التجارة الإلكترونية في مصر: صعوبات وإمكانات هائلة

اقرأ بهذه اللغة

انطلقت الشركتان الناشئتان "ياقوطة" Yaoota و"كيكين" Kickin في شهر حزيران /يونيو، بهدف الاستفادة من الإمكانات الهائلة التي توفرها سوق التجارة الإلكترونية المصرية. ولكنهما سرعان ما وجدتا أن الطريق إلى النضج في السوق صعبة وطويلة.

لا يزال قطاع التجارة الإلكترونية المصري في مراحله الأولى. إذ يتوجّب على الشركات في سبيل تطوير السوق أن لا تكتفي بتثقيف العملاء حول الانفاق على الإنترنت، بل أن تفعل ذلك بأقل كلفة أيضاً: فالصناديق الاستثمارية للشركات الناشئة  نادرة، بقدر ما هو مكلف العمل على بناء نظام الجودة في المتاجر على الإنترنت وتأمين مصادر المنتجات وتخزينها، بالإضافة إلى البنية التحتية لعمليات التسليم. ولكن الحجم الكبير للسوق المتوقعة، هو ما يدفع الشركات مثل "ياقوطة" وكيكين" لتخطي هذه التحديات.

يعتقد الشريك المؤسس في الموقع الإلكتروني لمقارنة الأسعار "ياقوطة"، شريف الرقباوي، أن المعضلة الأساسية تكمن في تثقيف المستهلكين حول الشراء عن طريق الإنترنت، وتطوير أنظمة أبسط للدفع. من جهته، يجني موقع "ياقوطة" المال من تجار التجزئة على الإنترنت، مثل موقع " سوق" souq.com و"جوميا" Jumia اللذان يدفعان مقابل التسويق.

من ناحيته، يبدو مؤسس "كيكين" حازم بكتاش، أقرب إلى تفاصيل البيع بالتجزئة، بحيث يبيع المنتجات "المتميّزة" المحلية والمستوردة عبر موقع إلكتروني وتطبيق هاتفي. وبالنسبة له، فالعقبات الرئيسية التي تجذب الاستثمار التأسيسي لاستعمالها  هي على حدّ سواء، التسويق وإيجاد بنية تحتية فعّالة لمصادر السلع وتخزينها وبيعها، ومن ثم توصيلها في الإطار الزمني المحدد.

اللاعبون الأساسيون في قطاع التجارة الإلكترونية في مصر  هم بأغلبهم من شركات إقليمية مثل "سوق دوت كوم" souq.com  و"جوميا" Jumia و"نفسك" Nefsak وسوق الحاجيات المستعملة "دوبيزل" Dubizzle. ويضم طيف التجارة الإلكترونية في المنطقة مواقع للصفقات اليومية مثل "أوفرنا" Offerna، متاجر التجزئة القائمة فعلياً والتي تتجه للإنترنت مثل متاجر الكتب "ديوان"  Diwan Bookstores. وهناك مواقع أخرى مثل السوبرماركت الافتراضية "إشتري" Eshtery، و موقع "إدسعلي" Edsa3ly للاستيراد من الولايات المتحدة الأميركية.

حتى الآن، لا توجد شركة مصرية تنافس الشركات الأجنبية على الزبون المصري من خلال الإنترنت.

ووفقاً للمدير العام لموقع souq.com، عمر الصاحي، فإنه في البلاد نحو 142 لاعباً بمن فيهم مواقع السفر مثل "إيجيبت آير" Egypt Air. وهم يتنافسون جميعهم ويعملون على تطوير السوق وتقويتها في مصر، التي يفوق عدد سكانها الـ93 مليون نسمة.

بالأرقام

فيما يُتوقع أن يتضاعف عدد سكان البلد الأكثر اكتظاظاً في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تبقى مصر سوقاً محيرة لروّاد الأعمال في التجارة الإلكترونية والأعمال التجارية، خاصةً أنها أقل البلدان نمواً في التجارة الإلكترونية.

وفقاً لوزارة الاتصالات وتقنية المعلومات، فإن نسبة الاختراق في خط الهاتف المنزلي الثابت هي أقل من 9٪، وهذا يعني أن عدداً  قليلاً من الأسر يتمكن من الإتصال بالإنترنت عبر الهاتف الثابت. وعلى الرغم من أن نسبة انتشار الهاتف المحمول تتخطى 120٪، فإن ربع السكان فقط يستخدمون أجهزتهم للولوج إلى الإنترنت.

حوالي 44٪ من المصريين لديهم إمكانية الوصول للإنترنت، أي  أكثر من أيّ بلد آخر في المنطقة. إذ توضح الأرقام أن 26٪ من المصريين يستخدمون الهواتف الذكية، وذلك وفقاً لتقرير الدفع 2014 الذي أصدرته "بايفورت" Payfort لحالات الدفع في الشرق الأوسط.

تبقى إمكانية الولوج للإنترنت محدودة في ظل خطوط الهاتف الثابتة، ما يجعل من استعمال الهواتف الذكية في طليعة التجارة الإلكترونية في مصر. وتُظهر بيانات "بايفورت" Payfort أن 80 % من مستخدمي الهواتف الذكية يقومون شهرياً بعملية شراءٍ واحدة على الإنترنت على الأقل، بينما يتّضح أن 70% من هؤلاء هم دون الـ31 من العمر.

حتى لو كان الذين يتعاملون بالتسوق الإلكتروني في مصر لا يتجاوزون 3.6%، إلا أن هذه السوق ما برحت تبلغ 3.2 مليارات دولار في العام 2013.

كيف ينفق  المصريون مالهم على الإنترنت (الصورة من "بايفورت")

الدورة

للوصول إلى هذه السوق، يجب أن يكون هناك أعمال تجارية فعّالة على الإنترنت، تدور في دائرة مغلقة يسيطر فيها البائع على المخزون المتاح للبيع. وأن يكون لديه أيضاً متجر جذاب على الإنترنت، بالإضافة إلى القدرة على توصيل البضائع في الزمان والمكان المحدّدَين.

ويقول عن هذا الأمر مؤسس "كيكين"، حازم  بكتاش، إنه واحد من أصعب التحديات. فهو سبق له أن جلب بضائعه من 14 مورّد محلي، فيما استورد بضائع أخرى كتلك التي من الصعب إيجادها، بطرق ملتوية من الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة والصين. وكان من هذه البضائع قميص "كيكين" الأكثر مبيعاً، ولقد سُمي بالقميص "السحري" الذي تتبدل ألوانه تحت ضوء الشمس. وتتم عمليات البيع من خلال الموقع، فيما يتم تشجيع المستخدمين بشكل متزايد للإقبال على تحميل التطبيق (4500 شخص حمّلوه حتى الآن).

يعمل فريقه المؤلف من أربعة أشخاص على تسليم البضائع في ضواحي القاهرة الغربية بواسطة سياراتهم الخاصة، فيما يستعين بشركة البريد السريع "أرامكس" Aramex للتوصيلات إلى النواحي الأخرى من المدينة. ويعملون حالياً مع "أرامكس" على تجربة التوصيل إلى مدينة طنطا في دلتا النيل، بالإضافة إلى الإسكندرية. بحيث يشتمل مخططهم على أن يتمكنوا من تغطية كافة البلاد مع انتهاء العام القادم.

إستثمار

يعاني بكتاش من مشكلة أساسية أخرى وهي العثور على التمويل اللازم لعملية التسويق. ويقول إن مبيعات "كيكن" لم تكن جيدة بالقدر الذي توقعه في الأشهر الثلاثة الأولى بعد الإطلاق، لأن الشركة لم يكن لديها بعد ميزانية كبيرة لكسب الزبائن والاحتفاظ بهم. ولهذا السبب كان يبحث مع المستثمرين عن الاستثمار الـتأسيسي.

يعاني الاستثمار في أي نوعٍ من الشركات الناشئة في مصر من نقصٍ في العرض.  وحتى بالنسبة لأصحاب رأس المال المكثف في تجارة التجزئة الإلكترونية، فإن الإنفاق يجب أن يكون كبيراً ليس فقط على المنتج نفسه، بل أيضاً على التسويق والخدمات اللوجستية والبنية التحتية مثل التخزين والمواقع والتطبيقات. وعليه، فإن أي نقص في المال في وقت مبكر، يمكن أن يكون بمثابة الضربة القاضية.

بدوره، يؤكد عضو الفريق الاستثماري في شركة مساهمة خاصة تركّز على  إفريقيا تدعى "8 مايلز" 8miles، عماد برسوم، أنه بالرغم من التقدم الملحوظ الذي شهده القطاع الخاص خلال السنوات الخمس الماضية، إلا أن التمويل المكثف للاستثمار المخصص  للتجارة الإلكترونية بالتجزئة ما زال خجولاً.‎ ولا شيء ما بين 100 ألف ومليون دولار أميركي يثير الاهتمام.

ولكنه يرى أيضاً أن هناك اهتمام متزايد من قبل صناديق رأس المال الاستثماري والمستثمرين التأسيسيين، محلياً وخارجياً، والذين بدأوا يهتمون بالشركات المصرية الناشئة للتجارة الإلكترونية.

في سياق متصل، يقول الرقباوي إن روّاد الأعمال يريدون أيضاً نوعاً معيناً من المستثمرين. "المستثمر المثالي ليس من يعطي المال وحسب، بل من يكون متحمساً للعمل ويفيده من خبرته الشخصية كذلك." ويكمل حديثه لـ"ومضة"، فيقول إن "بعض المستثمرين الذين يراهنون على طفرة السوق يفضلون العمل الآمن والمضمون، ولكن هذا متأخر كثيراً برأيي."

التسويق والتوعية

الإنفاق التسويقي في مصر أقل منه على البيع، مما هو على توعية الزبائن حول الشراء عبر الإنترنت.

مؤسسو "ياقوطة": شريف الرقباوي (يساراً) ومحمد عويس.

يشير الرقباوي إلى أنه على الشركات الأساسية المحركة للتجارة الإلكترونية في مصر أن لا تطلع الزبائن على سهولة الشراء عبر الإنترنت وحسب، بل أن تعلّمهم كيف تجري الأمور: عبر مدوّنات عن مزايا الشراء عبر الإنترنت، وتقديم النصائح حول البقاء بأمانٍ على الشبكة.

"نعتقد أن توعية المستهلك واحدة من مهامنا. فالأمر لا يتوقف على تناول قطعة كبيرة من الكعكة، بل بزيادة حجم هذه الكعكة." يتابع الرقباوي حديثه مع "ومضة"، ويقول إنه مع متسوّقين يتمتعون بالمعرفة وسوق رقمية مرحّبة، يمكن أن يصبح حجم كعكة التجارة الإلكترونية المصرية أكبر من تلك لدى السعودية ودول الخليج مجتمعة.

حتى اللاعبون الرئيسيون مثل "دوبيزل" Dubizzle و"سوق دوت كوم" souq.com، ينفقون الكثير من المال في سبيل توعية المستهلكين وتطوير السوق، بحسب ما يقول ممثلو الشركة. حيث يشير ممثل "سوق دوت كوم"، الصاحي، إلى أن هذا الإنفاق ضروري للاستفادة من الإمكانات الهائلة للسوق المصرية على المدى الطويل، كما إنه لا يتوقّع أن تكون السوق مربحة لبعض الوقت.

المدفوعات

يعتقد الكثيرون أن تطوير تقنية العمليات المالية ستكون بمثابة الدافع للتجارة الإلكترونية المصرية نحو الإقلاع. ولكن حتى الآن، يبقى الحصول على الراتب من أهم الصعوبات التي تحول دون القيام بتجارة إلكترونية في مصر.

أشار تقرير "بايفورت" Payfort أنه على الرغم من أن مصر لديها ثاني أعلى معدل إصدار لبطاقات الائتمان والدَين في الشرق الأوسط، إلّا أنها من ناحية نصيب الفرد في الحصول على بطاقة هو من أدنى المعدّلات في المنطقة بنحو 9%. أما نسبة المصريين الذين لديهم حسابات مصرفية، فلا تتجاوز الـ7%.

ويعني هذا أن 80% من المبيعات التي تتم على الإنترنت، يتم تسديد أثمانها عبر الدفع النقدي عند التسليم. وتتوقع "بايفورت" Payfort أن يتم إضافة 10 دولارات إلى 30 دولاراً أميركياً على كل معاملة. وكان الصاحي قد أوضح في حديثٍ له ما هو ضروري لكل تاجر بالتجزئة على الإنترنت في مصر، وقال إن الزبائن معتادون على "لمس" السلعة قبل القيام بدفع المال.

في السياق، سبق لـ"باي بال" Paypal أن أوجزت المخاطر في تقريرٍ لها عام 2013: إتاحة الدفع عند التسليم تساعد في تحقيق نسبة عالية من العائدات، قد تصل إلى 40% في بعض الحالات؛ على التجار أن ينتظروا وقتاً قد يمتد لأربعة أسابيع للحصول على الدفعات؛ تحمّل ارتفاع نفقات الخدمات اللوجستية، جرّاء اضطرار البريد للتنسيق مع العملاء حول موقع التوصيل، إضافةً للتأكّد من أنهم في المنزل ويحملون المبلغ المطلوب؛ وهذا ما يتطلب درجة عالية من الأمان في عملية التعامل النقدي.

كل هذه التكاليف الإضافية يمكن أن تجعل من بعض المبيعات على الإنترنت أكثر تكلفة للعملاء، كما يمكن أن تُبعد الوافدين الجدد إلى هذه السوق.

فيما تنشط في مصر شركات مثل "باي بال" Paypal و"باي فورت" Payfort وشركة الدفع عبر الهاتف المحمول "فوري"، تؤدي الإجراءات الحكومية في مصر، مثل الحاجة إلى شهادات مصرفية للشركات وإدارة التعاملات المالية، إلى خنق الابتكارات في هذا القطاع.

"ستصبح عملية الدفع على الهاتف هي المعيار في بعض الأمور،"كما يقول الرقباوي الذي يعود ليؤكّد أن "التجار يحاولون تبسيط عمليات الدفع للأفراد الذين لا يملكون بطاقات ائتمان أو حسابات مصرفية. وسيكون لذلك الأثر الأكبر في توسيع انتشار التجارة الإلكترونية في مصر وكافة أرجاء المنطقة."

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة