من الفلسفة إلى الاستثمار: قصة اللبناني أسامة عمّار

اقرأ بهذه اللغة

أصبح أسامة عمّار خلال الأشهر القليلة الماضية أحد أكثر الشخصيات إثارة للجدل في قطاع الشركات الناشئة الفرنسية. فقبل عام كان الشاب الفرنسي اللبناني البالغ من العمر 27 عاماً مجهولاً بالكامل، أما اليوم فالجميع يعرفونه كمؤسس شريك لـ صندوق "العائلة" The Family الاستثنائي والواعد، ولمقاربته القائمة على الإيجابية الأميركية وعلى الميزانية العمومية والعديد من الصفوف واللقاءات والأحاديث التي يعطيها. ولكن قد تتساءلون كيف ذاع صيته بهذه السرعة؟  

مسيرة متسارعة

عمّار الذي ولد في لبنان، قدِم مع عائلته إلى مدينة تور في فرنسا في عمر الخمس سنوات. وفي سن العاشرة، ربح جهاز كومبيوتر وبدأ يجرّب فيه. حين بلغ سن الـ12، عرّفته أمه التي تعمل في مجال التنظيف، على أحد زبائنها. وقال ببساطة: "أحتاج إلى موقع إلكتروني فصممته له وأعطاني المال". وبعدها، حصل على المزيد من الزبائن وحتى بدأ ببيع الأغراض القديمة على الإنترنت لجمع المال الإضافي. وقال: "جمعت مالاً جيداً لكل طفولتي وهذا غيّر رؤيتي للحياة".  

تشبه مسيرته إلى حدّ بعيد مسيرة رند هندي وهو لبناني آخر من أصل فرنسي بلغ لائحة الـ35 لمعهد ماساشوستس التقني لمن هم تحت الخامسة والثلاثين. وقال: "أنا ورند ننتمي إلى الجيل ذاته. وكان وقتاً غريباً بالنسبة إليّ لأن أجهزة الكومبيوتر كانت فعالة بما يكفي ليستخدمها الأطفال"، ولكن الأمور لم تكن متطورة للغاية وكان بحسب قوله، "الوقت الأنسب لتدريب نفسك".  

صاحب رأسمال مخاطر خلال مرحلة تقنية انتقالية  

في عمر 19 عاماً، باع أسامة شركته الأولى التي طورت برنامجاً لمساعدة الشركة على تحديد ومنع النفاذ إلى ملفاتها الخاصة عبر الإنترنت، إلى صندوق استثمار مقره هونغ كونغ. وأثناء مواصلته دراسة الفلسفة في السوربون، بدأ الشاب العمل لصالح صندوق تحوّط. وطوال عامين ونصف العام، عاش الفرنسي اللبناني حياة مستثمر مثالية (قبل أزمة الرهن العقاري). 

وقبل أن أسأله حتى لماذا قد يوظّف صندوق مطوراً تخرج للتو من الثانوية، أضاف: "كان وقتاً خاصاً إذ أنه كان بداية انتقال رقمي التقى خلاله العالمان القديم والجديد لأول مرة. وكان مهماً ونادراً معرفة ما الذي يعنيه جلب البرامج إلى الشركات". ولم يكن الانتقال تقنياً فحسب، يضيف، موضحاً: "لم تكن الشركات الناشئة قد ابتكرت فقط نماذج تجارية جديدة، بل ابتكرت طرقاً جديدة للعمل، ونوعاً من الانفتاح نحو الأصالة وأساليب إدارة غير متوقعة. والآن، يريد الجميع أن يبدو مثل جوجل ولكن عام 2006، قليلون علِموا حقاً ماهية جوجل كشركة ومن عرفوا ذلك كانت لديهم أفضلية تنافسية حقيقية". 

مستثمر وريادي: عملان مختلفان كلياً 

قبل أزمة الرهن العقاري، قرّر الشاب اللبناني الفرنسي اللحاق بأحلامه  وإنشاء شركة ناشئة وهي منصة "هيبيوس" Hypios لحل المشاكل الخاصة بالتكنولوجيا المتقدمة. واعترف بأن "الأمر كان كارثة. وأدركت أن هناك فرقاً كبيراً بين أن تكون مستثمراً وأن تكون رياديا". 

وأضاف أن "الرياديين الجيدين يكونون أنانيين ولا يأبهون بالأفكار بل ينفذون. فنادراً ما ينجح المرء لأن لديه فكرة بل لأنه يريد أن يحل مشكلة ما".

وهذه مسألة أساسية بالنسبة لعمّار الذي يصرّ أنه يأبه للناس والأفكار أكثر من التنفيذ. ويشرح أن "التنفيذ لطالما كان نقطة ضعفي لأني أضجر سريعا". وبعد ثلاث سنوات ونصف، تم تسريحه. وقال "طردوني من الشركة التي أسستها وهذا أفضل ما حصل معي في حياتي". 

ويعتقد عمّار أنه كان يملك كل ما يحتاجه لينجح كمستثمر أي القدرة على الفهم السريع لإمكانيات المفهوم. وعلى المستثمر أيضاً أن يجعل الرياديين يقومون بالأمور التي يخشون القيام بها وأن يكون مطلعاً على الاتجاهات المقبلة وأن يضع الريادي ومنتجه في موقعهما ضمن الصورة الأكبر.

ويشرح أن "الرياديين الجيدين يجدون صعوبة في رؤية الصورة الكبيرة لأنهم يركزون جداً على منتجهم. وحين تعطيهم الصورة الكبيرة، يمكنهم تحويلها وجعلها حقيقة. ووراء كل ريادي عظيم، مستثمر". 

الفلاسفة مثل المستثمرين 

وشرح عمّار: "أن تكون مستثمراً جيداً هو عمل فكري. ولدى المستثمرين الجيدين شيئاً مشتركاً وهو أنهم أشخاص لامعون"، وأعطى مثالاً على ذلك وارن بافيت ("سريع البديهة") وبول غراهام ("عميق") وجورج سوروس ("طوّر نظرية مفاجئة عن العالم ونفذها"). وحين سألته لمَ الكثير من المستثمرين والرياديين درسوا الفلسفة، قال لي إن لديه نظرية. وأوضح أن "الفلسفة هي أحد أفضل الطرق لتدريب نفسك على الريادة لأن ممارسة الريادة تعني التعامل مع ما هو مستحيل وجعله مفهوماً للآخرين وفي الوقت نفسه كان عمل الفلسفة طيلة 2000 عام ماضية يقوم على شرح مفاهيم غير مفهومة كي تصبح واضحة". 

وأضاف "عليك أن تشرح فكرة لشخص لا يؤمن بها، وحل جميع المشاكل التي تترافق معها إلى أن يصل الناس إلى التصديق بفعالية فكرتك. 

العودة إلى الاستثمار 

وبعد اقتناعه بأن عليه أن يتجاوز النهاية السيئة لعمله في هيبيوس، غادر عمّار إلى وادي السلكون لإنشاء شركة ناشئة جديدة. وعلق على الفور في عالم الاستثمار من جديد. وبعد وقت قصير من وصوله إلى كاليفورنيا، بدأ الشاب البالغ من العمر 24 عاماً، الاستثمار في شركات ناشئة جديدة مقابل فوائد كبيرة. ولاحقاً اشترى أسهماً في 25 شركة ناشئة. ومن أجل تمويل شركته الجديدة، بدأ الريادي السابق العمل استشارياً وخصص 80% من إيراداته لشراء الأسهم".

ويعترف ضاحكاً: "حين أكون مستثمراً أجني الكثير من المال وحين أكون ريادياً أخسر الكثير من المال ومال الآخرين". ولكنه لم يختر فقط أن يكون مستثمراً لأنه يبرع في ذلك بل يصرّ أنه اختار ذلك لأنه يحبه.

وبعد فترة قصيرة، تلقّى عمّار اتصالاً هاتفياً من أليس زاجوري التي كانت في ذلك الوقت مديرة للمسرعة الفرنسية الشهيرة "لو كامبينغ" ليكون ريادياً مقيماً لديهم. وحين عرضت عليه خيار الاستمرار لموسم ثان، اقترح أن يبدأوا مسرعة جديد. وهذه الشراكة أنتجت "ذا فاميلي"

نصيحته: الحذر من النصيحة

حين سألته إن استقى أية دروس من تجربته المشتركة كريادي ومستثمر، أجاب: "على المرء أن يتعلم كيف يحكم على النصيحة. هناك نوعين من الرياديين: العنيدون والذين لا يطاقون والذين لا يصغون إلى أحد، وهؤلاء يستسلمون سريعاً. ومن ثم هناك الذين يصغون إلى الجميع ويرهقون أنفسهم. ولكن الريادي الجيد هو شخص يعرف متى يصغي إلى نصيحة الناس ومتى لا يصغي. كل شيء في سياقه". 

سيكون أسامة عمّار في بيروت لفعاليتنا المقبلة للتواصل والإرشاد

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة