موظفات يُعدن صياغة سوق العمل السعودية

اقرأ بهذه اللغة

نشر هذا المقال أيضاً على Knowledge@Wharton.

شهدت السنوات الخمسة الماضية تحولات جوهرية كثيرة في السعودية، بما فيها استحداث أول جامعة مختلطة في المملكة هي جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية التي تُقدّر بمليارات الدولارات والمعروفة بـKAUST. كما تُقام الآن معارض أسبوعية في صالات عرض أُنشِأت في أنحاء البلاد، أمرٌ جدير بالذكر في مجتمع لطالما اعتبر التعبير الفني من الأمور الخصوصية.

أصبحت السعودية وفقاً لـ"رويترز" Reuters أكبر بلد مستخدم لموقع "يوتيوب" YouTube في العالم للفرد الواحد، إذ تلقى البرامج الكوميدية والارتجالية المنتجة بالسعودية رواجاً ضخماً، حيث شهد الفيديو الساخر "لا مرأة، لا قيادة" No Woman, No Drive انتشاراً واسعاً وهو مستوحى من أغنية بوب مارلي "لا مرأة، لا دموع" No Woman, No Cry – الذي أعده كوميديون سعوديون للاستهزاء بحظر القيادة على النساء. وفي حين أنّ ما يقارب 80% من السكان يعملون للدولة، يسعى الكثير من شباب الدولة إلى سلوك درب أكثر ريادية وبذلك هم يشاركون أكثر فأكثر في الحاضنات التكنولوجية التي لا ينفك يزداد عددها. 

هذه الثقافة التي تزداد براعة ودراية بالتكنولوجيا ووسائل الإعلام الاجتماعية قد مهدت الطريق أيضاً لظهور ناشطين جدد، وخير مثال على ذلك المستشارة المالية الساكنة في جدة، ريم أسعد التي بعد ما أطلقت ما عُرف بـ "حملة الملابس النسائية الداخلية" Lingerie Campaign على فيسبوك لتدريب النساء على العمل في المتاجر، وقّع الملك عبدالله مرسوماً يحظر على الرجال العمل في كافة متاجر الملابس النسائية الداخلية ومستحضرات التجميل، ما خلق عشرات آلاف الوظائف للنساء وساعد على زيادة مبيعات تجار التجزئة، وفقاً لريما بنت بندر آل سعود، الرئيسة التنفيذية لـ"ألفا إنترناشونال" Alfa International التي تملك رخصة "هارفي نيكلز الرياض" Harvey Nichols Riyadh كما وشركة الملابس الأميركية "سبلاندد" Splendid. كما أطلقت آل سعود ماركة حقائب فاخرة مصممة خصيصاً للنساء العاملات سمتها "بارابو" Baraboux.

باستثناء مجالي الأكسسوارات والأحذية حيث بقيت المبيعات نفسها، لاحظت ريما زيادةً في العائدات في كافة المجالات الأخرى بفضل عمل النساء فيها. فتشرح قائلةً: "في هذا المجتمع، من الصعب جداً للرجل أن يقنع امرأة بشراء فستان بإخبارها كم يليق بها لونه الأحمر". وتقول آل سعود إنّها عندما توجهت إلى مجلس إدارتها طالبةً تخصيص راتب للنقل للموظفات اللواتي قد يواجهن صعوبةً في الوصول إلى العمل من دونه، كان من السهل إقناعهم بعد ما بينت لهم أنّ النساء غالباً ما يجنين ثلاث أضعاف مبلغ راتب النقل اليومي من صفقة بيع واحدة.

تعليم النساء "المهارات الشخصية" Soft Skills

استثمرت آل سعود أيضاً في تدريب الموظفات على أكثر بكثير من مهارات البيع بالتجزئة الأساسية فحسب مثل كيفية استخدام صندوق تسجيل المدفوعات النقدية وخدمة الزبائن. فتتلقى العاملات لديها، كونهنّ يعملن مع ماركات دولية كثيرة، دروساً في اللغة الإنجليزية لكي يتمكنّ من فهم المواد التسويقية بشكل أفضل. إذ إنّ الكثير من النساء يأتين من بيئات حيث لم يتسنَ لهنّ التفاعل مع أي رجل خارج أسرهنّ المباشرة، لذا فإنّ التدريب على المهارات الشخصية ضروري أيضاً.

وتضيف: "نحن ندرّب النساء على كيفية التعامل بصفة مهنية مع كلا الرجال والنساء". وبالإضافة إلى ذلك، وبما أنّ معظم الموظفات تختبر ساحة العمل للمرة الأولى، تقدّم لهنّ التدريب على إدارة الشؤون المالية والتخطيط المهني وجداول الرواتب والمنافع وغيرها من المفاهيم مثل الأجر المرتبط بالأداء performance pay. وتركز على مفهوم أنّ النجاح لا ينحصر بالمبيعات الشخصية، بل يشمل أداء المتجر بأكمله. فتتعلم الموظفات مثلاً أنّه بإمكانهنّ "إحالة زبون إلى زملائهنّ لكي يجد ما يحتاج إليه".

كما تحضر آل سعود المتدربات للتعامل مع العملاء الذين لا يؤيدون عمل النساء. وتقول: "أتت إلينا امرأة منذ بضعة أيام وقالت لموظفة تعمل في قسم الأكسسوارات إنّه يجب عليها تخجل لأنها تعمل في بيئة مختلطة".

على "هارفي نيكلز" وغيره من المتاجر اتباع التوجيهات الصارمة التي وضعتها وزارة العمل السعودية والتي تتضمن القياس الفعلي للمسافة التي يجب أن تفصل الموظفين والموظفات عن بعضهم البعض. فلا يسع الجنسين على سبيل المثال العمل معاً على الصندوق عينه. ويجب أن تتواجد في أي فسحة مفتوحة في المتجر ثلاث موظفات مقابل كل موظف ذكر، لكي لا يجد رجل نفسه منفرداً بأنثى. كما أنّ غرف الاستراحة التي تخصصها الشركة لموظفيها منفصلة تماماً الواحدة عن الأخرى فإما تكون مخصصة للرجال بالكامل أو للنساء. وبما أنّ إدخال النساء إلى مجال البيع بالتجزئة يعد تطوراً جديداً في المجتمع السعودي، تقول آل سعود إنّ قواعد الوزارة تبدو منطقية جداً بالنسبة إليها وأنّها تتبعها على أكمل وجه.

رسم المسار

من بين الأحكام التي لم تدرج في القانون الفدرالي بعد والتي تود أسعد وغيرها من الناشطين أن تصبح شرطاً أساسياً هي دور الحضانة لأطفال الموظفات. توفر آل سعود هذه الميزة في شركتها، إذ إنّ معظم موظفاتها في أوائل الثلاثينيات من العمر ولديهنّ طفلان تقريباً. وفي حين أنّ معظم النساء متزوجات، البعض منهنّ مطلقات وغالباً ما يكافحن لإيجاد عمل يتناسب مع أوقات أطفالهنّ. كما أنّ الموظفون الذكور يجلبون أطفالهم إلى دار الحضانة وذلك غالباً لإعطاء زوجاتهم قسطاً من الراحة.

وفي محاولة آل سعود توفير الحلول لتسهيل إيجاد النساء فرص عمل، واجهت تحدِّ تغيير الفكرة السائدة بأنّ قطاع الخدمات مخصص للعاملين الأجانب وليس السعوديين. فأبرمت شركتها شراكةً مع "جلوورك" Glowork، منصة توظيف النساء الأولى في السعودية (والتي استحوذت عليها مؤخراً "أس إي أس هولدنجز" SAS Holdings) وأطلقت حملة "أنت فخري" التي سلّطت الضوء على النساء العاملات، وبخاصة وفي مجال البيع بالتجزئة. وتشير آل سعود هنا: "أردنا التركيز على أنّه مع أنّ المرأة تسلك مساراً وظيفياً جديداً وقد تبدأ كبائعة، إلاّ أنّها قد تتبوأ مناصب أعلى في ما بعد".

آل سعود من أولى المدافعين عن عمل المرأة، غير أنّها ترى عملها كطريقة لتحقيق المساواة بين النساء والرجال ولكن، ليس على حساب هؤلاء الرجال. فبدلاً من أن تطرد على سبيل المثال موظفيها الرجال في قسم المبيع بكل بساطة بعد أن مُنحت النساء حق العمل، أعطت الذكور ذوي الأداء المتميز فرصةً للعمل في التسويق باستخدام خبرتهم السابقة في مجال البيع. وتضيف: "لا أريد النظر إلى الوراء بعد خمس سنوات والقول إنّ لدينا نساء هائلات برزن عبر تجاهل الرجال".

وتوافق أسعد أيضاً على هذا الأمر وتشير إلى أنّ الحملات الموجهة لرفع شأن المرأة تساعد أيضاً على إنشاء ثقافة إنتاجية في أرجاء المجتمع السعودي كافة. فتقول أسعد: "الأمر يتعلق بعمل المرأة وبالتحلي بجيلٍ بعد عشر أو عشرين سنة لا يعتمد على العمالة الأجنبية بل لديه أشخاص يُحتذى بهم".

خرق الحواجز

وفقاً لتقرير أجرته شركة "سيسكو"Cisco ، 78% من النساء العاطلات عن العمل يحملن شهادات جامعية، و30% من اللواتي يبحثن عن عمل لا يجدن أي فرصة. لكنّ النساء بدأن يجدن وظائف بالمزيد من المجالات التي لم تكن توظف نساءً من قبل، بما فيه مجالات الدفاع والزراعة والجمارك والمطارات وتكنولوجيا المعلومات. وفي الواقع تعمل النساء اليوم في كافة الوزارات السعودية. وفي مقر المصرف الرئيسي حيث تعمل أسعد، ما من فصل بين الجنسين كما يحدث في معظم القطاعات الأخرى، وذلك كون المصرف المركزي يتمتع بحصانة من السلطات الدينية.

ومن المجالات الأخرى التي تتسنى للنساء أن يبرعن بها، هي التكنولوجيا. إذ تعمل ساره مبارك وهي مستشارة مالية في برنامج "بادر" للحاضنات التكنولوجية – حيث تشكل النساء 30% من رواد الأعمال المشاركين – على تنمية مجتمع الاستثمار التأسيسي في المملكة.

وفقاً لمبارك، كان من الصعب في بادئ الأمر إقناع المستثمرين باستثمار أموالهم في شركات ناشئة بدلاً من العقارات والبورصة. فأولئك الذين يستثمرون في هذه الشركة غالباً ما يعتبرون ذلك عمل خير بدلاً من جهود تركز على العائدات. وبدورهم، الكثير من المستثمرين لا يقبلون منح أسهم إلى مستثمرين تأسيسيين ويفضلون الاقتصاد في الإنفاق في بادئ الأمر أو التمول بالدين من الحكومة. غير أنّ مبارك تشير إلى أنّ الحصول على التمويل من الحكومة عملية طويلة يمكن أن تستغرق حتى السنة، كما أنّه من الصعب جداً عادةً أن تحصل شركة تكنولوجية على الموافقة بما أنّ هذه الشركات غالباً ما لا تملك أي موجودات مادية.

ثمة تحديات أخرى. إذ إنّ إحدى الرائدات اللواتي عملن مع برنامج "بادر" حصلت على الموافقة بالتموّل بالدين من الحكومة بشرط أن تنقل عملية التصنيع من الصين إلى السعودية، الأمر الذي رفضت القيام به. وشرحت مبارك أن برنامج "بادر" يحاول إقناع الحكومة بتغيير نهجها وفهم أنّ اشتراط التصنيع في السعودية يمكن أن يؤدي إلى إقفال شركة ناشئة إذ إنّ التكاليف أعلى بكثير في السعودية.

وفي حين تتوفر صناديق التمويل للنساء في مجال الأعمال التجارية الصغيرة، إلاّ أنّ مبارك ترى أنّ النساء اللواتي يملكن شركات في مجالات التجارة الإلكترونية والتكنولوجيا الحيوية والتصنيع المتقدم والتطبيقات الهاتفية، يجب أن يحظين بالمزيد من الدعم.

وتقول مبارك: "قبل أنّ تأتي صناعة النفط، كان الجميع تقريباً رواد أعمال في السعودية، سواء عملوا في الزراعة أو التجارة او الشؤون المالية أو امتلكوا المتاجر". وهي تؤمن أنّ مع نجاح المزيد من النساء والرجال كرواد أعمال، ستستمر الثقافة السعودية بالتغيّر.

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة