كيف حوّلت هذه الريادية الشابة النفايات إلى عمل مربح

اقرأ بهذه اللغة

 نشِر هذا المقال أساسًا على موقع وارتن للمعرفة.

بقايا طعام وثلاجات ومواقد وحيوانات نافقة وشباك صيادين.

هذه جردة بما تمكّنت شركة "وفاء مخلوف صيادي" "بروكلين" Proclean من جمعه على مدى عقد تقريباً من جمع النفايات من شاطئ تونس المذهل على البحر الأبيض المتوسط. فتقول صيادي: "لقد رأيت كل شيء، حتى ما لا يمكن تصوّره. لكنّ أكياس القمامة البلاستيكية هي أكثر ما يزعجني لأنها تعلق في الجهاز."

كانت صيادي بالأساس متحمّسة لصقل روح المبادرة لديها، فقامت بإنشاء مؤسسة ربحية تقدّم خدمة وتترك الأشياء أفضل مما كانت عليه. جهود صيادي هذه التي تنمّ عن إمكانيات ريادة الأعمال البيئية وربحيتها قدّمت حلّاً واضحاً. ولكن، الأهم في كلّ ذلك كان اتخاذها الخطوة الأولى.

هذا هو نوع المبادرات التي تأمل بنشرها في أوساط أصحاب الأعمال الصاعدين في تونس، بصفتها رئيسة مركز قادة الأعمال الشباب في تونس الذي يمثّل رواد الأعمال تحت سنّ 45 عاماً. توازن صيادي بين عملها وتربيتها لطفلين، فتدير شركتها وتشغل منصب أول رئيسة منتخبة للمجموعة في تونس بعد الثورة، وهي تقول إنّه يمكن لتطوير القطاع الخاص من حيث ريادة الأعمال أن يساعد على معالجة المخاوف الاقتصادية، على غرار ارتفاع معدل البطالة.

أصبح ارتباط عمل صيادي بمظهرها الذي لا تشوبه شائبة نوعاً من الكليشيهات بالنسبة إليها. فتتسم صيادي بأنها طويلة القامة ورشيقة القوام وشعرها بني طويل وفي عامها الـ 36، نراها تشبه عارضة أزياء بثيابها الأنيقة وكعبها العالي. نراها تشع لياقةً تبرق على عكس القمامة. بعد أن حازت صيادي على شهادة في الشؤون المالية، عملت لفترة قصيرة مع والدها في قطاع الخدمات البيئية أيضاً لكنّها كانت تتوق لتطلق عملها الخاص. وتقول صيادي باللغة الفرنسية: "لم أكن أرى نفسي كموظفة في إدارة أو في شركة ليست لي. كانت هذه فكرتي منذ البداية. لا أتحمّل أن يأمرني أحد بفعل أيّ شيء."

وهكذا حصلت على قرض بقيمة 20 ألف دينار تونسي (12400 دولار أميركي) من البنك التونسي للتضامن وعلى القليل من المساعدة من والدها فوظفت خمسة موظفين وأطلقت عملها الخاص في العام 2003. تبلغ عائدات شركتها الآن أكثر من 700 ألف دينار تونسي (434 ألف دولار أميركي). تركّز شركتها على تكنيس الشوارع والحفاظ على المساحات الخضراء، وهذا هو نوع الأعمال الذي اعتادت عليه مع عائلتها.

ثمّ تلقّت طلباً للمساعدة عبر التطوع في تنظيف الشواطئ حيث الأطفال يجمعون النفايات. تطوّعت صيادي بالمعدات والموظفين لنقل النفايات وتفريغها. وتخبر عن التجربة: "كانت مذهلة بالفعل. لِمَ لا يستمر ذلك على مدار السنة؟"

ونتيجةً لذلك، حوّلت صيادي تركيزها نحو تنظيف الشواطئ وجمع النفايات. وكانت هذه الخطوة أيضاً منطقية من الناحية التجارية لأنّه لم يكن هناك الكثير من الشركات التي تعمل في هذا المجال، في حين أنه كان ثمة شركات كثيرة تقوم بتكنيس المنتزهات وتنظيفها الذي كان مجال عملها الأساسي.

وفي ظلّ غياب المحافظة اليومية أو المنتظمة على الشواطئ من قبل السلطات البلدية المحلية، وجدت صيادي فرصة سانحة، فراحت تطرق على الأبواب لإبلاغ البلديات عن الخدمة التي تقدمها شركتها وراحت تقدّم الفواتير بطريقة مربحة للجانبين: فهي تحصل على العقد وهم يحصلون على المساعدات الحكومية لتغطية هذا العمل موفرين ميزانياتهم المحلية.

في مجال الخدمات البيئية، تقول صيادي إنه ينبغي على أصحاب الأعمال العمل بحسب ما يتطلّبه السوق: "ينبغي أن يكونوا مرنين." في بعض الأحيان، لا يكون ثمة أيّ طلب على بعض الخدمات من الوكالات لسبب موسمي أو لسبب يتعلّق بالتمويل، ولذلك ينبغي على المرء أن يعرف كيف يعدّل أو يوسّع الخدمات التي تقدّمها شركته. تعتمد صيادي أيضاً على العقود مع البلديات ووزارة البيئة. يحصل أحيانا بعض التأخير في الدفع، وقد يشكّل ذلك تحدياً عندما يكون عليها أن تدفع للموظفين.

تشغّل صيادي حوالى 50 موظفاً، ويزيد هذا العدد إلى ضعفيْن أو أكثر أحياناً بحسب احتياجات المشروع الذي يتمّ العمل عليه. تقول إنها لم تكن توظّف إلا النساء في البداية، لكنّ بعض المشاكل وقعت على الأرض عندما كان النساء والرجال يخرجون معاً للعمل في مجموعات وتبدأ المشاكل. وتتحدّث عن هذا القطاع بالقول: "هذا تفكير الناس، فهم لا يتقبّلون أن يروا النساء والرجال يعملون معاً. ربما يتعرّضن بنسبة أقل إلى قلة الاحترام في مصنع مثلاً. وعندما يتشاجر الرجال بعضهم مع البعض الآخر، تجد النساء أنفسهنّ محرجات بينهم. كنّ يأتين إليّ أحياناً قائلات إنهنّ لم يعدن قادرات على مواصلة العمل."

حتّى على المستوى التنفيذي، تقول صيادي إنه ثمة تصورات خاصة بالإناث والذكور مرتبطة بهذا القطاع، وعليها التماشي معها. عندما ذهبت على سبيل المثال إلى مكتب الضرائب للحصول على رخصة تجارية، أعطت للمرأة التي تعمل هناك استمارة تحدّد عملها كجمع النفايات، فسألتها الموظفة: "لِمَ تعمل فتاة جميلة مثلك في مجال جمع النفايات؟"

وتقول صيادي إنّ عملها قد يشكّل في البداية صدمةً لمن هم خارج دائرة أصدقائها وعائلتها، فسرعان ما يطرح الجميع الأسئلة عينها ويكون جوابها دائماً: "أشعر على الأقل بأنني أقوم بشيء مفيد. تحتاج المرأة إلى الشجاعة للعمل في هذا القطاع، وثمة عدد قليل جداً منّا في هذا القطاع. يتعجّب الناس بشكل إيجابي عندما يعرفون أنني أعمل في هذا القطاع".

إعادة بناء الوطن

إنّ العمل الميداني في هذا المجال شاق، لكنّه لا يحتاج إلى عمّال ذوي مهارات عالية. غير أنّها تقول إنه على الرغم من ذلك، ثمة أشخاص حائزون على شهادات يقومون بمهام جمع نفايات مماثلة لمن لديهم مستوى علميّ أقلّ. فهم في نهاية المطاف، يحتاجون إلى العمل. ويُعتبر ارتفاع نسبة البطالة في تونس أحد العوامل التي أشعلت الانتفاضات في البلاد وأدّت إلى الثورة التي أطاحت بالرئيس السابق زين العابدين بن علي. في أعقاب ذلك، تشرح صيادي أنّ أصحاب الأعمال تعرّضوا للانتقادات الواسعة بسبب الاعتقاد الشائع بأنّ كثيرين في القطاع الخاص كانوا على تعاون وثيق مع بن علي ونظامه. وفي ظلّ البطالة السائدة - بل والمتفاقمة - في السوق التونسية، لم يتمكّن القطاع العام من استيعاب عدد العاطلين عن العمل. بدلاً من ذلك، تقول صيادي إنه كان يتوجّب إيجاد الحلول في القطاع الخاص. وترى أنّ مركز قادة المؤسسات الشباب في تونس يلعب دوراً هاماً في هذا المجال من خلال تشجيع الناس وتوجيههم إلى إنشاء الأعمال. في الواقع، ترى صيادي أنّ رواد الأعمال يلعبون دوراً كبيراً في إعادة بناء البلاد: "ما من خيار آخر."

تتابع صيادي أنه تحقيقاً لهذه الغاية، قضى مركز قادة الأعمال الشباب في تونس عام 2011 يجتمع بالقادة من الأحزاب الكثيرة التي برزت بعد الثورة لمناقشة السياسات الاقتصادية والاجتماعية. وكانت هذه الخطوة غير مسبوقة لمنظمة غير سياسية: "من المهم لرائد الأعمال أن يعرف في أيّ بيئة سيعيش في المستقبل. نحن بحاجة إلى الاستقرار لنعرف أين نتجه اقتصادياً." في الماضي، عملت المجموعة على جعل القوانين أكثر ملاءمةً لإدارة عمل تجاري وتعزيز الشركات الريادية. وأضافت: "نريد أن نعلم صناع القرار بمخاوفنا، سواء كانوا في الحكومة أو الإدارات. نحاول التقرّب منهم لمشاركتهم مشاكلنا ومشاكل رواد الأعمال الشباب."

في سعيها لتنمية أعمالها، لجأت صيادي إلى المؤسسات القائمة ودورات الأعمال لمساعدتها على وضع استراتيجية لنهجها والوصول إلى الموارد. وأبقاها هدفها الواضح المتمثل بالعمل لحسابها الخاص مندفعةً باستمرار. وما ساعدها أيضاً كان جعلتها تنشئتها ترى الأعمال كمسار إيجابي. تقول صيادي إنّ الإحصائيات تشير إلى أنّ أولاد رواد الأعمال أكثر عرضة ليصبحوا رواد أعمال أنفسهم، ما يبيّن أنّ تصرّف الآباء يمكن أن يؤثّر في توجّهات الشباب في مجال ريادة الأعمال. كانت العقلية السائدة هنا بشكلٍ عام تقضي بأن يبحث الشاب عند التخرج عن وظيفة في القطاع المصرفي أو الحكومي. ومع ذلك، تقول صيادي إنّ تنوّع البرامج والمبادرات في الآونة الأخيرة عزّز ريادة الأعمال وشجّع الشباب على إنشاء مشاريعهم الخاصة.

بما أنّ صيادي تؤيد ريادة الأعمال في تونس الجديدة، تقول إنّ منظمتها تسعى أيضاً إلى زرع فكرة أنّ الأداء الكلي مهمّ. فينبغي على سبيل المثال على أصحاب الأعمال أن يأخذوا في الاعتبار إعطاء الموظفين رواتب جيدة واحترام البيئة ودفع الضرائب التي عليهم، ليكونوا كما تصفهم "شركات مواطنة جيدة." على المستوى الفردي، يقدّم مركز قادة المؤسسات الشباب في تونس لرواد الأعمال تدريبات وبرامج عن القيادة والإدارة والاستراتيجية وغيرها من المهارات. وهو يلعب أيضاً دور شبكة دعم لرواد الأعمال. وتتابع صيادي: "هذا مهمّ جداً في حياة القائد الشاب، وخصوصاً عندما يطلق عملاً تجارياً. نحن مغمورون بالمشاكل اليومية، ومن خلال هذا التبادل، يمكننا أن نجد الحلول بشكل أسرع."

ما يساعد الشباب أيضاً هو أن يعرفوا أنهم ليسوا وحدهم، وأنّه ثمة آخرين قد مرّوا بحالات مماثلة وتمكّنوا من إيجاد حلول في الظروف الصعبة. تستهدف المنظمة أيضاً طلاب الجامعات من خلال شراكتها مع "الطلاب في المشاريع الحرة" Students in Free Enterprise، وهي منظمة غير ربحية مقرها الولايات المتحدة حيث يعمل الطلاب مع قادة الأعمال لإقامة مشاريع مستدامة في جميع أنحاء البلاد، وذلك بهدف تحسين حياة الناس المحتاجين وإعطاء الشباب دروساً عملية في ريادة الأعمال.

تقول صيادي إنّه ثمة سبل متاحة في تونس لأصحاب العمل المحتملين لمساعدتهم على الانطلاق، مثل برنامج القروض الذي شاركت فيه. وتتابع أنّ المسألة ليست مسألة طبقة اجتماعية بقدر ما هي قضية انقسام إقليمي يصعّب الأمر على بعض رجال الأعمال خارج العاصمة الذين لا يستطيعون الاطلاع على المعلومات والوصول إلى صنّاع القرار. ينبغي على القادة الشباب من المناطق النائية أو الريفية السفر إلى العاصمة التونسية لاستراق الفرص ومواكبة المعلومات بشأن برامج ريادة الأعمال أو إنشاء الأعمال التجارية، لأنّ الكيانات الإدارية الإقليمية ليست دائماً مطّلعة على آخر الأخبار، كما أنها لا تبذل أيّ جهد للحصول على المعلومات وإيصالها للمهتمّين. قد يستغرق وصول الردود على الاستفسارات أشهراً لبلوغ رواد الأعمال، وحتى عندئذٍ، قد تكون الإجابات غير واضحة. تقول صيادي إنّ إنشاء الروابط مع المحافظات الداخلية في البلاد يشكّل أولوية. لمركز قادة الأعمال الشباب في تونس فروعٌ في 13 منطقةً، وهي منتشرة في تونس من شمالها إلى جنوبها وتعمل لتشجيع الأنشطة في تلك المناطق وتساند أصحاب الأعمال وتسدّ نقص الوعي.

تعتمد صيادي سلوكاً استباقياً، سواء كان ذلك في مشروعها الخاصة أو المنظمة التي تقودها. وتقول إنّها ترغب في توسيع عملياتها في المزيد من المجالات، لكنّ الأمر يعتمد على العقود الحكومية التي تصبح متوفرة. وفي سياق حسّ ريادة الأعمال الذي في داخلها، تتطلّع إلى مشاريع أخرى في مجال العقارات ومشاريع متعلقة بالحفاظ على البيئة. تسعى للقيام بدورها خارج العمل مع برامج التنظيف التطوعية، لكنّها تقول إنه يمكن عمل المزيد في هذا الإطار. بعد الثورة، تأثر جمع النفايات بالإضرابات التي كان يتمّ تنظيمها في المكبات. في نهاية المطاف، ستتطلب المحافظة على النظافة اتخاذ إجراءات على نطاق واسع. وتقول صيادي: "هذا أحد المجالات التي تتطلب مشاركة الجميع، سواء كان ذلك من جانب المواطن أو الحكومة أو القطاع الخاص، لذلك يجب أن يعمل الجميع معاً. أحاول أن أبذل قصارى جهدي، ولكن، لا أستطيع أن أقوم بكلّ شيء بنفسي".

يتعلّق الأمر باتخاذ الإجراءات وتحقيق الأمور. في خلال فصل الصيف، تُستخدم الآلات لتنظيف الشواطئ وتكشف مشهداً يخطف الأنفاس تستمتع به صيادي، حتى لو أنه لا يستمر إلا ليوم أو اثنين. فما تحبّه صيادي أكثر من التنظيف اليدوي هو التنظيف الميكانيكي الذي يتمّ كلّ أسبوعين والذي يتمّ عندما يكون الجميع نائماً. وتقول: "في بعض الأحيان، عندما أصل إلى بيتي في وقت متأخر من الليل، أتفرج على الآلة وهي تمرّ وهذا يشعرني بالفرح فعلاً."


اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة