صحوة الريادة في الجزائر باتت على الأبواب

اقرأ بهذه اللغة

لِكل من يقول إنّ الجزائر لا تبلي جيداً، يقول توفيق ليراري: "أنتم على خطأ تام".

وقصة نجاح هذا الجزائري البالغ من العمر 37 عاماً خير مثال على ذلك. ففي غضون أربع سنوات، أسس شركةً أصبحت وكالة الاتصالات الأولى في الجزائر وهي "أليجوري" Allégorie وشارك في تأسيس "فكرة" Fikra التي يشبهها البعض بمؤتمرات "تيد إكس" TEDx والتي جمعت ما بين 1400 جزائري العام الماضي. وقد لاقى هذا المؤتمر الذي يهدف إلى إلهام الجزائريين على التفكير بطريقة إيجابية والعمل من أجل تحسين بلدهم نجاحاً كبيراً.

ولكن، لِمَ ترافق الجزائر هذه السمعة السيئة، سواء في داخل البلاد أو خارجها؟ وما الذي يمكن فعله لتعزيز ريادة الأعمال والابتكار في بلد حيث ما زالت المسيرة المهنية المثالية لدى الكثيرين هي مجرد وظيفة ثابتة في الدولة؟ إليكم بعض أفكار ليراري.

ما من حسّ نجاح جماعي

تكمن المشكلة الرئيسية التي تواجهها البلاد وفقاً لرائد الأعمال في انعدام الثقة بالنفس. فيقول: "لا أحد ينكر أنّ هناك قصص نجاح في الجزائر. غير أن قصص النجاح الجماعية، ومع أنها هائلةً، لا تحظى بالاعتراف الذي تستحقه".

لدى ليراري الكثير من الأمثلة عن نجاحات جزائرية: "لدينا اليوم قدرة كبيرة على التزود بالمياه وتخزينها وتهنئنا على ذلك كافة المنظمات الدولية". ومن الانتصارات الأخرى التي حققتها الجزائر في ما خص المياه كان نجاح الجزائريين في إيصال المياه إلى مدينة اسمها تمنراست تقع على ارتفاع 1500 متر في في جبال أطلس جنوب الجزائر. ويضيف: "هذا مشروع أشاد به الجميع في كافة أنحاء العالم. وقد تحدّثت عنه محطتا "ناشونال جيوغرافيك" National Geographic و "أوشوايا" Ushuaia غير أنّ الجزائريين لا يعرفون شيئاً عنه".

"يؤلمني أن أقول إنّه ما من حس نجاح جماعي. هذه هي المشكلة الأساسية التي على البلاد معالجتها". للتصدي لذلك، قرر ليراري وشريكه مرهون رقاب أن يؤسسا "فكرة".

"فكرة" تبعث الأمل من جديد

أسس الشريكان "فكرة" عام 2012 متحمّسان لفكرة إلهام الناس. والآن بعد مضي عامين، ما زال ليراري متحمساً بشأن المؤتمر. ويشرح لنا: "أنا أحب "فكرة"، إنّها أكثر ما أحب التكلّم عنه. إنّها المكان الوحيد حيث يمكنك أن تجد فلاسفة ووزراء [في المكان عينه]".

يقرّ رائد الأعمال أنّه لم يكن من السهل أن يفسّر للناس فكرة "فكرة" في العام الأول وأن يقنع شخصيات رفيعة المستوى بالانضمام لفعالياته التي كان هدفها الوحيد أن يلهم الحاضرون بعضهم بعضاً. ومع ذلك، "لاقت الفعاليات إقبالاً جيداً، لكنّ الأهم من ذلك أنّها كانت محيية وأنشأت حس تفاؤل جماعياً".

وقد أظهر المشاركون في فعالية العام الماضي حماساً واندفاعاً لا يُضاهى، كما همّت منظمات كثيرة إلى تنظيم مؤتمرات مماثلة لتتشارك إلهاماتها وتواصل الحوار.

صحوة ريادة الأعمال البطيئة في الجزائر

تجدر الإشارة إلى أنّ "فكرة" ليست الفعالية الوحيدة بتاتاً التي تدعو للتغيير وريادة الأعمال؛ فـ "تيد إكس" و "ستارت أب ويك أند" و"موبايل داي" Mobile Day ثلاثة من هذه الفعاليات الكثيرة. غير أنّه على الرغم من هذه الجهود، لم تنبثق من البلاد بعد سوى بضع شركات ناشئة قليلة.

ويقول رائد الأعمال رداً على ذلك: "ريادة الأعمال أمرٌ جديد في الجزائر. فلم تتواجد سوى منذ 20 عاماً. قبل ذلك، لم تكن تُعتبر خياراً حتى. كان الناس كلهم يبحثون عن وظائف في الدولة". ويشدّد مضيفاً أنّ الأمور تتطلب بعض الوقت. ما زالت الجزائر في الوقت الحالي في مرحلة تغيّر في العقليات؛ ولن نبدأ برؤية النتائج الآن، بل لاحقاً.

أما الآن، فكل ما يمكن فعله هو تشجيع الناس على خوض ريادة الأعمال وعرض قصص رواد أعمال ناجحين. وقد لا تكون كل المبادرات التي نراها في الجزائر مثمرة حالياً، إلاّ أنّها ستدفع الشجعان على التفكير بطريقة جديدة. ويشدد ليراري على أنّه لا يمكن توقع المزيد الآن، شارحاً: "لن تتحول الجزائر إلى منطقة وادي السيليكون بين ليلة وضحاها. لكّننا نسير على الطريق الصحيح".

ويتمثّل هنا بـ "الوكالة الوطنية لدعم تشغيل الشباب" ANSEJ التي تمنح القروض للشباب الجزائريين الذين يرغبون في تأسيس عمل لهم. ويشرح في هذا الصدد: "الكلّ يستهدفها لأنّ الحكومة استثمرت مبلغاً هائلاً من المال فيها ومعدل انتقال الشباب إلى ريادة الأعمال منخفض. وقد استخدم بعض الشباب الجزائريين في الواقع مال الوكالة لشراء سيارات بدلاً من بناء شركات لهم بالمبلغ. لكنّ ذلك يهمني بصفتي رائد أعمال، لأنّه إن كان بين هؤلاء الذين سلكوا درب الريادة أبطال ولو قليلون، فهذا يعني أنّنا ربحنا".

وقد ذكر رائد الأعمال بضع شركات ممتازة تم إطلاقها برعاية الوكالة. ومع أنّها تعمل في مجال السباكة وخدمات مشابهة، إلاّ أنّها تحظَ بالقدر عينه من الأهمية بالنسبة إليه كقصص نجاح شركات رائدة تقنية، ذلك لأنّها تعزز فكرة أنّ ريادة الأعمال أمرٌ ممكن وأنّ في البلاد أصحاب مواهب لامعين.

ويشدد رائد الأعمال قائلاً: "سوف نشهد على طفرة بالنجوم المحلية القوية التي ستلمع في سماء الجزائر والخارج". ومن بين الشركات الناشئة العشرة التي احتضنتها "فكرة" بفضل المساعدة المالية التي تلقتها من شركة الاتصالات الجزائرية "جازي" Djezzy، "هناك رائدا أعمال أو ثلاثة سيلمعون فعلاً. قد لا ينجحون في مشروعهم الحالي، إلاّ أنّه لا بدّ أن ينجحوا في مشروع آخر. أنا متأكد من ذلك".

وفي حين أنّه ما زال على الشركات الناشئة الجزائرية القيام بالكثير للّحاق بأقرانها، يقرّ إنّها ليست سوى مسألة وقت. فالبيئة الحاضنة لريادة الأعمال في فرنسا لم تنشأ بين ليلة وضحاها. منذ 10 أو 15 عاماً، لم يكن يُحكم على الناس بناءً على قدرتهم في إقناع جمهور بفكرتهم. أما الاحتراف ومجموعات المهارات، فلم تأتِ سوى بعد عقود من الخبرة العامة في الأعمال.

ويقول: "يمكنك البدء من الصفر. هذا البلد يحتاج إلى الصبر [سواء من قبل الأجانب أو من الجزائريين]. علينا أن نبذل جهدنا، كما والتوقف عن الحكم على أنفسنا بهذه القساوة ورفض المساومة".

غير أنّه يضيف أنّه لا يجدر بالجزائريين التفكير في أنّ التواصل سيقوم بكل شيء. فعلى الأطراف المهتمة أن تعمل مع الجامعات لجلب الخريجين إلى سوق العمل وخلق قيمة. "عندما تفعل ذلك، قد تفشل أو تشكك بنفسك أو تضحك أو تفرح أو تفوز. الاحتمالات الكثيرة والفوز واحدٌ منها. لذا إن لم تجرّب، لن تتمكن من الفوز".

واختتم مقتبساً قول النبي محمّد: "افعل ذلك لتدرك ما يخبّئه لك القدر". 

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة