هل التفكير التصميميّ طريقاً نحو الابتكار؟

اقرأ بهذه اللغة

تشعر الشركات وسط معدّل التغيير الهائل، بالحاجة الملحّة لتطوير قدرتها على الابتكار، لدرجةٍ قد يضطرّها الأمر إلى تغييرٍ جذري في ممارساتها العملية. ويظهر في الواقع أنّ كثيراً من الأشخاص المكلّفين بتشجيع التفكير الخلّاق ضمن فرقهم، يشعرون بأنّ كلمتَي "ابتكار" و"تغيير" تبدوان كثيرتَي الاستعمال. نعم، إنّه مهمٌّ أن تجعل الابتكار جزءاً من الأعمال المتنامية، ولكن من أين تبدأ؟

إنّ العدد الهائل من المناهج الموجودة داخل الشركة، يشكّل جزءاً من الصعوبة التي تواجهها هذه الشركة أثناء تطوير ممارسة الابتكار داخلها، وذلك إمّا كممارسةٍ منفصلةٍ ​أو حتى كمجموعةٍ متكاملة من الممارسات عبر مجالات الأعمال المتعدّدة. وبينما يتوفّر في هذه الأيّام عددٌ هائلٌ من طرق التفكير الإبداعي، فالحنكة تقضي بإيجاد نهجٍ يمكن الالتزام به، يكون متناسباً مع ثقافة الشركة وموقعها في السوق.

"التفكير التصميميّ" Design Thinking هو نهجٌ للابتكار، عُملَ به كثيراً من قِبَل الشركات التي تركّز على المستهلك، سواء كانت تنتج سلعاً أو خدماتٍ أو عمليّاتٍ معيّنة. وهو يعمل على تشجيع أعضاء الفريق من مختلف التخصّصات في الشركة، على العمل معاً ومواجهة المشاكل بعقلية شاملةٍ محورها الإنسان. بدورها، تشتمل هذه المقالة على التعريف الأساسي للتفكير التصميميّ، إضافةً لشرحه كنهجٍ للابتكار فريدٍ من نوعه.

ما هو التفكير التصميميّ؟

يعود مصطلح "التفكير التصميميّ" Design thinking إلى ستّينيات القرن الماضي، ولكنّ الزخم الذي حصل عليه حقيقةً كان بفضل شركة الابتكار IDEO. وفي مدوّنته الخاصّة حول التفكير التصميميّ، يشرحه رئيسُ الشركة ومديرُها التنفيذي، تيم براون، بأنّه "مطابقة حاجات الناس مع ما هو ممكنٌ من الناحية التقنية، شرط أن يكون قابلاً للاستمرار بوصفه استراتيجيةً للأعمال." أمّا المهارات الأساسية التي يتطلّبها تحقيق هذا الأمر، فهي التعاطف مع الناس الذين يشعرون بهذه الحاجات، والابداع في طرح أفكار الحلول، والعقلانية في اختيار وبناء الأفكار الأكثر فعّالية وقابلية للاستمرار.

 

يقوم رئيس IDEO، تيم براون، باستخدام هذا الرسم البياني لشرح التفكير التصميميّ كمسارٍ نحو الابتكار، الذي يقوده فهم الناس والتركيز على تجاربهم.

وبعبارة أخرى، يقوم الناس على اختلاف أدوارهم من أجل معالجة جميع أنواع المشاكل، بتطبيق المهارات المستخدمة تقليدياً من قبل المصمِّمين. ولكنّ هذه المشاكل يمكن أن تتعلّق بالمنتجات أو الخدمات، وحتّى باستراتيجية الشركة. ولذلك يمكن للتفكير التصميمي أن يساعدك على خلق منتجٍ جديدٍ لزبائنك، كما يمكنه المساعدة على إعادة تصميم عناصر الحياة اليومية للموظّفين لديك؛ إدخال برامجَ صحّيةً جديدةً أو سياساتٍ أكثر سخاءً، ينتج عنها استمراريةٌ في العمل وعطل مَرَضيةٌ أقلّ.

إذاً كيف يختلف التفكير التصميمي عن غيره من مناهج الابتكار؟

تتضمن معظم مناهج الابتكار تقنياتٍ تساعد أعضاء الفريق على تنوير عقولهم والإنفتاح على احتمالاتٍ غير عادية، بحيث تشمل هذه التقنيات التأمّلَ الفرديّ والعصفَ الذهنيّ للمجموعة، والحثَّ على عرض المشاكل من وجهات نظرٍ متعدّدة. ومن ثمّ يتمّ اتّباع مجموعةٍ من الأفكار المتعدّدة التي يمكن أن يكون بعضها سخيفاً ومعيباً، عبر تحويل تلك الأفكار إلى مفاهيم مُجدية. بحيث تتكرّر الأفكار من أجل تحسينها وتوسيعها حتى تبرز المفاهيم الأقوى، وتصبح خطط العمل قابلةً للتطوير.

وفيما تُعتبَر هذه الخطوات أساسيةً في هذا المنهج (حيث تمّ استلهام الكثير منها من خلال تقنيات التفكير التصميمي)، نقدّم لكم بعض العناصر التي يتضمّنها ‘التفكير التصميميّ‘، التي تجعله متميّزاً بين جميع المناهج الأخرى.


شاهدوا هذا الفيديو لـ"بريت نيومان"، للحصول على شرحٍ قصيرٍ للتفكير التصميمي من خلال دراسة حالة معيّنة.

التركيز على الناس

يشجّعك التفكير التصميميّ على الخروج إلى الميدان، والتعلّم مباشرةً من الآخرين؛ المنافسين والمستخدِمين المحتمَلين، وحتى الناس في الأطراف الذين يمكن الاستفادة من نظرتهم إلى النشاط الذي تعمل على تحسينه. فعلى سبيل المثال، إذا أردتَ أن تشجّع الناس على ممارسة رياضة الركض، عليك أن تراقب وتقابل الذين يقومون بهذا النشاط. ولكن ينبغي عليك أيضاً أن تقابل الذين يكرهون الركض (ما هي الصعوبات الأساسية؟)، والأشخاص الذين يركضون في الماراتون (ما المفرح في الركض)؟

والأمر الأساسي في كلتا الحالتين هو هذا: لا تحاول أن تبتكر في مكانٍ فارغ. فالجلوس في قاعة الاجتماعات والكتابة على اللوح هو جزءٌ جيّدٌ من العمليّة. ولكن إذا ارتكزت أفكارك إلى فرضيّاتك الشخصية وحسب، ستحرم نفسك على الأرجح من الأفكار الرئيسية والرؤى التي تقود إلى حلولٍ جديدةٍ وفعّالة.

وتدخل المراقبة الميدانية والمقابلات والاستطلاعات، من بين التقنيات المستخدمة في هذا الإطار. أمّا البيانات التي تنتج عنها، فهي ستساعدك على إنشاء أدواتٍ لاستخدامها طوال العملية، مثل رحلاتٍ للشخصيات والعملاء التي تساهم في بناء التعاطف الذي رغبتَ به مع الناس.

مؤسّسة تستند إلى مبادئ التصميم

عندما تبدأ أفكارك المبنيّة على التعاطف بالتدفّق، سوف تشرع مبادئ التصميم بالظهور. وهذه المبادئ هي المعتقدات التي يجب أن تبقيها قريبةً وعزيزة، لأنّها تشكّل بالنسبة إليك وسيلةً للحكم على الأفكار.

على سبيل المثال، كان لدى المهندس المعماري أنطوني جاودي Antomi Gaudi مبادئ في استخدام الضوء، ساعدته على توليد أفكارٍ جديدةٍ واستخدامها في تصميم مبانيه. والمبادئ التالية تجمع بدورها ما يعتقده جاودي أساسياً بالنسبة للتجربة المطلوبة، بالإضافة إلى تفاصيل محدّدة تساعد على تحقيق هذه التجربة؛ الكثير من الضوء في الغرفة يسبّب عدم وضوحٍ في الرؤية كما يفعل الضوء الخافت؛ يجب استخدام الزوايا ذات 45 درجة والنوافذ ذات الأحجام المختلفة، لضمان مستوى مناسب من الضوء. وحريٌّ بالقول إنّ هذه التوجيهات ظهرَت كنتيجةٍ لمراقبة الهياكل القائمة والتجارب والأخطاء.

وإذا تعمّقتَ في المشكلة التي تريد حلّها، سيساعدك التفكير التصميميّ على القيام بهذه الملاحظات من خلال الفرضيّات المتعلّقة بها، وصولاً إلى البناء والاختبار، ما سيقودك نحو تشكيل مبادئ التصميم الخاصّة بك.

البراعة في اللغة البصريّة

يُعرَف التصميم تقليدياً بأنّه مجالٌ بَصَري، وهو ما يمكن أن يخيف الذين لا يعتبرون أنفسهم مصمّمين. ولكن في كلّ الأحوال، يبقى التفكير البصريّ مهارةً مهمّةً للناس في أيّ دورٍ كانوا.

يمكن أن يعمل رسم الأفكار على تفتيح ذهنك أثناء العمل على فكرةٍ جديدة، بحيث يمكن لرسمةٍ صغيرةٍ أن تعبّر عن فكرتك بشكلٍ أوضح. كما أنّك لا تحتاج لأن تكون فنّاناً!

عملية التفكير التصميمي تشجّع الناس على رسم الأفكار وعرض العمليات كقصصٍ مصوّرة. وتشجّعهم أيضاً على استخدام الرسومات والصور مثل الصور الفوتوجرافية، للبقاء على اتّصال مع اللحظات العاطفية التي تدخل في النشاط الذي تحاول تحسينه أو في المشكلة التي تحاول حلّها.

وحتّى إذا لم تعتبر نفسك فنّاناً (معظم الناس لا يفعلون ذلك)، فإنّ لديك القدرة على التواصل بصرياً. ثابر على لعبة القاموس المصوّر "بيكشونيري" Pictionary ودرّب تلك العضلة، أو قم بتجربة يدك في رسم ملاحظاتك بينما تستمع إلى محادثةِ "تيد" TEDTalk.

تشكيل النماذج الأوّلية

في سبيل اختبار أفكارك، يشجّعك التفكير التصميميّ على جعلها متماسكةً بطريقةٍ ما من خلال النماذج الأوّلية. فقد يعني هذا بالنسبة لموقعٍ إلكترونيّ، نموذجاً أوّلياً بدائياً يمكن النقر عليه أو حتّى سلسلةً من الرسومات. وبالنسبة لشيءٍ مادّي، فهو قد يعني قصَّ أو إلصاقَ عدّة أشياء سويّاً، أو نموذجاً أوّلياً ثلاثيّ الأبعاد. أمّا بالنسبة للعمليات، فهو قد يعني إنشاءَ نسخةٍ مطابقةٍ لمكانٍ ما من أجل محاكاة حركةٍ ما. أي مثل الخط الذي تسير عليه عملية إنشاء كافيتيريا، مع ما تتضمّنه من أَنساقٍ مختلفةٍ للأكشاك ولصناديق المحاسبين. فالشيء الأهمّ أن تصنع شيئاً يمكنك اختباره، ومن ثمّ تعلّم وكرّر التجربة.


ببساطة، يمكنك اختبار مثل هذه النماذج الأوّلية مع المستخدمين المحتملين ممّا يعود عليك بمعلوماتٍ قيّمة.

في المحصّلة

كواحدٍ من المسارات المحتملة للابتكار، يحظى التفكير التصميميّ كنهجٍ باهتمامٍ متزايدٍ لعدّة أسباب. وذلك لأنّه يرتكز على الحاجات البشرية، ويركّز على استخدام وجهات النظر المختلفة والقيم المتمرّدة لدفع تفكيرك الإبداعي نحو الأمام، وأيضاً بسبب نهجه المنطقي القويّ في نجاح الأعمال. ولذلك فاحرص على أن يتّبعه الأشخاص في منظّمتك في أيّ دورٍ كانوا، الذين يكونون على استعدادٍ لاستعمال عقولهم كمصمّمين في سبيل اكتشاف فرصٍ جديدةٍ والعمل عليها. ولا تنسَ أنّه عليك الاستعداد للرسم ولبذل الجهد وتحدّي الذات، إضافةً لغيرها من الأمور.

إذا كنت ترغب في تعلّم بعضٍ من هذه التقنيّات بنفسك، انضمّ إلينا في 5 و6 كانون الأوّل/ديسمبر، لتحصل على يومَين من الدروس المكثّفة؛ تعلّم تصميم تجربةٍ أفضل للمستخدِمين.

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة