من عمّان لتقيم بعض الدورات. ولم يتمكنوا من تصديق مستوى رواد الأعمال في قلب غزة. يتابع رواد الأعمال الشباب هؤلاء البناء، سواء كانوا لاجئين من سوريا على الحدود مع لبنان أو في دبي." 

التأثير التدريجي

يشير شرودر إلى أنّ الأهم من ذلك هو انتشار التكنولوجيا الذي يتغلغل في ذيل الاقتصاد في المجتمع العربي: "في الكثير من الأوقات، يرغب الناس في التفكير في استخدام التكنولوجيا في إطار الشركات الناشئة الكبيرة ذات التقنية العالية. ولكن، يغيب عن بالهم أنه عندما يكون لديك إمكانية وصول إلى التكنولوجيا الأساسية في كل مكان - على غرار الهواتف البسيطة الأساسية المنتشرة بنسبة تفوق الـ 100٪ في معظم البلدان – تصبح أكثر الشركات غير التكنولوجية متمكنة في مجال التكنولوجيا."

لاحظ شرودر في مصر على سبيل المثال أنّ الحرفيين يستخدمون الهواتف البسيطة لبيع حرفهم اليدوية في أجزاء أخرى من القاهرة: "تأخذ العديد من النساء اللواتي التقيت بهنّ حرفهنّ ويضعنها على منصات إلكترونية مثل "إيتسس" Etsys في الشرق الأوسط. وثمة منصات مذهلة يبنيها الناس للاستعانة بمصادر خارجية للعمل. هذا يعني أنّ الناس يستطيعون تحقيق هذا الأمر بأساليب قوية."

بحسب شرودر، كان للعنف المدني في المنطقة تأثير لا يمكن إنكاره في ثقة المستثمرين وقدرة الشركات على الحصول على التمويل، لكنّه يضيف أنّ السوق كان يشهد على نشاطٍ للمستثمرين على نطاق صغير: "عندما تنظر إلى عاميْ الانتفاضات العربية - المأساة التي في سوريا ومدى التعقيد في مصر – ترى أنه ليس من المفاجئ أننا لا نجد أمامنا مخرجاً تقليدياً بعد آخر. لو نظرت إلى ما يحصل خلف الكواليس، من المثير للاهتمام أن تراقب الشركات الصغيرة والاستثمارات التي تنصبّ فيها وواقع أنه يتمّ حالياً جمع مبالغ استثمار ضخمة... ثمة نشاط أكثر بكثير في القطاع من ذلك الذي يمكن للحل الواحد الواضح أن يقدمه."

يشير شرودر إلى أنّ بعض قصص النجاح غير معروفة جيداً خارج المنطقة، ويعزي ذلك جزئياً إلى تركيز العالم على الاضطرابات في المنطقة: "قالت صحيفة "ذو إيكونومست" The Economist إنّ النساء أطلقن أكثر من 25٪ من الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا في الشرق الأوسط. لا يفهم أحد هنا انعكاسات ذلك. لا أجد أحداً يعرف أنّ أحد أكبر العروض المبدئية للاكتتاب العام في قطاع التكنولوجيا في عام 2013 كان "آسياسيل" Asiacell في العراق."

وأضاف شرودر أنّ توفّر مخرجين بارزيْن ومدعوميْن إعلامياً بشكلٍ جيد من شأنه أن يساعد السوق من الناحية النفسية. لا يمكن الاستهانة بالتأثيرات المتعاقبة التي تخلفها قصص النجاح المحلية والشركات المحلية التي تجتذب دعماً كبيراً من المستثمرين، ويرجع ذلك جزئياً إلى أنّ العديد من رواد الأعمال يفضلون البقاء في بلدانهم الأم.

ويختم شرودر بالقول: "أهمّ ما رأيته هو أنّ المزيد من الناس يرغبون في أن يعيشوا في بلادهم. هناك ألف سبب وسبب يدفع الناس إلى المجيء إلى الجامعات الغربية و"سيليكون فالي"، وهذا أمر لن يتوقف. ولكن، بحسب الدراسات التي رأيتها، عاد إلى الهند أشخاص أكثر من الذين تركوها للمرة الأولى منذ 30 عاماً. هذا الجيل هو الأكثر قدرة على التنقل في التاريخ – ثمة أشخاص يبحثون عن المواهب في جميع أنحاء العالم. ولكن، إذا كان لدينا [نجاحات إقليمية]، سنحقّق المزيد منها والمزيد بعد؛ ويصبح الوضع أشبه بكرة ثلج نجاح متراكمة شبيهة بكرة الثلج."

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة